
“الحنين وطنٌ بديل” ، بقلم : قمر عبد الرحمن
رواية “أطياف” للكاتبة الفلسطينية وفاء داري نافذةٌ تُفتح على قلب القدس، حيث تمشي الأرواح بين الحجارة كأنها تعرف أسماءنا القديمة. في هذه الرواية تبدو المدينة أمًّا حزينة تراقب أبناءها وهم يكبرون تحت ظلال الغياب والخوف والانتظار.
“أطياف” المرأة التي تشبه زيتونةً هرِمة في ساحة الدار، تمنح أبناءها العمر كلّه ثم تجلس وحيدةً على شرفة الذكريات. لم تكن بطلةً خارقة، كانت فلسطين نفسها حين ترتدي ثوب أمّ. تحب بصمت، تتألم بصمت، وتقاوم بصمت، كأن الحياة علّمتها أن الدموع الكثيرة لا تغيّر مصير البلاد.
في الرواية يمتزج الحب بالفقد، والمنفى بالحنين، حتى يصبح الغياب شخصيةً أخرى تسكن البيت. صافي الشهيد لا يغادر النص، بقي معلقًا في رائحة القهوة، وفي خطوات أطياف داخل الأزقة المؤدية إلى المسجد الأقصى. أما الأبناء فقد حملتهم الطرق البعيدة إلى المنافي، تاركين الأم تواجه شيخوختها كما تواجه المدن العتيقة ريح الشتاء.
ما يميز الرواية أن الكاتبة كتبت الوطن كوجعٍ يومي، وكنافذةٍ تنتظر عودة الغائبين، وكأمٍّ تخاف أن تموت دون أن تسمع طرق الباب. اللغة جاءت بسيطة وعذبة، لكنها محمّلة بشجن عميق يجعل القارئ يشعر أن الحكاية تخصّه هو أيضًا.
رواية تنحاز للعاطفة والذاكرة والرسالة، وهو ما يجعلها قريبة من القارئ ومؤثرة، وأقل ميلًا للتعقيد الفني الصارم.
وفي النهاية إن “أطياف” روايةٌ تحكي عن الإنسان حين يصبح الحنين وطنًا، وعن القدس كنبضٍ يسكن القلب دائمًا، وهي روايةٌ تذكّرنا بأن أكثر الأشياء وجعًا ليست الحروب فقط، بل الوحدة التي تتركها الحروب في أرواح الأمهات.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.