12:08 صباحًا / 27 يناير، 2026
آخر الاخبار

حين تتحوّل الإشاعة إلى أزمة: اقتصاد الخوف وإدارة الندرة في المجتمع الفلسطيني ، بقلم : د. عماد سالم

حين تتحوّل الإشاعة إلى أزمة: اقتصاد الخوف وإدارة الندرة في المجتمع الفلسطيني ، بقلم : د. عماد سالم

الأزمة كمنتَج اجتماعي لا كحدث عابر

في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لم تعد الأزمات تُفهم بوصفها اختلالًا ماديًا في العرض والطلب فحسب، بل باعتبارها نتاجًا مركّبًا لتفاعل السوق مع السلوك الجمعي، والسياسات العامة، والخطاب الرسمي.


ومن هذا المنظور، فإن ما شهدته فلسطين مؤخرًا في ملف الغاز لا يمكن اختزاله في سؤال: هل هناك نقص أم لا؟، بل يجب أن يُقرأ كسؤال أعمق: كيف تُصنَع الأزمات في المجتمعات الهشّة؟ ومن يدير إدراك الناس لها؟


لم تعد الأزمات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني—من أزمة غاز الطهي، إلى الوقود، إلى تراكم النفايات، وصولًا إلى الضغوط الاقتصادية المتصاعدة—مجرد أحداث طارئة يمكن تفسيرها بعوامل ظرفية أو مفاجآت خارجية. فحين تتكرر الأزمات بالسيناريو ذاته، وفي التوقيت نفسه تقريبًا، وبالخطاب نفسه، يصبح من الصعب التعامل معها كاستثناءات.
في هذا السياق، تتحول الأزمة من حدث إلى منتَج اجتماعي، يتشكل عند تقاطع عوامل عدة: ضعف التخطيط الاستباقي، هشاشة إدارة المعلومات، محدودية أدوات التدخل، والسلوك الجمعي القائم على الخوف لا على الثقة. وهنا يبرز السؤال المركزي:


أين تكمن الأزمة فعلًا؟ في نقص الموارد، أم في طريقة إدارتها وسردها اجتماعيًا؟

اقتصاد الخوف (Economics of Fear): حين تحرّك السرديات السوق
يشير عالم الاقتصاد السلوكي روبرت شيلر (Robert Shiller) في كتابه Narrative Economics إلى أن الأسواق لا تتحرك بالوقائع المادية وحدها، بل بالقصص المتداولة بين الناس. فالسرديات حتى إن لم تكن دقيقة قادرة على إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي.


في حالة غاز الطهي:
⦁ لا يحتاج السوق إلى نقص فعلي كي يختل.
⦁ يكفي انتشار سردية نقص.
⦁ فيبدأ السلوك الدفاعي: التهافت، التخزين، والمبالغة في الطلب.
وهكذا يتحول المواطن من مستهلك عقلاني إلى فاعل خائف، وتقع السوق في ما يُعرف اقتصاديًا بـ:
Self-Fulfilling Crisis (أزمة تتحقق لأنها صُدّقت، لا لأنها كانت حتمية).

أزمة غاز الطهي… بين الوقائع والإشاعات
كشفت أزمة غاز الطهي الأخيرة عن خلل واضح في منظومة الإمداد، لا من حيث الكميات فحسب، بل من حيث إدارة المعلومات والاتصال مع الجمهور.
فمن جهة، صدرت تصريحات عن جهات عاملة في القطاع تؤكد:
نفاد المخزون أو اقترابه من الصفر، محدودية التوريد، إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية مثل المخابز والمستشفيات.
وفي المقابل، صدرت تصريحات رسمية تطمئن إلى توفر الغاز يوميًا وبكميات كافية.
هذا التباين في الخطاب خلق فراغًا معلوماتيًا، ترك المواطن في حالة قلق، وفتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات، وهو ما ساهم في تسريع التهافت وتعميق الأزمة بدل احتوائها.

دور الحكومة: من إدارة السلعة إلى إدارة الثقة


في هذا النوع من الأزمات، لا يقتصر دور الحكومة على ضمان تدفق السلعة، بل يمتد ليشمل إدارة الثقة العامة. فالحكومة ليست طرفًا محايدًا في سوق مضطرب، بل فاعل أساسي في تنظيمه نفسيًا ومعلوماتيًا.
ويتجلى هذا الدور في:
⦁ توفير معلومات دقيقة ومحدّثة.
⦁ توحيد الخطاب الرسمي بين الجهات المختلفة.
⦁ المصارحة دون تهويل أو إنكار.
⦁ التدخل لضبط السوق ومنع الاحتكار والمضاربة.
فغياب الحكومة عن إدارة السردية لا يعني الحياد، بل يترك المجال مفتوحًا أمام اقتصاد الخوف ليقود السلوك العام، وهو ما يضاعف أثر الأزمة على المجتمع والاقتصاد.

التهافت والتخزين… قراءة في العقلانية المحدودة


غالبًا ما يُلام المواطن على التهافت والتخزين، لكن هذا السلوك لا يمكن فهمه بمعزل عن نظرية العقلانية المحدودة (Bounded Rationality) التي قدّمها هيربرت سايمون (Herbert Simon).
فالإنسان:
⦁ لا يمتلك معلومات كاملة.
⦁ يتخذ قراراته تحت ضغط الخوف وعدم اليقين.
⦁ يعتمد على التجربة السابقة لا على الوعود.
في سياق الأزمات المتكررة، يصبح التخزين:
⦁ سلوكًا دفاعيًا مفهومًا على المستوى الفردي.
⦁ لكنه مدمّر على المستوى الجماعي.
وهكذا تتحول قرارات فردية “معقولة” إلى نتيجة جماعية غير عقلانية، تسرّع نفاد السلعة وتعمّق الأزمة.

فجوة الإدراك (Perception Gap / Illusion)
ما عبّر عنه بعض المتداخلين بدقة ينسجم مع مفهوم اقتصادي معروف هو Information Asymmetry (عدم تماثل المعلومات).
⦁ الجهات الرسمية تمتلك أرقام التوريد
⦁ المواطن يمتلك تجربة النقص اليومية
⦁ الإعلام يقف أحيانًا بلا معطيات رسمية
وهنا تتشكل فجوة الإدراك:
⦁ الدولة ترى “الأزمة مفتعلة”
⦁ المواطن يرى “الدولة غائبة”
وفي غياب مؤسسة تشريعية رقابية فاعلة، تتفاقم هذه الفجوة، ويتحوّل السؤال من أزمة غاز إلى:
من يملك الحقيقة؟ ومن يحق له مساءلة من؟

سؤال المخزون الاستراتيجي… مسؤولية وطنية


أزمة الغاز تعيد طرح السؤال: لماذا لا تمتلك فلسطين مخزونًا استراتيجيًا فعليًا للسلع الأساسية؟
الاعتماد شبه الكامل على التدفق اليومي منذ عام 1994 وحتى اليوم يكشف فجوة في التخطيط الاستراتيجي للموارد.
الحكومة هنا تتحمل دورًا مركزيًا في:
⦁ بناء مخزون استراتيجي كضمان للحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
⦁ وضع خطط طوارئ موسمية مع سيناريوهات واضحة للتعامل مع أي نقص محتمل.
⦁ تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص لضمان استمرارية الإمدادات.

إدارة الطلب في الأزمات – ما الذي كان يمكن فعله؟


في أدبيات Crisis Management Economics، هناك أدوات معروفة لإدارة الطلب دون المساس بمبدأ السوق الحر، منها:
⦁ تحديد سقف شراء مؤقت (Rationing soft policies)
⦁ إعطاء أولوية للقطاعات الحيوية.
⦁ تسعير تفاضلي مؤقت، ولكن هذا لا يتفق مع واقعنا الاقتصادي الصعب.
⦁ حملات طمأنة قائمة على أرقام وسيناريوهات واضحة.
غياب هذه الأدوات لا يعني فشل السوق فقط، بل فشل الحوكمة الاقتصادية.

تكرار الأزمات… من الصدفة إلى النمط


حين تتكرر أزمات الغاز، والسولار، والبنزين، والنفايات، بالمنهج نفسه:
⦁ استجابة متأخرة.
⦁ بيانات تطمين عامة.
⦁ تحميل المواطن مسؤولية السلوك.
⦁ ثم انتظار الانفراج…
فإننا لا نكون أمام خلل قطاعي، بل أمام نمط في إدارة الأزمات، يركّز على احتواء اللحظة بدل معالجة الجذور، ويُبقي المجتمع في حالة طوارئ نفسية واقتصادية دائمة.

الاعتماد البنيوي وسلاسل التوريد المختنقة
وفق نظرية Supply Chain Vulnerability (نقاط ضعف سلسة التوريد)، فإن الاقتصادات التي تعتمد على مورد واحد، خاصة في بيئة سياسية عدائية، تكون عرضة لما يسمى Strategic Supply Shocks (صدمات العرض الاستراتيجية).
في الحالة الفلسطينية:
⦁ الاعتماد شبه الكامل على السوق الإسرائيلي.
⦁ التعامل معنا كوحدة تجارية لا ككيان سيادي.
⦁ استخدام التوريد كأداة ضغط غير معلنة.
وهذا يحوّل أي خلل صغير إلى أزمة كبيرة وكبيرة جداً.

الاقتصاد تحت ضغط الأزمات المتكررة
كل اضطراب في الطاقة أو الخدمات الأساسية ينعكس على:
⦁ أسعار السلع والخدمات.
⦁ كلفة النقل والإنتاج.
⦁ القدرة الشرائية للمواطن.
⦁ واستقرار الأسر محدودة الدخل.
الحكومة مسؤولة عن تخفيف هذه الكلفة من خلال إدارة أزمات الطاقة والخدمات بشكل استباقي، وتوفير الحماية الاجتماعية الضرورية للأسر الأكثر ضعفًا.

سؤال الرؤية الاستراتيجية في إدارة الموارد الأساسية
يبرز في خضم الأزمات المتكررة سؤال جوهري لا يتعلّق بالأشخاص أو الجهات، بل بنمط التفكير المعتمد في إدارة الموارد الأساسية.
فالفرق الحقيقي لا يكمن بين فاعلين بعينهم، بل بين نهجين في الإدارة:
نهج يقوم على:
⦁ التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، الاستثمار في الأمن الطاقي والغذائي، تنويع مصادر التوريد، بناء مخزون وقائي، وتوسيع الشراكات الإقليمية الممكنة.
ونهج آخر يظل محكومًا بـ:
⦁ الاعتماد على التدفق اليومي، الاستجابة بعد وقوع الأزمة، وإدارة الواقع كما هو بدل العمل على تغييره تدريجيًا.
إن غياب الرؤية الاستثمارية الاستراتيجية في مجالات الطاقة والسلع الأساسية لا يُبقي السوق فقط عرضة للاهتزاز، بل يجعل الاقتصاد أكثر حساسية للتقلبات الخارجية، سواء كانت مالية أو سياسية، ويحدّ من قدرة صانع القرار على المناورة وقت الأزمات.

الأمن الطاقي والغذائي كأولوية وطنية
غياب صوامع القمح ومخزون الحبوب يكشف هشاشة الأمن الغذائي، تمامًا كما تكشف أزمة الغاز هشاشة الأمن الطاقي.
الحكومة مدعوة إلى:
⦁ تطوير استراتيجيات مخزون استراتيجي للسلع الأساسية.
⦁ تنسيق السياسات الوطنية للطاقة والغذاء لضمان استقرار السوق وحماية المواطن.

المسؤولية بلغة هادئة وموضوعية
تأثير الاحتلال والقيود الخارجية واضح، لكنه لا يعفي الحكومة من مسؤولية:
التخطيط الاستباقي، إدارة المخزون، وضوح السياسات، تكامل الأدوار بين المؤسسات.
المسؤولية هنا ليست اتهامًا، بل مراجعة تهدف إلى تعزيز الأداء والجاهزية الوطنية، وهو ما يجب أن يدركه أي موظف عام يعمل ضمن الجهاز الحكومي.

وفي الختام إدارة الخوف جزء من إدارة الأزمة

ليست أزمة الغاز أزمة موارد فقط، بل أزمة حوكمة، واتصال عام، وثقة اجتماعية.

في المجتمعات الهشّة، تصبح الإشاعة أسرع من السلعة، والخوف أقوى من الحقيقة إن لم تُدار بوعي ومسؤولية.
الأزمات في فلسطين قد تكون متوقعة، لكن استمرار المفاجأة بها ليس مبررًا.

أزمة الغاز هي درس واضح في إدارة الأزمات: ليست السلعة فقط، بل الحوكمة، المعلومات، والثقة الحكومة، بصفتها جهة مسؤولة عن استقرار السوق وطمأنة المواطن، يجب أن تتحرك نحو:
⦁ التخطيط الاستراتيجي والمخزون الوقائي.
⦁ إدارة المعلومات والاتصال بشفافية.
⦁ إشراك المواطنين كشركاء في الصمود الوطني.
⦁ إدارة الطلب والأولوية للقطاعات الحيوية
⦁ بناء مخزون استراتيجي لتقليل هشاشة السوق
⦁ تفعيل خطط الطوارئ بشكل استباقي
⦁ استخدام الإعلام والشراكات لطمأنة المواطنين
فالأزمات قد لا تُمنع بالكامل، لكن سوء إدارتها ليس حتميًا، ويقع على عاتق الحكومة مسؤولية الحد من أثرها وحماية الثقة الاجتماعية والاقتصادية. الثقة هي رأس المال الحقيقي في أي أزمة.
وكلما كانت الحكومة شجاعة وشفافة في مصارحة المواطن، كلما انخفضت القدرة على صناعة الهلع، وأصبحت الأزمات حقيقية فقط عند وقوعها، لا قبلها.

توصيات لصنّاع القرار

⦁ تبني استراتيجية طوارئ وطنية للطاقة تشمل الغاز، السولار، البنزين، وحصر المخزون في نقاط استراتيجية.
⦁ تنظيم السوق مؤقتًا عند ذروة الطلب لتقليل التهافت الفردي.
⦁ إنشاء منصة إعلامية رسمية يومية لتوفير معلومات دقيقة وشفافة عن الكميات والإمدادات.
⦁ تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع استراتيجية خارج فلسطين لتأمين الإمدادات.
⦁ تفعيل دور الرقابة المؤسسية لضبط أي تلاعب بالأسعار أو المضاربة على السلع الأساسية.
⦁ إشراك المواطن كشريك في تحمل المسؤولية الوطنية، من خلال حملات توعية عقلانية ومستنيرة.
⦁ إطلاق حملات إعلامية عقلانية تشرح الواقع وتحدّ من الهلع، وتؤكد دور المواطن كشريك في الاستقرار لا كمتهم.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في التعليم والتنمية

شاهد أيضاً

نتنياهو : المرحلة المقبلة هي تجريد قطاع غزة من السلاح وليس إعادة اعماره

شفا – قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الاثنين، في كلمة ألقاها من على …