
الأبعاد الفنّيّة والتقنيّة للقصيدة الرقمية “الهزيع الأخير ” من ظلال لا تشبهني لسعاد بسناسي ، د. ميّادة أنور الصعيديّ
– غزة – فلسطين
يعدّ الأدب صورةً صادقةً عن حياة الإنسان (آلامه، وآماله) حتّى لو تغيّرت أداته، أو شكل القالب الذي قُدّم فيه إلى المتلقّي، وعليه فإنّ تراثنا الأدبيّ لا غبار عليه، لكنّنا يجب أن نجيد اللّغةَ الرقميّة وأن نلمّ ببرامجها؛ كي ننتجَ أدبًا وفق المستوى المطلوب أو أعلى منه؛ للمساهمة في سدّ الفجوة الرقميّة. وهذا بحدّ ذاته رهانُ المواكبة؛ لأنّ الأدب الرقميّ هو تحوّلٌ في الذّهنيّة الإنسانيّة، ونتيجةٌ حتميّةٌ للعلاقات المختلفة بين الثّقافات؛ فقد شهدت الحياة المعاصرة تحوّلات جذريّة في مختلف الميادين سواء الإنتاجيّة أو الإبداعيّة؛ بحيث لم يعد الحديث عن اقتحام التكنولوجيا وتطبيقاتها الرقميّة فروع الأدب الرقميّة حديثًا مستغربًا؛ إذ فرضت تحوّلاتها على مختلف مكوّنات الحياة وملحقاتها الماديّة والفكريّة، وبات التّحوّل نحو الإلكترونيات والتّطبيقات الرقميّة حاجةً ملحّةً وأساسيّةً لمن رام الانتساب الحقيقيّ للعصر الحالي؛ لأنّ هذه التّحوّلات شملت تغييرات في المشهد العام، وعلى إثر ذلك تغيّرت خارطة العلاقات بين الأشياء والكائنات: بالزمان والمكان، بالاقتصاد وبالإنتاج، بالمجتمع والسّلطة، بالذّاكرة والهويّة، بالمعرفة والثّقافة . ومن هنا فإنّ القارئ اليوم يحاول تجاوز الطريقة التقليديّة في تلقّيه للنّص الأدبيّ؛ لأنّه وجد نفسه رويدًا رويدًا يمقت الفضاء الورقيّ البصريّ، وينتقل إلى الفضاء الأزرق الرقميّ، إذ تجلّى الأخير مع عالم التكنلوجيا المعاصرة، فكان لزامًا أن يتجاوز الأديب مرحلة الورقيّة إلى الرقميّة، وألّا يُبقي نصّه حبيسًا بين دفّتي كتابٍ يتناقله عددٌ من القرّاء أقلّ بالقياس مع أولئك المتفاعلين على منصّات التّواصل، ولو كان الأمر غير ذلك! إذن، ما الهدف من عمليّة التّأليف؟ وما قيمة تأليف كتاب أدبيّ دون إيجاد متفاعلين يقيّمونه كلٌّ حسب وجهة نظره؟ إذ كلّما زاد الخلاف على الإبداع زادت مكانته؟ فالفائدة تتحقّق في الاختلاف حول العمل، لا الاتّفاق.
إنّ الدراسة الحالية هي جزء تطبيقيّ من دراسة أكبر حول الأدب الرقميّ، ولقد ارتأت الباحثة اتّخاذ المنهج التحليليّ الجماليّ؛ لتحليل الماهية اللغويّة لقصيدة “الهزيع الأخير”، والوقوف على بُنية القصيدة الفنّيّة والأيقونيّة؛ في محاولة لاستجلاء جماليّات التشكيل اللغويّ الأيقونيّ للقصيدة الرقميّة التفاعليّة.
والقصيدة المعاصرة كأيّ جنسٍ أدبيّ تفاعلي توظّف معطيات التّكنولوجيا الحديثة في تقديم محتواها؛ بحيث تجمع بين الأدبيّة والإلكترونيّة، ولا يمكن أن يتأتّى لمتلقّيها إلا عبر الوسائط الإلكترونيّة، ولا يمكن أن يُطلق عليها تفاعليّةً إلّا إذا مَنَحَتْ المتلقّي مساحةً تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصليّ للنّص . هذه المساحة هي التي تجعلنا نؤكّد: أنّنا لا زلنا في مرحلة الانتقال من الفضاء الورقيّ المغلق إلى الفضاء الأزرق المنفتح؛ ذلك لصعوبة تفهّم تلك النّقلة وهذه المساحة عند بعض الأدباء والقرّاء التقليديين من مناهضي التّكنلوجيا، والمعتمدين جلّ اعتمادهم على النموذج الورقيّ للكتابة الأدبيّة. تلك التي تغيّرت نتيجةً لتغيّر التّجربة الحياتيّة المعاصرة؛ إذ أصبح لها أبعادٌ فكريّةٌ تتطلّب أداءً مغايرًا. ذلك لأنّ النّموذج المعرفي لا يستجيب لتفسير هذه التّجربة المغايرة، وبالتّالي كان لا بدّ من تولّد صيغة جديدة في الكتابة تستوعبها، ومن هنا كان لزامًا أن تنفتح القصيدة على الفنون الأخرى، وتستفيد منها بوصفها تعبيرًا عن علاقة الفرد ومدى تفاعله مع ما يحيط به من ظواهر ثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة؛ لذلك كلّه فإنّ القصيدة التّفاعليّة أصبحت تعبّر عن التّعدّد داخل الكيان العربيّ، والصّراع داخله، ممّا يكشف عن مخاضٍ حقيقيٍّ للذّات العربيّة في استيعابها لمتغيّراتٍ ثلاثة: المتغيّر المعرفيّ، والمتغيّر السياسيّ، والمتغيّر التّكنولوجيّ والمعلوماتيّ .
الأدب الرّقميّ
ظهر الأدب الرّقميّ (Literature (Digital في القرن العشرين؛ إذ لاقى اهتمامًا من قِبل الأدباء الذين يجيدون التّعامل مع التكنلوجيا الحديثة في نشر إبداعاتهم، ولأنّنا في عصر الرقمنة؛ فقد تطلّب الأمر تجاوز الأشكال الأدبيّة من الورقيّة إلى الرقميّة؛ بغية مجاراة المستحدثات العصريّة بوساطة تقنيّات وروابط مختلفة؛ ممّا حدا بالنّقاد إلى إطلاق جملةً من المصطلحات على (الأدب الرقميّ) كــــــ “الأدب التّفاعليّ، الشّبكيّ، الوسائطيّ، الشّاشة، الدّيجتاليّ، الالكترونيّ، المبرمج، النّصّ المترابط، الحاسوبيّ، اللّوغارتميّ، الإعلاميّ، الويبيّ، الكتابة الفايسبوكيّة، الميديا “.
إنّ تشديد بعض النّقّاد على استعمال نعت “الرقميّ” في مفهوم الأدب الرقميّ يتمّ فيه التّأكيد على خاصيّة بنيويّةٍ واحدةٍ، وهذا لا يعني أنّ مصطلح الأدب الرقميّ “يُلخّص في حدّ ذاته خصائص هذا الأدب وتصوّراته، بما ليس في وسع أيّ كلمة أن تقوم بذلك، فضمن هذا المنظور تكون النّقاشات الدائرة حول المصطلحات غير قائمة على أساسٍ متين “؛ لذلك فقد نعت بُوطْز هذه الاصطلاحات بـــــ (اصطلاحات الــــ “موضة”) التي من شأنها أن تتطوّر بمرور الزمن وفقًا لسياق استخداماتها، وغالبًا ما تُفرض لأغراضٍ تسويقيّةٍ فحسب!
لا ضير في أنّ الأدب الرقميّ وإن تقاطعت مصطلحات رواد النّقد الأدبيّ أو تباينت سيّان “إلّا أن مصبّها فرديّ متفرّد لا خلاف في مستقرّه، وكلّها تحيل الأدب الرقميّ إلى وسائطه الحاسوبيّة التي تعمل على رسم معالم النّصّ الرّقميّ.. “. ويبدو جليًّا أنّ إضافة لفظ “الرقميّ” إلى لفظ “الأدب” نظرًا لطبيعة النّظام الرّقميّ للحاسوب؛ باعتباره الوسيط الرابع في العمليّة الإبداعيّة الرقميّة، المكوّنة من: المبدع، النّص، المتلقّي، الحاسوب. ويُمكن إرجاع اختلاف المصطلح من ناقدٍ إلى آخر بسبب اختلاف الرؤية والخلفيّة الفكريّة والثّقافيّة لكلّ واحدٍ منهم.
فما هو الأدب الرقميّ؟ وما هي الأجناس التي تندرج تحته؟
الأدب: هو أحد أشكال التّعبير الإنسانيّ؛ إذ يعدّ صورةً صادقةً تعكس تجربة الأديب (شاعرًا أم ناثرًا) وأفكاره، وتُبْرزُ موهبته وثقافته. والأدب: هو ذلك الفنّ الرفيع الذي يصدر عن لغةٍ جماليّة، تقع على مواطن الحسّ من النّفس، فتثيرها حماسةً وغيرةً وتذيبها حنانًا ورقّةً .
وتعدّ الرّقميّة: تقنيةً حديثةً لتدوين المعلومات وتثبيتها من خلال تخزينها واستعادتها بوساطة جهاز الحاسوب، وتكون المعلومات عادة برمز شفري ثنائي (0_1) ترتبط به ارتباطًا وثيقًا سواء على مستوى الإنتاج أو التلقي. والرّقميّة: هي إحدى متطلّبات النّسق الحضاريّ وركيزةً من ركائز الانفتاح التّكنلوجيّ، الذي أثّر كثيرًا على النّصّ الأدبيّ من حيث: طريقة التّقديم، والتّلقّي. حتى بات بونًا شاسعًا بين النّص الورقيّ (التّقليديّ) والنّص الرقميّ (المعاصر)، وهو “في واقع الأمر نزوع لا إراديّ لدى الإنسان … إلى فضاءات هذا العالم الجديد “، الجامع لكلّ أنواع التّقنيّات الإلكترونيّة الباعثة للتّشويق والمحفّزة للمتابعة الْجادّة.
ويقصد بالأدب الرقميّ: “الأدب السّرديّ أو الشّعريّ أو الدّراميّ الذي يستخدم الإعلاميّات في الكتابة والإبداع، أي يستعين بالحاسوب أو الجهاز الإعلاميّ من أجل كتابة نصٍّ أو مؤلّف إبداعيّ ويعني هذا أنّ الأدب الرقميّ هو الذي يستخدم الوساطة الإعلاميّة أو جهاز الحاسوب أو الكمبيوتر ولجوء النّصّ الأدبيّ إلى عوالم رقميّة وآليّة وحسابيّة “.
لذلك فإنّ محمد سناجلة – رائد الإبداع الرقميّ العربيّ – يرى أنّ هذا العصر سيؤدّي إلى موت الأجناس الأدبيّة التي عرفها العالم العربيّ سابقًا، مشيرًا إلى أنّ هذا العصر سينتج أدبًا جديدًا (مزيج بين: القصّة والشّعر والمسرح والسّينما والبرمجة) قادرًا على هضم السّابق ومزجه مع التّالي، أي ممّا توفّره الثّورة الرّقميّة من إمكانات كبيرة؛ لخلق جنسٍ إبداعيّ جديدٍ قادرٍ حقًّا على حمل معنى العصر الرقميّ بمجتمعه الجديد وإنسانه المختلف… فالإنسان الجديد بالضّرورة سيخلق أدبه وإبداعه الخاصّ به .
وعليه لم يعد المشهد الأدبيّ قادرًا على تجاهل التّطور المعرفيّ، والثّورة التكنولوجيّة؛ حيث أدّى التّزاوج الفعليّ بين الأدب والتّقنيّة إلى تغيير رؤى المتلقّيين من خلال إنتاج أنماطٍ ثقافيّةٍ جديدة، وتطوّرت الأجناس الأدبيّة التّقليديّة؛ إذ أصبحت تعتمد على التّقنيّات الحاسوبيّة؛ لتناسب متطلّبات العصر والمرحلة، فمن البدهيّ أن يمتدّ التّحوّل الذي أحدثته الثّورة التكنولوجيّة إلى الأدب بمختلف أشكاله وأصنافه؛ إذ برز “الشّعر التّفاعليّ Interactive Poetry”، و”المسرح التّفاعليّ Interactive Theater”، و”المقال التّفاعليّ “Interactive Article، و”الرواية التّفاعليّة”Interactive Novel .
لقد اكتسب الأدب التّفاعليّ صفة التّفاعليّة التي تمنحه إيّاها الوسائط الإلكترونيّة، إلى جانب صفة الأدبيّة الرّاسخة فيه؛ لذلك أكّدت البريكي أنّ هذا النوع من الأدب سُمي تفاعليًّا؛ “لأنّه يعتمد في وجوده على التّفاعل القائم بين المبدع والمتلقّي، وبين المتلقّي والنّص، وبين مجموعة المتلقّين المختلفين للنّصّ نفسه “.
ولقد جاء مفهوم “التفاعلي” حسب ما ورد في القواميس الإنجليزية بــ :
“interactive: an interactive computer program, video, etc.. reads to instruction that you give it “
ويقصد بهذا التّعريف أنّ التّفاعليّ: عبارةٌ عن برامج الكمبيوتر التّفاعليّة والفيديو.. إلخ، التي تستجيب للتّعليمات التي يقدّمها المستخدِم لها، أو هو الاستعانة بالتّقنيّات التي توفّرها تكنولوجيا المعلومات وبرمجيّات الحاسوب الإلكترونيّ؛ لصياغة هيكلة النّصّ الدّاخليّة والخارجيّة، فهو “نظام لتخزين الصّور والنّصوص وملفّات الكمبيوتر الأخرى التي تسمح بربط مباشر إلى النّص أو الصّورة أو الصّوت.. “. أو أيّ رابط يقوم بتحويل المتابع إلى المعلومات أو النّصوص المخزّنة. ويبدو أنّ توظيف أدوات هذا النّظام ساهم في انبثاق أجناس أدبيّة جديدة، أو تطويرها لأشكال إبداعيّة قديمة، فالأدب الرّقميّ التّفاعليّ يقع ضمن الإبداعات التي توظّف الوسائط المتعدّدة من “أصوات، وصور، وفيديو، وإضاءة.. و “تولّدت مع توظيف الحاسوب، ولم تكن موجودةً من قبل ذلك أو تطوّرت من أشكال قديمة ولكنّها اتّخذت مع الحاسوب صورًا جديدةً في الإنتاج والتلقّي “.
إنّ الاكتفاء بهذا المصطلح يعود إلى أنّ الدّراسة الحاليّة لم تخصّص معالجةً شاملةً مستقلّة لمصطلح “الأدب الرّقميّ أو التّفاعليّ”؛ إذ لم يكن ذلك من أهدافها، وعليه فإنّها ستشير إلى أهم الدّراسات الجادّة التي تناولته من خلال الاقتباسات والإحالات ، بالإضافة إلى أنّ مصطلح “الأدب التّفاعليّ” مصطلحٌ فضفاض؛ ممّا لا يعني الدّراسة الحاليّة، ولا يُغْنِيْ الدَّرسَ النّقديّ، ولا يمنح الباحثة سوى التّشتّت وانشغاله عمّا هو أهم؛ وهذا ما أكّدته البريكي بقولها: “إنّ الأدب التّفاعليّ مصطلحٌ فضفاضٌ، يضمّ كما رأينا عددًا من الأجناس الأدبيّة التي تختلف فيما بينها اختلافاّ كليًّا، ولا تكاد تتّفق إلّا في كونها لا تتجلّى لمتلقّيها إلّا إلكترونيًّا وهذا يعني بالضّرورة أنّ منتجها لا ينتجها إلّا إلكترونيًّا أيضًا.. “. وعليه فقد اكتسب الأدب التّفاعليّ صفة التّفاعليّة التي تمنحه إيّاها الوسائط الإلكترونيّة، إلى جانب صفة الأدبيّة الرّاسخة فيه؛ لذلك أكّدت البريكي أنّ هذا النوع من الأدب سُمي تفاعليًّا؛ لأنّه يعتمد في وجوده على التّفاعل القائم بين المبدع والمتلقّي، وبين المتلقّي والنّص، وبين مجموعة المتلقّين المختلفين للنّصّ نفسه .
ومن هنا فإنّ هذا النّوع الجديد من الأدب يتمحور حول المتلقّي الذي يتفاعل مع ما يُعرض من أدبٍ من خلال الشّاشة الزّرقاء، وبناء على المساحة التي يستطيع من خلالها التّفاعل مع النّص أو المشهد المعروض، والتي يجب أن تُعادل، وربّما تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنّص ؛ وعليه فإنّ المبدع الفعّال على الشّاشة الزّرقاء، هو مَن يُتقن التّقنيّات الإلكترونيّة، ويوظّف وسائطها ويشيّد الرّوابط الخاصّة بنصّه أو بعرضه، مع مراعاة النّاحية الجماليّة الدّالة، التي تتيح للمتلقّي امكانيّة المشاركة الفاعلة من أجل القدرة على الارتحال في جسد النّصّ الرقميّ بحيويّة ومرونة، والتّفاعل مع ما يُعرض من هذا النّصّ على شكل “فيديو”.
على هذا الأساس فإنّ عناية الدّراسة الحاليّة تنصبّ على تتبّع القصيدة الرقميّة التّفاعليّة كنوعٍ من أنواع الأدب التّفاعليّ وعلى تلمّس خصائصها المغايرة عمّا ألفه القارئ العربيّ في القصيدة الورقيّة، والتي تمنح نصوصها التّفاعليّة: الفُرادة، والتّنوّع في وسائل العَرْض، والتّجديد في العلاقة القائمة بين الرّوائيّ والمتلقّي في الفضاء الرّقميّ، فتضيف مزايا نوعيَّة تغني الأدب الرّقميّ، وتكسبه عمقًا وحضورًا تفاعليًّا من خلال نقل وعي المتلقّي إلى بيئةٍ افتراضيّةٍ حيّةٍ تحاكي واقعه، وتشعره بأنّه يعيشها، وتسمح له بالتّفاعل والمشاركة معها. وهذا بدوره يتطلّب متلقيًا متمرّسًا وفطنًا؛ يمتلك آليات القراءة الرقميّة كما يتوجّب على الرّوائيّ امتلاكها، والمقدرة على التّعامل معها، وتوظيفها بحنكةٍ ودرايةٍ واعية.
القصيدة التفاعليّة جنسًا أدبيًّا يجمع بين الأدب (في لغته) والتّكنولوجيا (في وسائل عرضه)؛ إذ يستدعي ذلك “أن يصبح المبدع متمكنًا من استخدام الحاسوب بمهارةٍ، وفهم لغته وبرامجه، وكلّ ما يتعلّق به حتى يتمكّن من صياغة إبداعه دون أن يشعر بحواجز نفسيّةٍ على الأقل بينه وبين الوسط الذي ينقل عبره إبداعه إلى المتلقّي، حتى إن كان يستعين بأكثر الحاسوبين مهارةً للقيام بذلك نيابة عنه “، وهذا يتطلّب أن يكون الشاعر قادرًا على توظيف الرّوابط الحاسوبيّة ووسائطها المتعدّدة؛ ليجذب القرّاء ويستقطب اهتماماتهم؛ ممّا يتطلّب من الطّرفين (الشاعر والقارئ) أن يكونا على وعيٍ تامٍّ بالتّقنيّات الموظّفة لهذا النّوع الأدبيّ؛ لذا فإنّ امتلاك أدوات التّكنلوجيا المعاصرة سيجعل الشاعر يبتكر طرقًا مبدعةً لعرض نصّه؛ ممّا يتطلّب قارئًا مثقّفًا يدرك كيفيّة التّعامل مع هذه الطرق؛ لذا فالنّص الأدبيّ يأخذ مع تطور الوسائط التكنولوجيا أبعادًا أخرى مختلفة عن الأبعاد التّقليديّة؛ بحيث يتواءم مع متطلّبات التّكنلوجيا، ومن شأن هذا أن يؤثّر في الطّريقة التي سيتلقّى بها الجمهور نصّه وكيفيّة تعامله معه .
بين يدي النص:
تهدف قصيدة “الهزيع الأخير” إلى توجيه أنظار المجتمعات إلى أصل الخلق، وإلى تلك الإنسانيّة المهملة في حياتنا اليوميّة، والتي تعني الرحمة، والتسامح، واحترام مشاعر الآخرين وكراماتهم، والشعور بالمسؤوليّة، والعدل بين الناس دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللون أو الجنس. والهزيع في اللغة تعني: جزء من أجزاء الليل؛ حيث تتكاثر الهموم والانفعالات على صدر الشاعر وتتزايد الأفكار حول حياته وحياة من حوله؛ وعليه سأقف عند معاني الحروف في لفظ (هزيع) كي أتبيّن مدى واقعيّة هذا اللفظ مع إيحائه.
صوت الهاء: مهموس رخو، يشبه رسمه في السريانية شكل الهاله. وصوت حرف الهاء باهتزازاته العميقة في باطن الحلق يوحي بالاضطرابات النفسيّة لدى الإنسان الذي يدخل حالة من اليأس أو الحزن أو الضياع فكان لابد أن تنقبض معها نفسه، “فينعكس ذلك على جملته العصبية. وتبعاً لذلك لابد أن ينقبض لها بدنه بما في ذلك جوف الصدر وأنسجة الحلْق.. وهكذا يبدو أن العربي قد اقتبس صوت الهاء من مادة هذا الصوت الهيجاني المضطرب المهزوز للتعبير عن تلك الاضطرابات والانفعالات النفسية التي عاناها هو، أو عاناها غيره على مشهد منه ومسمع “. لذلك كلّه فقد اُعتبر صوت السوريّ فريد الأطرش بعد وفاة شقيقته اسمهان من الأصوات الغنائيّة التي لها في الأصل خصائص الهاء المخفوت بصوتها، وهي من أشجى الأصوات وأبلغها في التعبير عن مشاعر اليأس والبؤس والهجران.
ويبدو أنّ السامع قد شعر بالتّوتّر الصوتي الذي أحدثه حرف الزاي في منتصف الكلمة؛ ممّا يزيد من الشِدّة والفعاليّة؛ فذبذبة هذا الحرف توحي بمعاني الاضطراب والاهتزاز؛ وهذا ما يتناسب مع انفعال الشاعرة وتعبيراتها في سياق القصيدة.
لقد شفّت حركة الكسر ما قبل الياء المُدّيّة عمّا يعتلج في نفس الشاعرة؛ فصورة هذا الصوت يرمز إلى الحفرة العميقة والوادي السحيق؛ ومن هنا فقد جاءت الياء في منتصف الكلمة لترسيخ المعنى ولتوحي بعمق المشاعر وصدقها كونها تُبعت بالصوت العياني.
ولمّا جاء صوت العين في آخر الكلمة مخفّفًا مرقّقًا مطموس الاهتزازات، أوحى بأرق العواطف الإنسانية وأملكها للنفس، ووجوده بعد الياء المُدّيّة يزيد من فعّاليّتها ومبالغتها. وكثيرًا ما تمتّعت الأصوات الغنائيّة ذا الطابع العيني مثل: أم كلثوم. عبد الوهاب في شبابه. فيروز. وديع الصافي بالمرونة والعذوبة والصفاء والتّجلّي؛ كونها تعبّر عن نفسها بصدقٍ وحرارة. ومن هنا فقد بدأت كلمة “هزيع” بالهاء وانتهت بالعين؛ لتوحي أنّ تلك النهنهة والتنهيدات والزفرات الروحيّة لا تبدّ من أن تخرج فتظهر للعيان.
لكن ما علاقة سيميائيّة عنوان القصيدة بدلالاتها اللغويّة والفنّيّة الداخليّة؟
لقد وظّفت الشاعرة سعاد بسناسي ألفاظ الجمع بشكلٍ ملحوظ بالمقارنة مع ألفاظ الإفراد، ومن ذلك: (الأرواح، ألسنة، الرجال، مدافع، جدال، جنازير، قبور، جيوش لهاثٍ، ألواح، التلال، خيوط، وجوهاً، راحلين، الخرائط، الأعمدة)؛ لتوحي بكثرة الآلام وتكالب الحزن وشدّته على قلبها اتّجاه بلاد العروبة؛ لخفوت الانتماء وتلاشي معاني الإنسانيّة والواجب اتّجاه الآخرين. ولقد ضاعفت المدود من هذا المعنى وعمّقت إحساس الشاعرة المحمّلة بالهمّ الجمعي. وعبّرت بالأفعال المبنيّة للمجهول في “بُذرت، تُسق” لتوحي أنّ هذه المشاعر سيقت عنوةً إلى قلب الشاعرة.
لقد استثمرت بسناسي قدرتها اللغوية؛ لتعلو بمستوى اللغة من مجرد التبليغ إلى المستوى التّأثيري العميق، فبرزت في قصيدتها لغةٌ مجازيّةٌ قائمة على تصوير أبعاد اللامبالاة “يا ليت الأرواح تفهم ما يُقالُ”، والضياع “نسير بلا جهة”، والظلم ” كم تأوه الورد حين مرت عليه جنازير المحال”، والغياب “ترسم بالشهادات وجوهاً لراحلين”، اليأس “نحفر في الهواء قبور آمالنا”؛ لذلك فقد وظّفت أساليبَ ووسائل محفّزة باعثة على اجتذاب المتلقي، كأسلوب الاستفهام الذي يتطلّب قارئًا يحاول الإجابة؛ لتبقى الأسئلة في ذهن المتلقي مشرّعةً أمام نافذة الحقائق حتى ولو بعد الانتهاء من القراءة؛ ممّا يزيد من احتماليّة تحقّق الأهداف المرجوّة من العمل. ومن ذلك:
“هل نكتب أسماءنا على ظل غيمة، كيف ضلّتْ خطانا؟، هل هو الطمع، أم شكر امتثال؟ هل تعانق الأرواح ظل سلام؟”.
يُستشفُ ممّا سبق أنّ بسناسي تريد جوابًا جماعيًّا يخبرها عن سبب ما آلت إليه البلاد العربيّة من ضلال وظلم وتلاشي الإنسانيّة، فبتوظيف أسلوب الاستفهام بدلًا من الأسلوب الخبري، وألفاظ الجماعة بدلًا من ألفاظ الإفراد؛ إيحاءٌ قويٌّ إلى أنّ الجهل بمصير الأمّة العربيّة جماعيّ “كيف ضلّتْ خطانا؟”، بالإضافة إلى الحاجة الجماعيّة الملحّة للتغيير والتعاون بذلك، والدعوة إلى المبادرة بالأفعال لا بالأقوال والاستنكار والشجب والخطب الرنّانة “لا ما يُصاغ على ألسنة الرِّجَالِ”؛ ومن هنا فقد استحضرت الشاعرة العديد من الأحداث المتّكئة على مساحاتٍ من الذاكرة مشبّعةً بالوجع “وفي المساء، حين ينتهي القصف/ يبقى صدى الأنين بلا مآل”؛ مّا جعل لغتها إيحائيّةً منفتحة على التعدّد، بأسلوب سلسٍ جذّاب ومشوّق، وتداخل زمكانيّ “الحلم والواقع”، مع هيمنة ضمير المتكلم الجماعيّ “ننتظر، أسماءنا، خُطانا”؛ ذلك لأنّ الجروح تنزف في جسدٍ واحد.
إنّ بسناسي حمّلت هاجس الكلّ، بل قادت معركتهم “جيوش من لهاث الذّاتِ تحرق مرآتي”، وتبنّت أحلامهم “يا رب التكوين، كيف ضلّتْ خطانا؟”. ولقد دخلت غالبيّة الأفعال في قصيدتها حيّز السلبيّة واللا فعل، أي بين التّذكّر والرّغبة في حصول الشّيء، ومثال ذلك: “يُصاغ، هربت، تأوه، تحرق، نحفر”؛ ممّا يدل على تواجد “نوعٍ من الصدّ، وقدرٍ من الكبت والسّلبيّة والتّردّد، وشيءٍ من الرّغبة المتأجّجة التّي يقودها الحلم، وهاجس إعادة البناء والتّغيير حيث تستثمر (الشّاعرة) كلّ جهودها إلى ذلك اليوم الذي تعلن فيه عن هذا الحلم، وتكشف عن أبعاده… “. وأردفت هذه الأفعال بأسلوب النفي ” لم يودعوا”، “نسير بلا جهة” لتعزّز الشعور بالتيه والضياع عن العالم المحيط.
ومن هنا فقد ولّدت بسناسي “فضاءً مائزًا للنصّ تجتمع فيه جملة علاقات… فتلقي هذه العلاقات على أكثر من محور، وتتصادم وتتقاطع وتتوازى فتغني النّص، وتعدد إمكانيَّات الدَّلالة فيه “. هذا الفضاء الذي عرّت فيه حياة العروبة الزائفة، وكشفت عن حقائق وأبانت عن بُعد الهُوة بين ما تأمله من الواقع العربيّ وبين ما يحدث “يا رب التكوين، كيف ضلّتْ خطانا؟ هل هو الطمع، أم شكر امتثال؟”. وأوردت ألفاظًا تصلح لإقامة علاقة تضاد بينها. ومثال ذلك: “رماد الصبح” فالرّماد لا يتناسب مع ضوء الفجر ووضوحه ونقائه. “سجدتُ لظلّ غيمةٍ هربت”. فالسجود يتطلّب طمأنينة. بالإضافة إلى التضاد بالمعنى المتمثّل في: “الصَّمْتُ إيقاع”، وإتباعه بالتّضاد بين الألفاظ “يا ليل الأرواح، هل ضياؤك هدى؟”.
أمّا من الجانب الفنّيّ فقد أغرقت القصيدة بالاستعارات ومثال ذلك: “رماد الصبح، حضرة الرمل، غيمة هربت، مدافع العصر، تأوّه الورد، الطين يعرف، مرّت جنازير المحال، قلوب التلال، ليل الأرواح، بأنامل الغرور، زمنا ألين، نحفر في الهواء، قلوب التلال”. ولقد جاء الغرض منها التّشخيص؛ لتقريب الصورة للقارئ والجمع بين المتباعدات.
لقد أدركت بسناسي أنّ جماليّات القصيدة تكمنُ في بنيّة التّصوير المرتكز على الاستعارة، وحركيّة الصّورة، والجمع بين الألفاظ المتنافرة، بالإضافة إلى مزج المدركات الحسِّيَّة بالمعنويَّة؛ لتحقيق أقصى درجات التّأثير، وبلوغ القارئ الحدّ الأعلى من جماليّات التّلقّي.
لقد استغلت بسناسي الطاقة الكامنة في الألفاظ، وأشارت أغلب ألفاظها إلى معان قابعة خلف رموز غنيّة بالإيحاءات ومن ذلك: “المحال، لهاث، اشتعال، آمالنا، ألواح، الزوال، الوصال، الأرواح، لسراب، التلال، احتمال، خيال، السؤال، الرمال، امتثال، موال، مآل”. وهذه الألفاظ جاءت أغلبها في القافية المنتهية بصوت اللام المسبوق بالألف المُدّيّة. وهذه الألفاظ توحي بالالتصاق. وجاءت هذه الألفاظ أسماء ومصادر؛ لتوحي بثبوت الصفات السلبيّة والتصاقها بأبناء العروبة. وجاءت بعض معانيها تدلّ على المرونة؛ بما يتوافق مع إيحاء صوت اللام. كقولها: “أم ننتظر زمنا ألين من الصلصال؟”؛ فاللين والمرونة في اتّخاذ القرارات بعيدًا عن الحزم والإصرار. “بلا مآل، غير موال، ضلّتْ”. ولقد صدق عباس حسن حينما وصف صوت اللام باللجام.
إنّ تحليل العنوان والوقوف على الناحية الموضوعيّة والفنّيّة لقصيدة “الهزيع الأخير” لسعاد بسناسي كشف عن مدى الصدق الفنّيّ النابع من عاطفةٍ قويّةٍ ألمّت بها، وأبانت عن الهم الجمعيّ الذي سكنها من خلال تجارب حياتها وعلاقاتها بالمجتمع العربيّ، ودخائل نفسها ومكنون ضميرها، ومن قوة الانفعال شبّت مشاعرها في تعبيرها الفنّيّ غير متعارضة مع نواميس الحياة وقوانينها، أو حقائق السلوك الإنسانيّ العام. “وبذلك يمكن للتعبير الفنّي الجيّد الذي لا يلجأ إلى الوعظ المباشر أن يتسلّل بالأدوات الفنّيّة إلى داخل الإنسان فيضيف إليه جديدًا “. ولا يصدر ذلك إلّا ممّن يملك حسًّا جماليًّا مرهفًا وفعالًا قويًّا له القدرة على أن يتسرّب بتلقائيّة للمتلقّي.
بسناسي والمواءمة بين الكلمة والمشهد في قصيدتها “الهزيع الأخير الرقميّة”
نشرت بسناسي ديوانها “ظلال لا تشبهني” بشكلٍ ورقيّ؛ لكنّها ارتأت للوصول إلى أكبر عدد من المتلقّين والمتفاعلين، فراحت تترنم بقصيدة “الهزيع الأخير” على صفحات وسائل التواصل الاجتماعيّ من خلال توظيف تقنيّات التكنولوجيا. وجاءت المشاهد مدمجةً مع صوتها الشخصيّ وهي تترنّم بمقاطع القصيدة الغنّيّة بالدلالات؛ بحيث بدت كالطير الذي لا يستسيغ الشّدو في العاصفة؛ فقد أومأت بشكلٍ متوارٍ عن إحساسها المسكون بالهم الجمعي والمعبّر عن الضياع والتّشتّت والظلم المنتشر في البلاد وعدم الشعور بالمسؤوليّة من قِبل صانعي القرار. وراح صوتها ينساب خلف الإيقاع بدرجاتٍ متفاوتة ليتسرّب بمرونة وسلاسةٍ للمستمع؛ فيستسيغ معانيه ويتشرّب دلالاته. وقامت بدورها تنثر ألوانها البيانيّة على كل لوحة ترسمها متبوعةٍ بتنهيداتٍ وتقاطعات مشهديّة موحية .
جاء المقطع الأوّل بمشهد تلال من الرمال الصفراء الشاسعة؛ التي ترمز إلى وقوع العالم العربيّ اليوم تحت وطأة القحط والذبول والخريف بعدما خاض معركة الربيع العربيّ والسبب في ذلك هو: إنْ دبّ الفساد في الرأس دبَّ الفسادُ في الأوصال. ودليل ذلك القحط أنّها ارتأت لأن تسجد تحت ظلّ غيمة في وطأة الرمل.
لقد أكّدت أنّ صُبح البلاد جاء بالسلام؛ لكنّه سلام ضعيف جاء من “همهمة سلامٍ” سرعان ما تلاشى وجاء الإيقاع في خلفيّة الصوت هادئًا يتناسب مع الإحساس بالوجع والقهر على ما آلت إليه أُمتنا من تخاذل وتطبيع وانكسار، متناسبًا إلى حدّ كبير مع الصورة المتحرّكة في خلفيّة المقطع الثانيّ لزهرة ورديّة اُقتلعت من تربة رماديّة لا تتناسب مع سياقاتها والأجواء العامّة؛ لذلك حُكم على هذا السلام الضعيف بالذبول فالموت. تقول: “بُذِرَتْ هُمَهة سلامٌ.. لَمْ تُسْقَ إِلَّا بِمَاءٍ جَلَل.. تأوه الورد”.
ثمّ جاء المقطع الثالث لتكرّر فيه بسناسي قولها “وحده الطين”؛ لتشير أنّ الأرض تعرف أهلها ولا يُمكن مهما حدث أن تنسى عذاباتهم وآهاتهم. ويُحسبُ للشاعرة أنّها نطقت بلفظ جنا.. زير مفصولة عن بعضها؛ لتوحي بالمشقّة وعمق العذابات الداخليّة لروحها، وبشاعة العذابات الخارجيّة للشعوب المحتلّة. وجاء هذا المقطع بمشهد يد مخضّبة بالطين تمسح على الأرض وحولها ورود قد ذبلت وحولها جنازير من حديد. إذ لا يُمكن بحال من الأحوال أن تزدهر البلاد ويكبر أطفالها بسلامٍ إذا أُحيطت بغلال محتلٍ أو بجنازير الخنوع والتدجين والخضوع لهذا المحتل.
جاء المقطع الثالث بمشهد يدين تحاولان الإمساك ببعضهما البعض لكنّ سراب الإهمال وعدم المسؤوليّة حال دون التقائهما؛ لتتناسب مع ألفاظ “نحفر في الهواء قبور آمالنا، ألواح الزوال”. وإنّ عد امتلاكنا لقراراتنا يتناسب جدًّا مع صوت الشاعرة في خلفية العرض المطعّم بصوت اللام والذي تم تكراره في القصيدة ككلّ أكثر من 100 مرّة.
وفي المقطع الرابع فوجِئ المُشاهد بصخرة عظيمة تتوسط صحراء قاحلة؛ لتناسب طريقة العرب في مواجهة الأمور التي تتطلّب وقفةً جدّيّة فــ ” الصَّمْتُ إيقاع لمن أصغى للوجود/ لا لمن دوى صراخاً في قلوب التلال”.
وجاء مشهد في المقطع الخامس الدمار والخراب الذي عمّ العالم العربيّ وأرجأت ذلك إلى عدم الاهتمام بالشؤون القوميّة العربيّة، واللجوء للخنوع والمهانة واستحسان الشجب والتغريد بالاستنكار فحسب. تقول “فدع الدمار يُخبرنا من نحن حين/ تنسى يد الإنسان معنى الوصال”.
واستنكرت في المقطع السادس وجود الكثير من الأرواح البريئة التي تصعد للسماء، فهل ما يحدث خيال أم واقع؟ وما دورنا في ذلك؟ وجاء المشهد مواتيًا للمعنى المضمور حينما أوردت كائنات نورانيّة وهي أرواح تصعد بنورها للسماء وترفرف عاليًا ويبقى السؤال على جبين الإنسانيّة قائمًا.
ورسمت مشهدًا للتيه وانحراف البوصلة والانخلاع عن تقاليدنا وعرفنا العربيّ العتيق من خلال تكرارها “نسير بلا جهةٍ” منسجمة مع المشهد خلف الصوت وهو لقدمين عاريتين تسيران على الرمال. متبوعة بخريطة ورقيّة ممزّقة للبلاد العربية لكنّها تموج كما تموج مياه البحار. وهذا اختيار ذكيّ يُحسب أيضًا للشاعرة؛ بحيث يكشف عن صعوبة الحال التي وصلت إليها البلاد العربيّة من تمزّق في بنيتها وكيانها على الصُعد كافّة. تقول: “كأن الخرائط/ خُطَّت بأنامل الغرور على الرمال”.
لقد أخبرت الشاعرة من خلال المقطع الأخير بأن نجم الأمّة تلاشى وأنّ الأمّة العربيّة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكنّت ذلك بلفظ “أم” وهي تقصد الأمّة. وفسّرت ذلك بمشهد امرأة سقط حجابها (دينها) وجاءت مغمضة العينين (تغلق عينيها عمّا يدور حولها) وجسدها عبارة عن أرض تبدّلت مع إيقاع فتح العينين والشهقة وانتقال بريق المشهد إلى الظلام؛ لتوحي أنّ الأمّة ستدرك متأخرًا ما حلّ بها ولكن بعد وقوع المصيبة، وهذا ما فسّرته من دلالات من خلال لفظ “هزيع”.. وتتساءل الشاعرة في خلفيّة المشهد عن سبب تبدّل حال الأمّة بصوتٍ يوحي بالتأنيب والإحساس بالقهر. فتقول: “هل هو الطمع، أم شكر امتثال؟” وتقصد الامتثال لأقوال الغرباء الطامعين في بلاد العروبة.
لقد تغيّرت أناشيد العصافير عندما ضجّت من الخراب الذي حلّ، وراحت تغنّي بــ “غير موّالِ”. وجاء المشهد معبّرًا عن ذلك بإيقاع رفرفة العصافير القلقة بعيدًا عن أعمدة البلاد العتيقة. وأتبعت ذلك بمشهدٍ للخراب الذي عمّ البلاد بعدما سلمت العروبة سرجها بكلِّ رُخصٍ للطامعين. تقول: “وفي المساء، حين ينتهي القصف/ يبقى صدى الأنين بلا مآل”.
وجاءت يد الشاعرة تمسح على زجاجٍ وكأنّها تخاف أن يتهشّم ونبقى نتوجّع على صدى وقع العروبة ونحن نائمون ننتظر الخبر بالزوال؛ ويبدو أنّ ملامسة اليد للزجاج يشير إلى تنبّؤ الشاعرة بمآلات المستقبل القريب. تقول: “هل نكتب أسماءنا على ظل غيمة/ أم ننتظر زمنا ألين من الصلصال؟”. وتتساءل عبر نبرة صوتٍ توحي بالاستنكار، هل هناك من هو ألين من الطين الذي خُلقنا منه؟ كيف نصمت على كلّ هذا القهر الذي يحدث حولنا لأهلنا من أبناء العروبة ونحن جُبلنا من الطين نفسه؟!
بشكلٍ عام جاء المقطع بطيئًا؛ مناسبًا للصوت في الخلفيّة ومتناغمًا مع المعنى العام للقصيدة. واختارت الشاعرة ألوانًا مميّزة للمشاهد كاللون الأصفر (الضعف والتلاشي)، والبُنّيّ (أصل الخلق)، الرماديّ (غمامة المستقبل)، الأسود (الخراب والدمار). وجاءت الحركة بطيئة؛ لتوحي بأنّنا شيئًا فشيئًا سنصل لنهاية مفجعة وهذا ما تشير به الأحداث الواقعيّة حولنا.
إنّ عمليّة إبداع القصيدة الرقميّة وفق هذه الرؤية عمليّة معقّدة تقتضي وجوبًا معرفة مسبقة بمستلزمات التكنلوجيّا وآليّات التّصميم وغايات المونتاج السّنيمائي، فالمشهد الشعريّ بإتقانه، وجماليّات إخراجه، وتعقّده الفنّيّ؛ إنّما يُصرّح بطريقة غير مباشرة عن الجهد الفكريّ، والنقديّ المحتقب فيه والمتساوق إبداعيًّا معه، من خلال عمليّات: الحذف، والتشذيب، والتحويل، والتوظيف التي مارسها على مادته الخام “اللغويّة”، وعمليّات اختيار المشهد الأوّل “المحفّز للمشاهِد”، واختيار الوسائط الموظّفة. وعمليّات التّصميم، والمونتاج، والإخراج، بالإضافة إلى اختيار التّوقيت المناسب للنّشر، والجمهور المتفاعِل.
إنّ قصيدة “الهزيع الأخير” الرقميّة قد دمجت الصّوت بالصّورة معًا في مقاطعها المنشورة على صفحة الشاعرة؛ ممّا يُضفي المزيد من الحيويّة والفوريّة للمشهد المرئيّ كما السّينما والاهتمام بدرجة الإضاءة (خفوت واضح)، والصوت المواتي المناسب؛ لتمثّل مشاهد دراميّة تسمح فيما بعد للمتلقّي بالتّفاعل والتّعليق والمشاركة وتفعيل أيقونة “التفاعل”؛ لمتابعة كلّ جديد يُنشر في الصفحة ذاتها؛ إذ بالإمكان أن يتفاعل القارئ معبّرًا عن رأيه ومشاعره بالصّور الرمزيّة، أو ما يُطلق عليها “الإيموجي Emojilo”، ومنها:
إنّ هذه الرموز وإن كانت صغيرة الحجم إلّا أنّها تمنح المتفاعل والشاعرة معنىً كبيرًا؛ إذ يستطيع المتفاعل أن يعبّر عن فكره ومشاعره اتّجاه ما يقرأ أو يشاهد، وبالمقابل فإنّها تقدّم للنّاشر تغذيةً راجعةً (Feed Back) عن أدائه اللّغويّ، والتّقنيّ. ورغم تفاوت آراء المتفاعلين إلّا أنّ هذا يكشف للنّاقد المتابع مدى تباين أفكار المتفاعلين واهتماماتهم، كلّ حسب بيئته، وطبيعة حياته، وأمور كثيرة تندرج تحت ذلك متعلّقة بالمتفاعلين من القرّاء والمتابعين.
لقد حصدت مشاهد الهزيع الأخير على 102 ألف مشاهدة، و102 تعليق، و3 مشاركات. فهل كانت كلمات الشاعرة مفهومة؟ وهل استطاع المتابعين فهم مغزى القصيدة؟ وما الذي لفت انتباههم في القصيدة الرقميّة هاته؟ لقد جاءت الردود على المشهد المعروض على صفحة الشاعرة متباينة حسب ثقافة المتابعين واهتماماتهم وتوجّهاتهم الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة ومن ذلك.
الحقيقة أنّني كباحثة في الأدب الرقميّ تفاجأت من عُمق الإدراك لدى المتفاعلين مع المقطع المعروض لقصيدة “الهزيع الأخير”، والعجب قد يبطل حينما نعرف أنّ الشاعرة بالأصل هي أكاديميّة لها وزنها العلميّ؛ وبالتأكيد لا بدّ أن يكون متابعوها من أُولي الأبصار والعقول.
إنّ قصيدة بسناسي قد استثمرت بعضًا من معطيات التّكنولوجيا المعاصرة التي ساهمت بشكلٍ فعًال في إثارة حواس المتلقّين وشدّهم بسلاسةٍ للتفاعل الجادّ من خلال دمج الحركة مع الصّوت، والصّورة مع النّصّ في كلٍّ متناغم؛ ممّا يحقّق قيمًا فنّيّةً جماليّةً عن طريق تقديم لوحات وترکیبات إيحائية .
الكثير منهم قد علّق بما أدركه من المقطع وبما توصّل إليه من خلال رؤية المشهد الذي بسّط لغة الشاعرة نوعًا ما. ومنهم من راح يملأ الفراغات ويرى في المستقبل أملًا مشرقًا خلاف ما تنبأت به الشاعرة، ومنهم من قدّم للشاعرة خيارات أخرى في الإيقاع والتصوير المشهدي، ومنهم من أعجبه المشهد حتى أنّه طلبه في الخاص جملةً وتفصيلًا.
من هنا فإنّ الباحثة قد تتبّعت القصيدة الرقميّة كنوعٍ من أنواع الأدب التّفاعليّ وعلى تلمّس خصائصها المغايرة عمّا ألفه القارئ العربيّ في القصيدة الورقيّة، والتي تمنح نصوصها التّفاعليّة: الفُرادة، والتّنوّع في وسائل العَرْض، والتّجديد في العلاقة القائمة بين الشاعرة والمتلقّي في الفضاء الرّقميّ، فتضيف مزايا نوعيَّة تغني الشعر الرّقميّ، وتكسبه عمقًا وحضورًا تفاعليًّا من خلال نقل وعي المتلقّي إلى بيئةٍ افتراضيّةٍ حيّةٍ تحاكي واقعه، وتشعره بأنّه يعيشها، وتسمح له بالتّفاعل والمشاركة معها. وهذا بدوره يتطلّب متلقيًا متمرّسًا وفطنًا؛ يمتلك آليات القراءة الرقميّة كما يتوجّب على الأديب امتلاكها، والمقدرة على التّعامل معها، وتوظيفها بحنكةٍ ودرايةٍ واعية.
الخاتمة:
لقد ظهر الأدب الرّقميّ (Literature (Digital في القرن العشرين؛ إذ لاقى اهتمامًا من قِبل الأدباء الذين يجيدون التّعامل مع التكنلوجيا الحديثة في نشر إبداعاتهم. فالأدب الرقميّ هو تحوّلٌ في الذّهنيّة الإنسانيّة، ونتيجةٌ حتميّةٌ للعلاقات المختلفة بين الثّقافات. ومن خلال التحليل اللغويّ والأيقونيّ لقصيدة “الهزيع الأخير” للشاعرة الجزائريّة سعاد بسناسي برزت جُملة من النتائج أهمها:
- لقد استثمرت بسناسي قدرتها اللغوية؛ لتعلو بمستوى اللغة من مجرد التبليغ إلى المستوى التّأثيري العميق، فبرزت في قصيدتها لغةٌ مجازيّةٌ قائمة على تصوير أبعاد مختلفة.
- لقد أدركت بسناسي أنّ جماليّات القصيدة تكمنُ في بنيّة التّصوير المرتكز على الاستعارة، وحركيّة الصّورة، والجمع بين الألفاظ المتنافرة، بالإضافة إلى مزج المدركات الحسِّيَّة بالمعنويَّة؛ لتحقيق أقصى درجات التّأثير، وبلوغ القارئ الحدّ الأعلى من جماليّات التّلقّي.
- إنّ عمليّة إبداع القصيدة الرقميّة وفق هذه الرؤية عمليّة معقّدة تقتضي وجوبًا معرفة مسبقة بمستلزمات التكنلوجيّا وآليّات التّصميم وغايات المونتاج السّنيمائي، فالمشهد الشعريّ بإتقانه، وجماليّات إخراجه، وتعقّده الفنّيّ؛ إنّما يُصرّح بطريقة غير مباشرة عن الجهد الفكريّ، والنقديّ المحتقب فيه والمتساوق إبداعيًّا معه
- إنّ قصيدة بسناسي قد استثمرت في قصيدتها “الهزيع الأخير” بعضًا من معطيات التّكنولوجيا المعاصرة التي ساهمت بشكلٍ فعًال في إثارة حواس المتلقّين وشدّهم بسلاسةٍ للتفاعل الجادّ من خلال دمج الحركة مع الصّوت، والصّورة مع النّصّ في كلٍّ متناغم؛ ممّا يحقّق قيمًا فنّيّةً جماليّةً عن طريق تقديم لوحات وترکیبات إيحائيّة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.