
حارتُنا… حين كنّا وطنًا واحدًا ، لوحة محمد الدغليس ، رواية وليد العريض
أتعرف يا محمد؟
وأنا أقف أمام لوحتك، شعرتُ أنني لا أنظر إليها… بل أدخلها.
كأنك لم ترسم بيوتًا، بل فتحت باب الحارة
وتركتني أروي لك الحكاية كما عشناها-
حكايتنا نحن.
هذه بيوتنا قبل خمسين عامًا… وقبل مئة.
حين كان البيت يتّسع أكثر مما يبدو
وحين كانت الحارة تعرف أسماءنا قبل أن نعرف نحن أسماء الشوارع.
العلّية لم تكن علّية، كانت مخزن الأحلام.
والأوضة لم تكن غرفة، كانت قلبًا نابضًا.
الطين لم يكن فقرًا، كان دفئًا
والعقد لم يكن زينة، كان أمانًا يُمسك السقف بالروح.
أتذكر؟
العائلة كلّها تحت سقف واحد:
آباء وأمهات، أولاد وبنات،
أحفاد يملأون الفراغ ضحكًا
ومتزوّجون وعزّاب…
لا يسأل أحد: من له الحق؟
كان الحق للجميع.
صوبة الحطب… كانون النار…
الطبيخ على النار ليس عادةً، بل طقسًا.
وطابون الخبز كان يسبق الصباح برائحته،
فتعرف الحارة أن يومًا جديدًا وُلد.
حتى الحيوانات لم تكن خارج المشهد:
بقرة للحليب، لبن يُخضّ،
خرفان وماعز، بغلة أو حمار،
وأحيانًا حصان-
الحياة كانت مكتملة، بلا زيادة ولا نقص.
وقعدة باب الدار
-آه يا محمد-
كانت جامعة الحارة.
الجيران يمرّون بلا موعد،
السلام لا يحتاج دعوة،
والزيارة لا تُخطَّط… تُعاش.
في رمضان كانت الصحون تتبادل قبل الكلمات
وفي الأعراس يفرح الحيّ كلّه
وفي الأحزان يلبس الحيّ حدادًا عامًا،
سنة كاملة من الوقار،
حزنٌ حقيقي بلا استعراض.
لا راديو في البداية، ولا تلفزيون،
ولا كهرباء.
قناديل الكاز كانت تضيء الوجوه قبل الجدران،
وحين جاءت لمبة الكهرباء،
زاد الضوء… وبقي القلب كما هو.
البيت كان يُبنى بالجماعة،
كما تُبنى الثقة وكما تُبنى الذاكرة:
الصبّة جماعية، الفرح جماعي، والتعب مشترك.
لوحتك موجعة لأنها صادقة.
تقول لنا إن البيت لم يكن حجارة
وإن الحارة لم تكن شارعًا،
بل وطنًا صغيرًا
علّمنا المحبة والثقة والأمان.
نحن لم نغادر هذه الحارة حقًا،
حتى حين حملتنا الغربة إلى إسطنبول
وحتى حين استقرّ بنا العمر في عمان واربد.
تبدّلت الأمكنة، وبقيت الحكاية.
حملنا الحارة معنا،
فحملتْنا.
أنت رسمتَ يا محمد
وأنا رويتُ
لكن الحقيقة أبسط وأعمق:
لااللوحة كانت تعرفنا قبل أن نعرفها.
هذه ليست لوحة بيوت،
بل شهادة عمر،
ورواية جيل
وحكايتنا التي-
مهما ابتعدنا-
لم تنتهِ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .