1:48 صباحًا / 13 مارس، 2026
آخر الاخبار

فوانيس معلّقة في زاوية القلب ، بقلم : غدير حميدان الزبون

فوانيس معلّقة في زاوية القلب ، بقلم : غدير حميدان الزبون


هناك…في الماضي الجميل يمشي رمضان في الأزقّة ببطء، ليحمل فانوسه القديم، ويطرق أبواب الذاكرة كلّ مساء.


أجلس في مساء هذا اليوم فتتقدم صورة نمطيّة للحارة القديمة من عمق الذاكرة في مشهد عاد بعد غيابٍ طويل لأزقة تضيق بالحياة، ولبيوت تتقارب حتى يبدو جدارها كأنه كتف الجار، ولقلوب طيبة عاشت يومها وهي تعرف طريقها بين الأبواب كما تعرفه الخطوات.


عند الغروب كانت الشمس تميل فوق السطوح الحجرية، فينسكب الضوء في الزقاق مثل ذهبٍ دافئ، وتتصاعد الروائح من البيوت في وقتٍ واحد.


من رائحة خبز التنور، فشوربة العدس، إلى رائحة القرفة التي تلامس الحلوى، والقطايف التي تنضج في الزيت بصوتٍ صغير يشبه الهمس، فالحارة كلها تشبه مطبخاً واحداً، وكلّ من الجوع والفرح يقيمان في بيتٍ واحد.


آنذاك كان الأطفال يملأون الطريق بالحركة، وأقدامهم الصغيرة تضرب حجارة الزقاق بإيقاعٍ سريع، أمّا فوانيسهم فلا زالت تتمايل في الأيدي مثل نجومٍ هبطت لتلعب معهم حتى اليوم الأخير من أيام العيد.


تبدأ لعبة عند زاوية، وتمتد أخرى قرب بابٍ قديم، وما بين صيحة تعلن بداية المطاردة إلى صيحة تبسط نفوذها معلنة الختام، ثم ضحكات تفيض بها أرواحهم البريئة حتى تصل إلى النوافذ.


في تلك الساعة كانت الأبواب تتحرّك بحنوٍّ خاص، فتخرج يد بصحنٍ عامر، ويد تستقبله بامتنان.


في مشهدٍ عفوي يعبر طبق إلى بيت الجار، يتبعه طبق آخر، وتتنقل الأطعمة كما تتنقل معها رسائل سامية من الدعوات والتحيات.


ولك أنْ تلتقي طفلا صغيرا يحمل الصحن بكلّ وقار كأنه رسولٌ صغير في مهمةٍ عظيمة، وسرعان ما يعود بصحنٍ آخر يحمل نكهة بيتٍ مختلف.


وما هي إلا دقائق حتى يرتفع الأذان، فيتّسع الصمت لحظة، ويجلس الجميع حول المائدة.


والباكورة للتمرة الأولى التي تمر بين الأصابع، والماء البارد الذي يهبط في الحلق كنسمةٍ رقيقة بعد نهارٍ طويل.
في تلك اللحظة تبدو الحارة قلباً واحداً ينبض في صدور كثيرة، ويمضي الليل في دفءٍ خفيف.


وبعد صلاة التراويح يجتمع الناس حول شاشةٍ صغيرة، وتبدأ فوازير رمضان عند سؤال يوقظ الضحك والتخمين، والأطفال يلوحون بإجاباتهم كأنهم اكتشفوا سرّ العالم.


ومن بعيد تتسلل الابتهالات عبر الهواء بصوت رخيم ينساب فوق الأسطح، فيهدأ الزقاق وتلين روحه.


لكنّ الزمن يمضي…ويمضي معه كل شيء، فالأزقة اليوم تعرف صمتاً أطول، والفوانيس التي كانت تتأرجح في أيدي الأطفال صارت ذكرى أسيرة معلقة في زاوية القلب.

شاهد أيضاً

الدوري الأوروبي.. نتائج مباريات الذهاب لدور الـ16

شفا – شهدت الملاعب الأوروبية ، إقامة 8 مباريات ضمن مرحلة الذهاب لدور الـ16 من …