
المؤتمر الثامن لحركة فتح تجديد العهد وترسيخ المشروع الوطني ، بقلم : محمود جودت محمود قبها
فتح كانت البداية… وستبقى العنوان حتى النصر على هذه الأرض ما يستحق الحياة… وعلى هذه الأرض تستمر فتح في حمل الأمانة حتى تحقيق الحلم الفلسطيني.
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها القضية الفلسطينية تتجه الأنظار نحو المحطات المفصلية التي تعيد ترتيب البيت الداخلي وتجديد البوصلة الوطنية ويأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح بوصفه محطة نضالية وتنظيمية وسياسية بالغة الأهمية ليس فقط لأبناء الحركة بل لكل الشعب الفلسطيني الذي يرى في فتح العمود الفقري للمشروع الوطني التحرري وحاملة راية القرار الوطني المستقل.
لقد تأسست حركة فتح على فكرة واضحة جذرية وهي أن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع حريته بإرادته المستقلة وأن الكفاح الوطني بمختلف أشكاله هو الطريق نحو تحقيق الاستقلال ومنذ انطلاقتها شكلت فتح حالة ثورية متجددة استطاعت أن تقود الشعب الفلسطيني في أصعب الظروف وأن تبني مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وأن تحافظ على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتصفية.
أهمية المؤتمر في هذه المرحلة
ينعقد المؤتمر الثامن في ظل تحديات مركبة ومعقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والإقليمية والدولية فالقضية الفلسطينية تواجه ضغوطا غير مسبوقة سواء من خلال محاولات تصفية الحقوق الوطنية أو تكريس واقع الاحتلال أو فرض حلول مجهزة لا تلبي الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني كما أن الانقسام الداخلي لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد الوطني ما يستدعي مراجعات جادة ومسؤولة.
من هنا فإن المؤتمر الثامن لا يعد مجرد استحقاق تنظيمي دوري بل هو فرصة تاريخية لإعادة تقييم المسار وتعزيز وحدة الحركة وتجديد خطابها السياسي بما يتلاءم مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت الوطنية إنه مؤتمر لإعادة التأكيد على أن فتح كانت وما زالت حركة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وأنها قادرة على التكيف مع التحديات دون أن تفقد هويتها.
تجديد الشرعيات وتعزيز الديمقراطية الداخلية
يمثل المؤتمر أيضا تجسيدًا لنهج ديمقراطي راسخ داخل الحركة حيث يتم انتخاب القيادات ومناقشة البرامج والسياسات بشفافية ومسؤولية وهذا يعكس إيمان فتح بأن قوة التنظيم تنبع من وحدة صفه ومن مشاركة قواعده في صنع القرار المؤتمرات ليست فقط لتغيير الأشخاص بل لتجديد الأفكار والرؤى وضخ دماء جديدة قادرة على حمل الأمانة.
وفي هذا السياق ينتظر من المؤتمر أن يفرز قيادة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة المرحلة المقبلة وأن تعكس التوازن بين الأجيال بحيث يتم الجمع بين تجربة الرواد وحيوية الشباب فالمستقبل يتطلب قيادة قادرة على التفكير الاستراتيجي وعلى مخاطبة العالم بلغة السياسة وعلى التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني بثبات.
الثوابت الوطنية في قلب البرنامج السياسي
رغم كل التحولات تبقى الثوابت الوطنية هي الأساس الذي لا يمكن التنازل عنه فإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف وحق العودة للاجئين وفق القرارات الدولية هي حقوق غير قابلة للمساومة ويأتي المؤتمر الثامن ليؤكد من جديد أن هذه الثوابت ستظل البوصلة التي توجه مسيرة النضال.
وفي الوقت ذاته لا بد من تطوير أدوات النضال السياسي والدبلوماسي وتعزيز الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية واستثمار التحولات العالمية لصالح القضية الفلسطينية المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض بل أيضا في ميدان الرأي العام العالمي وفي المؤسسات الدولية.
تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل الانقسام ولذلك فإن من أبرز التحديات التي يجب أن يتصدى لها المؤتمر الثامن هو العمل الجاد لإنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس الشراكة السياسية واحترام التعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع إن فتح بحكم تاريخها ودورها مطالبة بأن تكون في طليعة الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة وأن تقدم نموذجا في الانفتاح والحوار وأن تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار الوحدة ليست خيارا تكتيكيا بل ضرورة وجودية لمواجهة التحديات.
دور الشباب والمرأة في المرحلة القادمة
من القضايا الجوهرية التي يجب أن يحظى بها المؤتمر اهتماما خاصا هي تمكين الشباب والمرأة داخل الحركة فالشباب هم عماد المستقبل وهم الأكثر قدرة على التفاعل مع المتغيرات واستخدام أدوات العصر في خدمة القضية كما أن المرأة الفلسطينية كانت ولا تزال شريكا أساسيا في النضال وقدمت تضحيات جسامًا تستحق أن تترجم إلى حضور فاعل في مواقع القرار.
إن تجديد الحركة لا يكتمل إلا بإعطاء الفرصة لهذه الطاقات وإشراكهم في صياغة السياسات وتحمل المسؤولية الحركة التي لا تجدد دماءها تفقد قدرتها على الاستمرار.
رسالة المؤتمر الثبات والتجديد
يحمل المؤتمر الثامن رسالة مزدوجة الثبات على المبادئ والتجديد في الوسائل فهو تأكيد على أن حركة فتح ليست مجرد تنظيم سياسي بل هي مشروع وطني مستمر يتجدد مع كل مرحلة ويستمد قوته من شعبه ومن عدالة قضيته.
البعد الإقليمي والدولي للمؤتمر
لا يمكن قراءة المؤتمر الثامن بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تؤثر بشكل مباشر على القضية الفلسطينية فالنظام الدولي يشهد إعادة تشكيل في موازين القوى وصعود أدوار جديدة لقوى إقليمية إلى جانب تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية لصالح أزمات أخرى وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى رؤية سياسية فلسطينية أكثر ديناميكية قادرة على إعادة إدراج القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي.
إن المؤتمر الثامن مطالب بصياغة استراتيجية واضحة لتعزيز العلاقات الدولية وتوسيع دائرة الدعم السياسي والدبلوماسي واستثمار كل المنابر الممكنة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني كما أن الانفتاح على القوى الدولية الصاعدة وبناء تحالفات جديدة بات ضرورة لا خيارًا في ظل التغيرات المتسارعة في المشهد العالمي.
المقاومة بمفهومها الشامل
لطالما شكلت المقاومة بمختلف أشكالها جوهر المشروع الوطني الفلسطيني غير أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة تعريف أدوات المقاومة بحيث تشمل إلى جانب النضال الشعبي العمل القانوني والدبلوماسي والإعلامي المقاومة اليوم لم تعد مقتصرة على المواجهة الميدانية بل أصبحت معركة وعي وصورة ورواية ومن هنا فان المؤتمر الثامن مدعو إلى تبني مفهوم شامل للمقاومة يُوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع ويحسن استخدام الأدوات المتاحة لتحقيق أقصى تأثير ممكن كما أن تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه ودعم مقومات بقائه يعد شكلًا أساسيا من أشكال المقاومة.
الإصلاح المؤسسي وتعزيز الحوكمة
من أبرز التحديات التي تواجه أي حركة تحرر وطني هي القدرة على بناء مؤسسات قوية وفعالة قادرة على تلبية احتياجات الشعب وتعزيز ثقته بقيادته وفي هذا الإطار يشكل المؤتمر الثامن فرصة مهمة لإطلاق عملية إصلاح مؤسسي داخل الحركة تقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة والكفاءة إن تطوير الأداء التنظيمي وتحديث آليات العمل واعتماد معايير واضحة في التعيينات والترقيات كلها خطوات ضرورية لتعزيز ثقة القواعد التنظيمية وضمان استمرارية الحركة كقوة فاعلة ومؤثرة فالحركات التي لا تُراجع نفسها ولا تصحح أخطاءها تفقد قدرتها على الاستمرار.
الخطاب الإعلامي ودوره في المرحلة القادمة
في عصر الإعلام الرقمي لم يعد الخطاب السياسي التقليدي كافياً للوصول إلى الجماهير خاصة فئة الشباب ولذلك فإن المؤتمر الثامن مطالب بوضع استراتيجية إعلامية حديثة تخاطب مختلف الفئات بلغة عصرية وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية كما أن مواجهة الرواية الإسرائيلية تتطلب خطابا إعلاميا مهنيا قائما على الحقائق قادرا على التأثير في الرأي العام الدولي المعركة اليوم هي معركة رواية بامتياز ومن يمتلك القدرة على إيصال صوته يمتلك جزءا كبيرًا من القوة.
تعزيز الاقتصاد الوطني رافعة للصمود
لا يمكن فصل البعد الاقتصادي عن المشروع الوطني تعزيز الاقتصاد الوطني ودعم الإنتاج المحلي وتوفير فرص العمل كلها عوامل تسهم في تعزيز صمود المواطن الفلسطيني وتقليل من الاعتماد على الخارج ومن هنا فإن المؤتمر الثامن مدعو إلى تبني سياسات اقتصادية وطنية تعزيز من الاعتماد على الذات وتشجيع المبادرات الشبابية وتدعم القطاعات الحيوية إن بناء اقتصاد مقاوم قادر على الصمود في وجه الضغوط يعد جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني فالشعب الذي يمتلك مقومات الصمود الاقتصادي يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات السياسية.
المؤتمر رافعة لإعادة الثقة
في ظل التحديات الداخلية والخارجية تبرز مسألة الثقة كعامل حاسم في نجاح أي مشروع وطني الثقة بين القيادة والقاعدة وبين المواطن ومؤسساته تشكل أساس الاستقرار والاستمرار ومن هنا فإن المؤتمر الثامن يمثل فرصة لإعادة بناء هذه الثقة من خلال قرارات جريئة وإصلاحات حقيقية وخطاب صادق يعكس تطلعات الشعب إن الجماهير الفلسطينية تنتظر من هذا المؤتمر أن يحدث فرقا حقيقيا وأن تترجم الشعارات إلى أفعال وأن يعيد الأمل بامكانية التغيير فالتحديات كبيرة لكن الفرص لا تزال قائمة.
نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني
إن المؤتمر الثامن ليس نهاية مرحلة بل بداية لمرحلة جديدة من العمل الوطني تتطلب رؤية واضحة وإرادة سياسية قوية ووحدة وطنية صلبة فالمستقبل لن يكون سهلا لكن الشعب الفلسطيني أثبت عبر تاريخه أنه قادر على تجاوز المحن وتحقيق الإنجازات وفي هذا السياق تبقى حركة فتح بما تمتلكه من تاريخ وتجربة مؤهلة لقيادة هذه المرحلة شريطة أن تحسن قراءة الواقع وأن تجدد نفسها وأن تظل وفية رسالتها الأولى.
إن المؤتمر الثامن لحركة فتح يجسد لحظة تاريخية فارقة تتقاطع فيها التحديات مع الفرص والمسؤوليات مع الآمال فهو ليس مجرد اجتماع تنظيمي بل محطة وطنية لإعادة التأكيد على الثوابت وتجديد العهد وبناء المستقبل ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة هذا المؤتمر في إحداث نقلة نوعية في مسيرة الحركة وتعزيز دورها في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني بما يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني وطموحاته في الحرية والاستقلال.
يبقى الأمل معقودا على أن يشكل هذا المؤتمر نقطة انطلاق جديدة نحو مرحلة أكثر قوة ووحدة وأن ينجح في إعادة الزخم للحركة وتعزيز دورها القيادي في المشروع الوطني الفلسطيني التحديات كبيرة لكن الإرادة أكبر والشعب الذي صمد لعقود قادر على مواصلة النضال حتى تحقيق الحرية والاستقلال.
فتح كانت البداية… وستبقى العنوان حتى النصر على هذه الأرض ما يستحق الحياة… وعلى هذه الأرض تستمر فتح في حمل الأمانة حتى تحقيق الحلم الفلسطيني.
باحث في درجة الدكتوراه في العلوم السياسية و العلاقات الدولية
ابن العاصفة
ابن الشبيبة الفتحاوية
د. محمود جودت قبها
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.