8:54 مساءً / 13 مايو، 2026
آخر الاخبار

الصهيونية بين انتهاء الحاجة الأولى واستحالة النهاية : جثة لا تموت ، بقلم : نسيم قبها

الصهيونية بين انتهاء الحاجة الأولى واستحالة النهاية : جثة لا تموت ، بقلم : نسيم قبها

ليس السؤال عن “انتهاء الصهيونية” مجرد استفسار تاريخي، بل هو حفر في أنطولوجيا الحركات الاستعمارية الاستيطانية. فالأيديولوجيا التي تولد من رحم “حاجة” سرعان ما تتحول إلى كائن حي يتجاوز علته الأولى. هنا المفارقة: الصهيونية وُلِدت كحل، لكنها استحالت سؤالاً؛ وُلدت كضرورة تاريخية عابرة، لكنها أعلنت أبديتها.

أصل الحاجة – حين تخون الوسيلة الغاية

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت “المسألة اليهودية” في أوروبا تعني عجز الحداثة عن استيعاب الآخر. هرتزل، في “الدولة اليهودية”، لم يطلب خلاصاً روحياً، بل ملاذاً مادياً. كان حلّاً براغماتياً لأزمة أوروبية: وطن لليهود المضطهدين.

لكن الفلسفة هنا تكمن في “الخطأ الجوهري”: الحل اختار أرضاً مأهولة. هنا، تحول المشروع من “تحرر” إلى “استيطان إحلالي”. الحاجة الأولى (الملاذ الآمن) قُتلت عند مولدها، لأن تحقيقها تطلب حاجة ثانية: إزاحة السكان الأصليين. وهكذا، دخلت الصهيونية في دائرة مفرغة: كل هدف يتحقق ينتج أهدافاً جديدة أكثر تطرفاً. تذكرنا هذه الآلية بفكرة “الاستيلاء بلا توقف” عند حنا أرندت: الاستعمار لا يشبع، بل يلتهم شرط إمكانه.

ما بعد التوطين – زمن إعادة اختراع العلة

مع قيام (إسرائيل) عام 1948، انتهت الحاجة الظاهرة: أصبح لليهود دولة. لكن الصهيونية لم تنتهِ. لماذا؟ لأن الأيديولوجيا، كما يخبرنا جيل دولوز، ليست مجموعة تمثلات، بل آلة رغبة تنتج واقعاً. عندما توقفت “علة النجاة” عن العمل، سرعان ما استبدلتها الصهيونية بعلل ثلاث:

أولاً: علة التوسع الميتافيزيقي – هنا نلامس البعد الوجودي. الأرض في الفكر الصهيوني ليست مساحة جغرافية محددة بسند قانوني، بل “مكان ميعاد” مفتوح. حدود 1948 و1967 لم تكن إلا محطات. الضفة الغربية ليست “محتلة” في هذا المنطق، بل هي “يهودا والسامرة” – أسماء من نص توراتي يسبق القانون الدولي. بهذا المعنى، الصهيونية هي حركة توسع دائم، لأن “الوعد” الإلهي – أو الأسطوري – لا يعترف بالحدود.

ثانياً: علة التفوق الديموغرافي – هنا تتحول الصهيونية إلى بيوبوليتيك بمعنى فوكو: إدارة السكان ليست مجرد إحصاء، بل هندسة وجود. الصراع مع الفلسطيني ليس صراعاً على أرض فقط، بل على أرقام. كل مولود فلسطيني هو “قنبلة ديموغرافية”؛ وكل مستوطن جديد هو “ذراع الإله”. الصهيونية ما بعد التوطين هي آلة لضبط النسب: يهودية الدولة تسبق ديمقراطيتها. هذه هي “استثناء الحالة الاستعمارية”: المواطن الفلسطيني داخل الخط الأخضر يعيش شرطاً حدودياً دائماً، وجوده مقبول مادام “قابلاً للإدارة”، مرفوض بمجرد أن يطالب بالمساواة.

ثالثاً: علة الخلاص اللاهوتي – الأخطر فلسفياً: تداخل السياسي بالمقدس. الصهيونية العلمانية لهيرتزل كانت أداةً، أما الصهيونية الدينية اليوم فهي عقيدة. في هذا المنطق، لا توجد “نهاية” للمشروع، لأن “النهاية” هي صورة أخروية: الهيكل الثالث، سيادة الرب على الأرض الموعودة، أو في نسختها المدنية: “(إسرائيل) الكبرى من النيل إلى الفرات”. هنا يصبح الزمن دورياً، لا خطياً. العلة لا تنتهي لأنها مقدسة.

استشراف الآفات – ثلاثة سيناريوهات في فلسفة التاريخ

السيناريو الأول: الأيديولوجيا المتآكلة (التحول إلى إدارة الأزمة)


هذا هو الأكثر ترجيحاً في عقدنا. تتحول الصهيونية من مشروع هيرمينوطيقي (تأويل الأرض والكتاب) إلى تقنية بوليسية (إدارة الاحتلال). هنا، تموت الروح وتبقى الآليات: جدار فصل، حصار، طائرات بدون طيار، سرقة ممتلكات ، نظام تصاريح….، لكن الأيديولوجيا التي لا تقدم أفقاً تتحول إلى سجن لمعتنقيها أيضاً. المجتمع (الإسرائيلي) يدفع ثمن “الصهيونية الدفاعية” فراغاً وجودياً: شبابه يهاجر ويبقى غريبا في قوقعته، نخبه تشكك، واليمين المتطرف يقدّم “حلولاً” لا تحل شيئاً سوى ضرب الآخر.

السيناريو الثاني: جنون العظمة الأخير (الانتحار بالصعود)


مع تصاعد اليمين الديني، قد تندفع الصهيونية نحو “حدث حدّي”: حروب أخرى وتجديد حروب ، بناء الهيكل المزعوم، توفير البيئة لتهجير جماعي لمناطق في الضفة الغربية. هذا السيناريو يحقق نبوءة جيروزيم ليم: الأيديولوجيا التي تخلق واقعاً يتجاوز قدرتها على احتماله تنفجر. في هذه الحالة، الصهيونية لا تنتهي لأن حاجتها انتهت، بل لأنها شنقت نفسها بحبل أحلامها.

السيناريو الثالث: التفكك كأفق (مرحلة ما بعد الصهيونية)


وهو الأقل احتمالاً الآن، لكنه الأكثر منطقية فلسفياً. الصهيونية كغيرها من الأيديولوجيات الاستعمارية (الأبارتايد، الاستعمار الفرنسي في الجزائر) مصيرها التفكك، لكن ليس بفعل “زوال الحاجة” بل بفعل تراكم التناقضات الداخلية والخارجية. هنا، يلعب الثبات الفلسطيني رغم الكارثة دوراً وجودياً: بتثبيت وجوده على الأرض، يثبت الفلسطيني أن الصهيونية فشلت في تحقيق هدفها الخفي – “تطهير البلاد من سكانها الأصليين”. وهذا الفشل هو بذرة التفكك. دولة ثنائية القومية، أو كونفدرالية، أو كيان فلسطيني ، أو أي صيغة أخرى ، “ما بعد صهيونية” تصبح ممكنة فقط عندما تعترف الأغلبية (الإسرائيلية) بأن الصهيونية لم تعد تجيب على سؤال “لماذا نحن هنا؟”.

سؤال الوجهة

في العودة إلى سؤالنا: انتهت الصهيونية للحاجة التي خلقت لأجلها؟ نعم، وانتهت منذ زمن. لكنها لم تمت، لأنها استبدلت حاجتها الأولى بحاجتها الثانية، والثانية بثالثة، وهكذا دواليك . الصهيونية هي الأيديولوجيا التي تلد أسباب بقائها من رحم نجاحاتها. ولهذا، لن تنتهي لأنها حققت هدفها، بل إما أن تنتهي لأنها أفشلت نفسها بتطرفها، أو أن تتحول إلى ذكرى بعد أن يتجاوزها الزمن نحو أفق جديد: أفق إنسان ما بعد الاستعمار وما بعد القومية الضيقة.

السؤال الفلسفي الأعمق ليس “هل انتهت؟”، بل: هل يمكن لأيديولوجيا قامت على نفي الآخر أن تصلح ذاتها؟ أم أنها محكومة بأن تبقى سجينة علة مزدوجة: الخوف من الانقراض، والرغبة في الامتداد الأبدي؟

ربما تكمن الإجابة في مقولة الفيلسوف اليهودي الألماني فرانتس روزنزفايغ: “كل خلاص يتحول إلى لعنة إذا نسي أن الخلاص ليس ملكية، بل علاقة”. الصهيونية التي نسيت أن أمنها مشروط بأمن الآخر، وأن وطنها لا يكتمل إلا باعتراف من شاركه الأرض، هذه الصهيونية قد انتهت فعلياً، لكن جثتها لا تزال تتحرك. وحركة الجثث في التاريخ دائماً أكثر رعباً من حركة الأحياء.

شاهد أيضاً

الصين تحث جميع الدول المحبة للسلام والشعب الياباني على رفض مخطط “إعادة التسلح العسكري”

شفا – (شينخوا) قال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية اليوم (الأربعاء) إنه يتعين على جميع …