12:57 صباحًا / 27 يناير، 2026
آخر الاخبار

الرَّوضـة.. إرثٌ عَظيم لَمْ يُصْنَع بالصُّدْفَة ، بقلم : أ. مروة معتز زمر

الرَّوضـة.. إرثٌ عَظيم لَمْ يُصْنَع بالصُّدْفَة ،

الرَّوضـة.. إرثٌ عَظيم لَمْ يُصْنَع بالصُّدْفَة ، بقلم : أ. مروة معتز زمر


بسم الله الرحمن الرّحيم

وجهاء محافظة نابلس وقاماتها يكرّمون العميد الدكتور صالح عبد الهادي


في لفتةٍ كريمةٍ وخلوقةٍ تعبّر عن عميق الاحترام والإكبار، قام وُجهاء محافظة نابلس ومؤسَّساتها الوطنية والأكاديمية اليوم الاثنين 26/1/2026، بتكريم العميد الدكتور صالح عبد الهادي، رئيس كليَّة الروضة الجامعية، تقديراً لمسيرته العلمية والإدارية، وجهوده المخلصة في خدمة التعليم، وإسهاماته الفاعلة في الارتقاء بالمؤسسة التعليمية والأكاديمية وتعزيز دورها المجتمعي، في مشهدٍ يعكس أصالة نابلس ووفاءها لقاماتها العلمية والوطنية، ويكرّس ثقافة الاعتراف بالعطاء والتميّز الإنساني والعلمي معاً.


وقد أعرَب الدكتور صالح عبد الهادي عن شكره وامتنانه لهذا التكريم الذي لامس وجدانه بعمق، وجعله يستشعر أن الزرع الذي غُرس يوماً بالصبر والإيمان قد أثمر، وأن الطريق الطويل الذي سلكه، بكل ما حمل من تحدياتٍ وصعودٍ ونزولٍ، لم يذهب سدى، بل تحوّل إلى أثرٍ حيٍّ يشهد على قيمة العطاء حين يُبذل بإخلاصٍ ومسؤوليةٍ ومعنى.


وفي موقفٍ أخلاقيٍّ كهذا، لا بدّ أن يُشار بالبنان إلى هذا الصرح التعليمي العريق.. فالمؤسسات التعليمية ليست جدراناً تُشاد، ولا أسماءً تُعلّق على الواجهات، بل أرواحٌ تُزرَع، وأفكارٌ تُسقى بالصبر، وإرثٌ يتشكّل مع الزمن حتى يغدو علامةً فارقةً في الوعي الجمعي، وهكذا كان هذا الصَّرح، الذي بدأ روضةً صغيرةً في مساحةٍ هشّة، ليغدو اليوم جامعةً عريقةً تنافس الجامعات الأولى، وتفرض حضورها بثباتٍ واتزانٍ واحترامٍ مستحقّ.


في قلب هذا الإرث يقف الدكتور صالح عبد الهادي، لا بوصفه إداريّاً فحسب، بل بوصفه صاحب فكرة، وحارس معنى، وأبـاً روحيّاً لمؤسسةٍ نشأت من الإيمان قبل الإمكانات، ومن الرؤية قبل الموارِد.. رجلٌ مشى بخطى ثابتة، لا يركض خلف الأضواء، ولا يلتفت للضجيج، مؤمناً بأن البناء الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بصلابة الأساس ومتانة القيم.


لطالما تساءلتُ في كل اجتماعٍ يُعقد، كيف لإنسانٍ أن يروي القصَّة ذاتها في كل مرة، أن يعود إلى هشاشة المكان، إلى البدايات الأولى، إلى روضة الأطفال التي كانت نواة الحلم.. كنت أظن أن التكرار قد يُرهق الفكرة، وأن الحكاية مهما كانت عظيمةً لا بدّ أن تفقد شيئاً من وهجها مع الزمن.. غير أنني أدركت اليوم، حين سمعت القصة ذاتها تُروى من جديد، أن صاحب الفكرة الصادقة لا يَـمَلّ سَردَ حكايتها، لأن الفكرة حين تكون حيـّةً، تتجدّد في القلب قبل اللسان.


لامسني حديثه في قلبي، لا لأنه جديد، بل لأنه صادق؛ فمن يرى بعينيه كيف تحوّل الحلم إلى واقع، وكيف تَـدرَّج هذا الصرح من روضةٍ صغيرةٍ إلى جامعةٍ عريقةٍ، لا يمكنه إلا أن يتحدّث بامتنانٍ ودهشةٍ لا تشيخ.. النزول والصعود، التعثّر والقيام، الشَّك واليقين، كلها كانت محطاتٍ في الطريق، لم تكن عوائق، بل كانت جزءاً من التربية العميقة لفكرةٍ أصَرَّت أن تكـبر.


وشخصية الدكتور صالح عبد الهادي لا تُختصر في منصب، ولا تُلخّص في لقب.. هو إداريٌّ ضليع، وصاحِب قضيَّة، وإنسانٌ حاضرٌ بإنسانيته قبل سلطته.. في التزامه ترى الانضباط، وفي قِـيَمه ترى البوصلة، وفي حنُوِّه تشعر أنك أمامَ أبٍ لا مُدير، وأمامَ راعٍ مسؤول لا متحكّم… وجوده ليس عابِراً، بل امتدادٌ طبيعيّ لفكرةٍ آمن بها منذ اللحظة الأولى، وحملها كرسالةٍ لا كوظيفة.


