
التنمية الخضراء وثورة الطاقة في الصين ، بقلم : وانغ مو يي
لا تزال تداعيات الأزمة الإيرانية تتفاقم، فيما تمتد حالة عدم اليقين إلى مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الطاقة. ويبرز مضيق هرمز، بوصفه الشريان الحيوي للطاقة عالميًا، في قلب المشهد، إذ إن أي توتر جيوسياسي فيه يُطلق فورًا سلسلة من التفاعلات في الأسواق العالمية.
هذه الصدمة المفاجئة في قطاع الطاقة ليست مجرد اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، بل تمثل أيضًا مرآة تكشف هشاشة منظومة الطاقة الأحفورية التقليدية. وقد جعلني هذا أدرك الأهمية البالغة لتطوير الصين السريع لمصادر الطاقة الجديدة في السنوات الأخيرة. مؤخرا، كُشفت تفاصيل مسودة الخطة الخمسية الصينية الخامسة عشرة (2026–2030)، التي نصّت بوضوح على “الإنجاز الأولي لبناء منظومة طاقة حديثة”، مع استهداف رفع حصة الطاقة غير الأحفورية إلى 25% من إجمالي الاستهلاك بحلول عام 2030. كما أدرج تقرير عمل الحكومة لهذا العام لأول مرة مفهومي “طاقة المستقبل” و“الوقود الأخضر”. وتمنح هذه اللحظة دلالة أعمق: فثورة الطاقة في الصين لا تتعلق فقط بالتحول الأخضر، بل بإعادة صياغة معادلة السيطرة على مفاتيح البقاء والتنمية.
ومع تعمق تحول هيكل الطاقة في الصين، تتجه الطاقة الجديدة تدريجيًا إلى إحلال الوقود الأحفوري. وفي قطاع النقل، وهو أكبر مستهلك للنفط، أدى النمو السريع للسيارات الكهربائية إلى تراجع اعتماد الصين على النفط المستورد عامًا بعد عام.
فبحلول نهاية عام 2025، تجاوز عدد مركبات الطاقة الجديدة في الصين 43 مليون مركبة، أي نحو 12% من إجمالي السيارات، بزيادة قدرها 12.57 مليون مركبة مقارنة بالعام السابق. وتشير التوقعات إلى أن هذا العدد سيتجاوز 120 مليون مركبة بحلول عام 2030، بما يمثل نحو 30% من الإجمالي.
وفي عام 2025، تجاوزت نسبة انتشار سيارات الركاب العاملة بالطاقة الجديدة 50%، متفوقة لأول مرة على نظيراتها التقليدية، ما يعني أن أكثر من نصف السيارات الجديدة المباعة أصبحت كهربائية أو تعمل بالطاقة النظيفة.
ووفقًا لتقديرات بلومبرغ لتمويل الطاقة الجديدة، ستسهم المركبات الكهربائية في استبدال نحو 870 ألف برميل من الوقود يوميًا بحلول عام 2025، ما يعادل قرابة 43.5 مليون طن سنويًا، في حين سجل استهلاك المنتجات النفطية تراجعًا ملحوظًا، باستثناء وقود الطائرات.
كما يشير “تقرير تطور صناعة النفط والغاز في الداخل والخارج لعام 2025” إلى أن استهلاك المنتجات النفطية في الصين انخفض بنحو 3% على أساس سنوي في عام 2025، حيث تراجع استهلاك البنزين والديزل بنسبة 2.4% و4.4% على التوالي، بينما ارتفع استهلاك وقود الطائرات بنسبة 2.1%.
ومن منظور أوسع، لا يقتصر هذا التحول على قطاع النقل، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل منظومة الطاقة بأكملها.
ففي جانب توليد الكهرباء، أصبحت حصة النفط في هيكل توليد الكهرباء في الصين ضئيلة للغاية. ووفقًا لبيانات البنك الدولي، بلغت هذه النسبة في عام 2023 نحو 0.096% فقط. وبحلول نهاية عام 2025، شهد هيكل الطاقة الكهربائية في الصين تحولًا ملحوظًا؛ فمع أن الطاقة الحرارية (وخاصة الفحم) ما تزال تمثل العمود الفقري لتوليد الكهرباء، فإن حصة القدرة المركبة للطاقة غير الأحفورية تجاوزت لأول مرة 60%.
