
التعفّن الدماغي : لماذا تتراجع قدرتنا على التركيز؟ ، بقلم : هنادي طلال الدنف
في عالم تُسرق فيه الدقائق دون أن نشعر، يفتح كثيرون هواتفهم لدقائق قليلة، قبل أن يكتشفوا أن ساعة كاملة قد مرّت. بين مقاطع قصيرة، ومنشورات متلاحقة، وانتقالات سريعة بين التطبيقات، يتبدد الوقت بسهولة، ومعه تتراجع القدرة على التركيز.
وعند محاولة العودة إلى مهمة بسيطة مثل القراءة أو الدراسة أو الكتابة، يواجه الكثيرون صعوبة في الاستمرار أو الحفاظ على الانتباه لفترة كافية. هذا الشعور لم يعد حالة فردية، بل أصبح تجربة يومية شائعة.
يُطلق على هذه الحالة بشكل غير رسمي مصطلح التعفّن الدماغي (Brain Rot)، وهو تعبير منتشر لوصف التشتت الذهني، وضعف التركيز، والانخفاض في القدرة على إنجاز مهام تتطلب انتباهًا مستمرًا. ورغم انتشاره، لا يُعد هذا المصطلح تشخيصًا طبيًا، بل يقترب من مفاهيم معروفة في علم النفس مثل الإرهاق الذهني (Mental Fatigue) والحمل المعرفي الزائد (Cognitive Overload).
من منظور نفسي، يرتبط هذا التراجع في التركيز بتعرّض الدماغ المستمر لكمّ كبير من المحفزات السريعة. فالمحتوى الرقمي الحديث، خاصة الفيديوهات القصيرة والإشعارات المتكررة، يعتمد على تقديم مكافآت فورية ومتجددة، ما يدرّب الدماغ على البحث الدائم عن التنوع والسرعة.
ومع الوقت، تصبح الأنشطة التي تتطلب تركيزًا أطول، مثل القراءة أو الدراسة، أقل جذبًا، ليس بسبب الكسل أو ضعف الإرادة، بل نتيجة تغيّر نمط استجابة الدماغ.
ولا يقتصر الأمر على الاستخدام الرقمي فقط، إذ تلعب عوامل أخرى دورًا مهمًا في ضعف التركيز، مثل الضغط النفسي، والقلق المستمر، وقلة النوم. هذه العوامل تستنزف الطاقة الذهنية وتؤثر بشكل مباشر على القدرة على الانتباه والإنتاجية.
كما أن بعض العادات اليومية، مثل السهر لفترات طويلة، واستخدام الهاتف قبل النوم، وقلة النشاط البدني، تساهم تدريجيًا في زيادة الإرهاق الذهني وتراجع صفاء الذهن.
ورغم شيوع هذه الحالة، يشير مختصون في علم النفس إلى أنها ليست دائمة ولا تعني وجود تلف في الدماغ، بل يمكن التعامل معها واستعادة التوازن الذهني من خلال تغييرات بسيطة في نمط الحياة، مثل تقليل التعرض للمحتوى السريع، وتخصيص أوقات محددة لاستخدام الهاتف، وتحسين جودة النوم.
كما يُنصح بالعودة تدريجيًا إلى أنشطة تتطلب تركيزًا، مثل القراءة أو الكتابة، حتى لو لفترات قصيرة في البداية، ثم زيادتها مع الوقت. فالمسألة لا تتعلق بالابتعاد عن العالم الرقمي، بل بإعادة تنظيم العلاقة معه بطريقة أكثر وعيًا وتوازنًا.
في النهاية، ما يُعرف بـ التعفّن الدماغي ليس حالة طبية بقدر ما هو انعكاس لنمط حياة سريع ومليء بالمشتتات. وإدراك هذه الحقيقة قد يكون الخطوة الأولى نحو استعادة التركيز في عالم يزداد تسارعًا يومًا بعد يوم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.