هذا الصرح لم يُبنَ بالحجارة وحدها، بل بقلقٍ نبيل، وبسهرٍ طويل، وبإيمانٍ عنيدٍ بأن التعليم ليس ترفاً، بل خلاصاً، وليس مشروعاً مرحليّاً، بل فعل مقاومةٍ حضاريةٍ في وجه الهشاشة واللّايقين.


“وأما ما ينفَع الناس فيمكث في الأرض” من هذه الدّلالة القرآنية العميقة كانَ لِهذا المكان، ومن هذا المعنى تشكّل جوهره؛ فالروضة لم تنشأ في فراغ، ولم تكبر في زمنٍ سهل، بل وُلدت في خضم سطوة الاحتلال، منذ نكبة الثمانية وأربعين، مروراً بمرحلة السبعة وستين، وصولاً إلى يومنا هذا، في واقعٍ يُضيّق على الإنسان أرضه وحلمه ومساحته… ومع ذلك، اختارت الرَّوضة أن تكون فعل بقاء، لا رَدّ فعل، وأن تنحاز للإنسان الفِلَسطيني بوصفه مشروع وعي لا رقماً في سِجِل القهر.


قوميَّة هذا المكان ليسَت شِعاراً يُرفع، بل مُمارسةٌ يومية، فمِن بين جدرانه خرَجت أجيالٌ مسلَّحة بالعِلم، منتمية للأرض، قادرة على خدمة السوق الوطني، وعلى سَدّ فجواته، وعلى بناء ذاته بيدٍ فلسطينيةٍ واعية.. هنا لم يكُن التعليم ترفاً، بل ضرورةً وجودية، ولم تكن الشهادة غايةً منفصلة، بل وسيلةً لتمكين الإنسان في وطنٍ محاصر.


وحين كبر هذا الصرح، لم يكبر وحده، بل كبرت معه دوائر النفع؛ اتّسعت مساحته، فتوسّعت فرص العمل، وزادَ عدد الأيدي العاملة التي يحتضنها، من أكاديميين، وإداريين، وموظفين، وعاملين، حتى صار هذا المكان رئةً اقتصاديةً واجتماعيةً، كلما اشتدّ عوده، ازداد عدد المستفيدين منه، وازدادت قدرته على بثّ الأمان الوظيفي والكرامة الإنسانية في بيئةٍ تُحارب الاستقرار.


هكذا نفهم اليوم أن الرَّوضة لم تكُن مجرَّد مؤسسة تعليمية، بل كَياناً وطنياً حياً، نَـما في زمَن القهر ليقول إنَّ ما ينفع الناس لا يزول، وإن ما يُبنى على المعنى، وعلى خدمة الإنسان، وعلى الإيمان العميق بالعلم، يمكث في الأرض، مهما طال ليل الاحتلال، ومهما تغيّرت الوجوه والظروف.


وهنا، تتكامل الحكاية… فكرةٌ آمَنت بالإنسان، فصارَت صَرحاً، وصَبرٌ طويل، تحوَّل إلى أثر، ومكانٌ اختار أن يكون في صفِّ الحياة، فاستحق أن يبقى، وأن يكبر، وأن يُشار إليه بالبَنان، لا كذكرى، بل كإرثٍ وطنيٍّ نابضٍ بالحضور والمعنى.
ومن هنا، فإن هذا التكريم ليس تكريماً لشخصٍ بقدر ما هو اعترافٌ بإرثٍ، وبقصَّةٍ تستحِق أن تُروى، لا لأنها تكرَّرَت، بل لأنها في كل مرةٍ تُقال، تذكّرنا بأن الأحلام الكبيرة تبدأ غالباً من أماكن صغيرة، وأن الأفكار الصادقة لا تشيخ، بل تتحوّل إلى مؤسساتٍ، وإلى أجيالٍ، وإلى وطنٍ أكثر وعياً وأملاً.


تحيّة إكبارٍ لرجلٍ وطنيٍّ صاحِب قضية، آمَن أنَّ الرَّوضة التي نَشأت في أزقّة البلدة القديمة ستكون يوماً ما خلاصاً من قيد الاحتلال، وأن التعليم هو أكثر أشكال المقاومة هدوءاً وعمقاً. هنا لا يصبح الصرح التعليمي مجرد جامعة، بل فعل وعي، وموقف، ورسالة. وما يُزرَع في الإنسان يبقى، وما يُزرَع في الوعي لا يُهزَم.


هذا إرثٌ عظيم، لم يُصنع بالصدفة، بل صُنع بإيمانٍ عنيد، وبقلبٍ لم يتعب من الحُلم، وبروحٍ أدركت أن الأفكار حين تُحمَل بصدق، تتحوّل إلى مؤسسات، وإلى أجيال، وإلى مستقبلٍ أكثر حريَّةً واتِّـساعاً.

شاهد أيضاً

نتنياهو : المرحلة المقبلة هي تجريد قطاع غزة من السلاح وليس إعادة اعماره

شفا – قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الاثنين، في كلمة ألقاها من على …