وفي عام 2025 أيضًا، حققت الطاقة المتجددة في الصين رقمًا قياسيًا جديدًا في القدرة المركبة. ووفقًا لبيانات الإدارة الوطنية الصينية للطاقة، تجاوزت القدرة المركبة الجديدة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية 430 مليون كيلوواط، ليصل إجمالي القدرة المتصلة بالشبكة إلى 1.84 مليار كيلوواط، متجاوزة تاريخيًا الطاقة الحرارية، ومشكلة 47.3% من إجمالي القدرة المركبة للكهرباء في البلاد. وهذا يعني أن نمطًا جديدًا يتشكل بسرعة: كل كيلوواطين من الكهرباء في الصين يقابلهما تقريبًا كيلوواط واحد من مصادر غير أحفورية.
والأهم من ذلك أن إنتاج الطاقة المتجددة في عام 2025 بلغ نحو 3.99 تريليون كيلوواط ساعة، أي ما يعادل 38% من إجمالي توليد الكهرباء، بينما جرى تلبية الزيادة الكاملة في الطلب على الكهرباء في المجتمع من خلال الزيادة في إنتاج الطاقة المتجددة.
ويقف وراء هذا التحول نظام تخزين الطاقة ونظام الكهرباء الحديث اللذان يتشكلان بسرعة. فبحلول نهاية عام 2025، تجاوزت القدرة المركبة للتخزين الجديد للطاقة في الصين 100 مليون كيلوواط، أي أكثر من 40% من الإجمالي العالمي. وتشبه هذه المنشآت “خزانات كهرباء” ضخمة، حيث يمكنها تخزين فائض الطاقة الشمسية خلال النهار وإطلاقها عند الحاجة، ما يجعل الكهرباء الخضراء أكثر استقرارًا وموثوقية.
وبحسب مسودة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، ستتجاوز قدرة نقل الكهرباء من الغرب إلى الشرق في الصين 420 مليون كيلوواط خلال فترة الخطة، ما يسمح بنقل الكهرباء الخضراء من غرب البلاد الغني بالرياح والشمس إلى مراكز الاستهلاك الكبرى في الشرق.
أما الرؤية الأكثر بعدًا، فتتمثل في إدراج “طاقة المستقبل” و”الوقود الأخضر” لأول مرة في تقرير عمل الحكومة لهذا العام، في خطوة تهدف إلى التخطيط الاستباقي لأمن الطاقة في الصين. وتشير البيانات إلى أن القدرة الإنتاجية للهيدروجين الأخضر في الصين تجاوزت 250 ألف طن سنويًا في عام 2025، كما أصبحت البلاد في طليعة العالم في قدرات تصنيع المعدات الأساسية مثل أجهزة التحليل الكهربائي.
وفي مجال الميثانول الأخضر، تمثل مشاريع الميثانول المتجدد المخطط لها في الصين نحو 59% من القدرة الإنتاجية العالمية. وفي المستقبل، قد تتمكن الطائرات والسفن والشاحنات الثقيلة من الاستغناء عن الكيروسين والديزل المستوردين، والاعتماد بدلًا من ذلك على الهيدروجين المنتج من طاقة الرياح والشمس في غرب الصين، والذي يعاد تركيبه في شكل ميثانول أخضر. وهذه الوقوديات الجديدة لا تسهم فقط في خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز التنمية الخضراء، بل تعزز أيضًا أمن الطاقة في الصين.
وبالعودة إلى مضيق هرمز، فإن كل توتر يصيب هذا الشريان العالمي للطاقة يذكّر العالم بحقيقة واضحة: أن عصر الاعتماد على الوقود الأحفوري محفوف بعدم اليقين. وفي المقابل، تمضي الصين في مسار مختلف، عبر التقاط الطاقة الشمسية، وتخزين الكهرباء الخضراء، وتطوير منظومات الهيدروجين. إنها ليست مجرد خطوة نحو التنمية الخضراء، بل استراتيجية متكاملة لتعزيز أمن الطاقة.
- – وانغ مو يي – صحفية صينية – الصين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .