
أي فتح نريد للشباب؟ تمكين الشباب ودورهم في القرار والتنظيم ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال الخامس) من سلسلة مقالات أي فتح نريد ..
شكّل الشباب الفلسطيني، على امتداد التاريخ الوطني، العمود الفقري للنضال والحراك السياسي والاجتماعي. فمنذ انطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، كان الشباب في طليعة الفعل الثوري، وحملة الفكرة، وصنّاع المبادرة. غير أن التحولات التي مرّت بها الحركة، خاصة بعد انتقالها إلى موقع السلطة، أعادت طرح سؤال جوهري ومُلِحّ: أي فتح نريد للشباب اليوم؟ وهل ما زالت الحركة قادرة على استيعاب طاقاتهم، وتمكينهم، ومنحهم دورًا حقيقيًا في القرار والتنظيم، أم أن الفجوة بين الأجيال باتت تهدد مستقبلها؟
أولًا: الشباب في التجربة التاريخية لحركة فتح
في مراحل التأسيس، لم تكن فتح حركة نخبوية مغلقة، بل مشروعًا شبابيًا بامتياز. قادها شبان آمنوا بفكرة التحرر، وامتلكوا الجرأة على كسر حالة الجمود العربي والفلسطيني بعد النكبة. وكانت أطر الحركة التنظيمية مفتوحة أمام المبادرة، ما أتاح للشباب التقدم بسرعة إلى مواقع التأثير والقيادة.
هذا الحضور الشبابي لم يكن شكليًا، بل كان جوهريًا في صياغة الخطاب، وتطوير أساليب النضال، وبناء القواعد الجماهيرية. وقد شكّل ذلك أحد أهم مصادر قوة فتح وانتشارها، إذ بدت الحركة حينها معبرة عن روح العصر وطموحات الأجيال الصاعدة.
ثانيًا: التحولات التنظيمية وتراجع الدور الشبابي
مع مرور الزمن، وخصوصًا بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، بدأت ملامح التحول تظهر داخل حركة فتح. فقد أفرزت مرحلة الحكم بنية تنظيمية أكثر بيروقراطية، وتكرّست فيها قيادات طويلة الأمد، ما حدّ من فرص التداول والتجديد. وأدى ذلك إلى شعور متزايد لدى قطاع واسع من الشباب بأن دورهم بات محصورًا في التنفيذ، لا في صنع القرار.
كما ساهم غياب آليات واضحة لتمكين الشباب في تراجع ثقتهم بالأطر التنظيمية، ودفع بعضهم إلى الابتعاد عن العمل السياسي المنظم، أو البحث عن أطر بديلة للتعبير عن ذواتهم وهمومهم. وهنا برزت إشكالية حقيقية: حركة تاريخها شبابي، لكن حاضرها لا يعكس بالضرورة هذه الحقيقة.
ثالثًا: الشباب الفلسطيني اليوم – واقع وتحديات
يعيش الشباب الفلسطيني اليوم في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها عوامل الاحتلال، والانقسام السياسي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فارتفاع نسب البطالة، وانسداد الأفق السياسي، وضعف المشاركة في صنع القرار، كلها عوامل تُنتج حالة من الإحباط والاغتراب.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الخطاب التقليدي كافيًا لجذب الشباب أو الحفاظ على انخراطهم. فهم جيل أكثر وعيًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، ويبحث عن دور حقيقي وتأثير ملموس، لا عن مواقع رمزية أو وعود مؤجلة. ومن هنا، فإن السؤال عن “أي فتح نريد للشباب” هو في جوهره سؤال عن قدرة الحركة على التجدد والاستجابة لمتغيرات العصر.
رابعًا: تمكين الشباب – من الشعار إلى الممارسة
غالبًا ما يُطرح تمكين الشباب كشعار في الخطابات والوثائق، لكنه لا يتحول دائمًا إلى سياسات عملية. فالتمكين الحقيقي لا يعني فقط إنشاء أطر شبابية أو تنظيم فعاليات موسمية، بل يتطلب إعادة النظر في بنية اتخاذ القرار داخل الحركة.
يتجسد التمكين في منح الشباب مساحة فعلية للتأثير، عبر إشراكهم في الهيئات القيادية، وتوسيع فرص الترشيح والانتخاب، وتوفير برامج تأهيل سياسي وتنظيمي مستدامة. كما يعني الاعتراف بحقهم في الاختلاف، وتشجيع المبادرة والنقد البنّاء، بدل التعامل مع الشباب ككتلة يجب ضبطها أو توجيهها.
خامسًا: دور الشباب في صنع القرار
لا يمكن الحديث عن مستقبل فتح دون الحديث عن موقع الشباب في عملية صنع القرار. فالحركات التي تُقصي أجيالها الصاعدة تحكم على نفسها بالجمود. ومن هنا، فإن إشراك الشباب في القرار ليس منّة تنظيمية، بل ضرورة استراتيجية.
ويتطلب ذلك وضع آليات واضحة تضمن تمثيلًا شبابيًا حقيقيًا في الأقاليم والمناطق والهيئات المركزية، وربط التدرج التنظيمي بالكفاءة والعمل، لا فقط بالأقدمية. فالشباب قادرون على تقديم رؤى جديدة، خاصة في مجالات الإعلام، والتنظيم المجتمعي، والعمل الرقمي، وهي أدوات باتت أساسية في العمل السياسي المعاصر.
سادسًا: التنظيم كمساحة جذب لا كقيد
أحد التحديات الكبرى التي تواجه فتح هو تحويل التنظيم من إطار جامد إلى مساحة جذب وحيوية. فالشباب ينفرون من الهياكل الثقيلة التي لا تتيح لهم التعبير والمبادرة. ولذلك، فإن تحديث أساليب العمل التنظيمي، وتبسيط الإجراءات، وتبني أدوات حديثة في التواصل والتعبئة، بات أمرًا ملحًا.
كما أن تعزيز العمل التطوعي والمجتمعي داخل الحركة يمكن أن يعيد ربط الشباب بفتح كحركة قريبة من الناس، لا كجهاز سياسي بعيد عن همومهم. فالتنظيم الناجح هو ذاك الذي يشعر أفراده بأنهم شركاء في المشروع، لا مجرد أدوات.
سابعًا: العلاقة بين الأجيال – من الصراع إلى التكامل
كثيرًا ما يُطرح موضوع الشباب في إطار صراع الأجيال، وكأن تمكين الشباب يعني إقصاء القيادات التاريخية. غير أن هذا الطرح يُبسط المسألة ويشوّهها. فالتحدي الحقيقي هو بناء علاقة تكامل بين الخبرة المتراكمة والطاقة المتجددة.
تحتاج فتح إلى الاستفادة من تجربة قياداتها التاريخية، وفي الوقت ذاته فتح المجال أمام قيادات شابة تتعلم وتشارك وتتحمل المسؤولية. هذا التوازن هو ما يضمن الاستمرارية، ويحول دون القطيعة أو الانفجار التنظيمي.
ثامنًا: أي فتح نريد للشباب؟
فتح التي يريدها الشباب اليوم هي حركة:
- تؤمن بهم لا كشعار بل كممارسة.
- تمنحهم دورًا حقيقيًا في القرار.
- تفتح أمامهم آفاق التطور والقيادة.
- تعبّر عن همومهم الوطنية والاجتماعية.
- وتواكب أدوات العصر ولغته.
إنها فتح القادرة على تجديد خطابها دون التفريط بثوابتها، وعلى استيعاب الاختلاف دون تفكك، وعلى تحويل طاقات الشباب من حالة احتجاج صامت إلى فعل منظم ومؤثر.
خاتمة
إن السؤال عن “أي فتح نريد للشباب” هو في جوهره سؤال عن مستقبل الحركة والمشروع الوطني الفلسطيني. فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، بل هم روح أي حركة حية، وضمانة استمرارها. وفتح التي تفشل في تمكين شبابها تخاطر بفقدان دورها التاريخي ومكانتها الجماهيرية.
اليوم، تقف فتح أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء ذاتها من خلال شبابها: عبر تجديد التنظيم، وتوسيع المشاركة، وترسيخ الديمقراطية الداخلية. فالرهان على الشباب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل هو خيار استراتيجي لا بديل عنه إذا أرادت فتح أن تبقى حركة حية، قادرة على القيادة، وصناعة المستقبل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .