12:50 صباحًا / 27 يناير، 2026
آخر الاخبار

“شماعة التهديد الصيني”.. قراءة في زيف المزاعم الأمريكية حول جرينلاند ، بقلم : تشو شيوان

“شماعة التهديد الصيني”.. قراءة في زيف المزاعم الأمريكية حول جرينلاند ، بقلم : تشو شيوان


بينما تتجه أنظار العالم نحو القطب الشمالي كجبهة جديدة للتغير المناخي والفرص الاقتصادية، نجد أنفسنا كصينيين أمام حملة إعلامية غربية شرسة تحاول تصوير مساهماتنا العلمية والتنموية وكأنها “خطر داهم”، ومن وجهة نظري ككاتب صيني يراقب هذه التحولات أجدُ أن ما يُروج له اليوم حول “التهديد الصيني” في جرينلاند ليس إلّا ذريعة سياسية تُستخدم كشماعة لشرعنة الهيمنة الأمريكية وتوسيع نفوذ حلف شمال الأطلسي “ناتو” في منطقة كانت تاريخيًا نموذجًا للتعاون لا للصراع، كما إن محاولة تصوير الأبحاث العلمية الصينية في القطب الشمالي على أنها أنشطة عسكرية مستترة، هي قلب صريح للحقائق، ومبالغة مقصودة تهدف إلى استحضار روح الحرب الباردة في بيئة لا تحتمل المزيد من التوتر العسكري.

هذه الادعاءات الأمريكية بشأن طموحات الصين في جرينلاند تتجاهل تمامًا الطبيعة القانونية والشفافة لأنشطتنا؛ فالصين تلتزم بدقة بالمعاهدات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ومعاهدة سفالبارد. وبرأيي، أن ما يُزعج واشنطن ليس “خرق القواعد”، بل الحقيقة المتمثلة في أن الصين أصبحت طرفًا فاعلًا يقدم بدائل تنموية قائمة على الشراكة والمنفعة المتبادلة وليس الإملاءات السياسية. إن “طريق الحرير الجليدي” الذي نطرحه ليس مشروعًا للهيمنة، بل هو جسر يربط القارات ويوفر مسارات ملاحة أقصر وأكثر كفاءة تخدم التجارة العالمية برمتها، بما في ذلك سكان القطب الشمالي الذين يطمحون إلى تنمية مستدامة بعيدًا عن صراعات القوى العظمى.

وعند النظر بعمق في جوهر القضية، أجد أن الاتهامات الموجهة لنا بـ”نهب الموارد” في جرينلاند تثير السخرية؛ فمنذ سنوات طويلة، يساهم رأس المال الصيني والتكنولوجيا الصينية في دعم مشاريع البنية التحتية والطاقة في المنطقة، بناءً على طلب وترحيب من الشركاء المحليين. وباعتقادي، فإن الولايات المتحدة تستخدم “نظرية التهديد” لصرف الأنظار عن تحركاتها الأحادية في جرينلاند؛ حيث تحاول تحويل هذه الجزيرة الهادئة إلى قاعدة استراتيجية وموقع متقدم لمراقبة روسيا والصين، ضاربةً عرض الحائط بمصالح وتطلعات شعب جرينلاند نفسه. إن منطق “أمريكا أولًا” هو المحرك الحقيقي لهذه الضجة؛ حيث تسعى واشنطن لاحتكار النفوذ في القطب الشمالي وإقصاء أي منافس يمتلك القدرة على تقديم رؤية مختلفة تقوم على تعددية الأطراف.

علاوة على ذلك، أجد أن محاولة عسكرة القطب الشمالي تحت مسمى “الدفاع عن جرينلاند” هي التي تمثل التهديد الحقيقي للبيئة والمناخ في تلك المنطقة الحساسة. فالصين، كواحدة من أقرب الدول إلى الدائرة القطبية، تعاني مباشرة من آثار ذوبان الجليد، ولذلك فإن اهتمامنا بالقطب الشمالي هو اهتمام وجودي وعلمي في المقام الأول. والاستراتيجيات الأمريكية الجديدة التي تصف التعاون الصيني-الروسي بأنه “تهديد”، ليست سوى وسيلة لزيادة وتيرة التسلح ونشر الغواصات والأنظمة الدفاعية، وهو ما يُحوِّل القطب المُتجمِّد من منطقة سلام وبحث علمي إلى بؤرة استقطاب جيوسياسي قد لا تُحمد عقباها.

والهجوم الغربي على “طريق الحرير الجليدي” يعكس خشيةً عميقة من نجاح النموذج الصيني في تقديم حلول عملية لأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. فبينما يكتفي البعض بإطلاق التصريحات الرنانة حول حماية القطب الشمالي، نجد أن الصين تستثمر في تقنيات كاسحات الجليد الصديقة للبيئة، وتفتح آفاقًا اقتصادية جديدة لشعوب الشمال عبر ربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية بمسارات تُوَفِّر الوقت والوقود. وبرأيي، فإن هذا النوع من التعاون هو الذي يثير قلق القوى التقليدية؛ لأنها ترى في التنمية المشتركة تهديدًا لنفوذها التاريخي القائم على احتكار الممرات البحرية والسيطرة على مقدرات الشعوب تحت مسميات أمنية واهية.

والتباكي الأمريكي على “الديمقراطية” و”السيادة” في جرينلاند يتناقض تمامًا مع تاريخ محاولات واشنطن المتكررة لشراء الجزيرة أو تحويلها إلى مجرد قاعدة عسكرية متقدمة. فكيف يمكن لمن ينظر إلى الأرض كسلعة عقارية أن يتهم الصين بـ”النهب الاقتصادي”؟ وبناءً على متابعتي المستمرة، أجد أن محاولة عزل الصين عن شؤون القطب الشمالي هي محاولة لعزل العِلم عن الواقع؛ فالمحيط المتجمد الشمالي يؤثر بشكل مباشر على المناخ في الصين، من خلال ظواهر الطقس المتطرفة والفيضانات، ومن ثم فإن وجودنا هناك ليس ترفًا أو طموحًا توسعيًا.

وفي الختام يجب القول إن الوقت قد حان ليتخلى الغرب عن “عقلية الحصار” التي يمارسها ضد كل تحرك صيني دولي؛ فالقطب الشمالي- وجرينلاند تحديدًا- لا ينبغي أن يكون ملكية خاصة لأي قوة، بل إنه تراث مشترك للإنسانية يتطلب تكاتف الجهود لمواجهة التحديات المناخية، وإن دفاعنا عن حقوقنا المشروعة في البحث والملاحة في أعالي البحار القطبية ليس “تهديدًا”، بل هو ممارسة لحقوق تكفلها القوانين الدولية لكل الدول، وما نأمله هو أن تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام الصين كفزاعة لتبرير توسعها العسكري، وأن تدرك أن التعاون وليس التشويه، هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن ومُستدام للقطب الشمالي.

  • – تشو شيوان – صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

شاهد أيضاً

نتنياهو : المرحلة المقبلة هي تجريد قطاع غزة من السلاح وليس إعادة اعماره

شفا – قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الاثنين، في كلمة ألقاها من على …