
فتح والمرأة : شراكة حقيقية أم حضور شكلي؟ دور المرأة الفتحاوية في النضال والتنظيم ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
( المقال السادس من سلسلة مقالات أي فتح نريد )
شكّلت المرأة الفلسطينية، تاريخيًا، أحد أعمدة النضال الوطني والاجتماعي، وكانت شريكة أصيلة في مسيرة التحرر منذ بداياتها الأولى. ولم تكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) استثناءً من هذا المسار، إذ شاركت المرأة الفتحاوية في مختلف مراحل الكفاح، من العمل التنظيمي والسياسي، إلى النضال الشعبي والاجتماعي، وصولًا إلى مواقع القرار. ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: هل نجحت فتح في ترجمة هذا الدور النضالي إلى شراكة حقيقية داخل بنيتها التنظيمية والسياسية، أم أن حضور المرأة بقي في كثير من الأحيان حضورًا شكليًا محكومًا بالخطاب أكثر من الممارسة؟
أولًا: المرأة في التجربة النضالية لحركة فتح
منذ انطلاقتها، تبنّت فتح خطابًا وطنيًا جامعًا، رأى في المرأة شريكة في النضال لا تابعًا له. وقد برزت المرأة الفتحاوية في مراحل مبكرة من العمل الوطني، سواء في تنظيم الجماهير، أو في العمل الاجتماعي داخل المخيمات، أو في دعم العمل الفدائي والسياسي. وكانت المرأة حاضرة في ساحات المواجهة الشعبية، وفي ميادين التعليم، والإعلام، والإغاثة، والعمل النقابي.
هذا الحضور لم يكن هامشيًا، بل أسهم في ترسيخ صورة المرأة الفلسطينية بوصفها فاعلة في مشروع التحرر، لا مجرد ضحية للاحتلال. كما لعبت الأطر النسوية داخل فتح دورًا مهمًا في رفع الوعي الوطني والاجتماعي، وربط القضية الوطنية بقضايا المرأة والعدالة الاجتماعية.
ثانيًا: من الثورة إلى التنظيم – تحولات الدور النسوي
مع تطور التجربة الفتحاوية وانتقالها من حركة تحرر إلى حركة تقود سلطة وطنية، دخلت المرأة الفلسطينية، عمومًا، والفتحاوية، خصوصًا، مرحلة جديدة اتسمت بتعقيدات إضافية. فقد باتت المشاركة السياسية والتنظيمية خاضعة لبنى مؤسسية أكثر صرامة، ما أفرز تحديات تتعلق بالتمثيل، والوصول إلى مواقع القرار.
ورغم استمرار حضور المرأة في الأطر التنظيمية، إلا أن هذا الحضور غالبًا ما تركز في مجالات محددة، مثل العمل الاجتماعي أو اللجان النسوية، دون أن يوازيه تمثيل عادل في الهيئات القيادية العليا. وهنا بدأ يتبلور تساؤل حول مدى جدية الشراكة، وما إذا كانت المشاركة النسوية تُمنح بوصفها حقًا، أم تُدار باعتبارها واجبًا شكليًا لتجميل المشهد التنظيمي.
ثالثًا: الخطاب والممارسة – فجوة قائمة
لا يمكن إنكار أن فتح، في خطابها السياسي، تؤكد باستمرار على دور المرأة وحقوقها، وتُبرز رمزية نضالها في مواجهة الاحتلال. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الفجوة بين هذا الخطاب والممارسة التنظيمية اليومية. فالمرأة الفتحاوية ما زالت تواجه صعوبات حقيقية في الوصول إلى مواقع صنع القرار، وفي التأثير الفعلي على السياسات والبرامج.
وتعود هذه الفجوة إلى مجموعة عوامل، من بينها الثقافة المجتمعية السائدة، التي ما زالت تحمل بعض الأنماط التقليدية، إضافة إلى بنية تنظيمية يغلب عليها الطابع الذكوري، حيث تُدار مواقع النفوذ غالبًا عبر شبكات غير رسمية يصعب على النساء اختراقها.
رابعًا: المرأة الفتحاوية بين النضال الاجتماعي والتنظيم السياسي
تميّز دور المرأة الفتحاوية تاريخيًا بقربه من هموم المجتمع، خاصة في مجالات التعليم، والصحة، ودعم الأسر، والعمل التطوعي. وقد منحها هذا الدور مكانة خاصة في الشارع الفلسطيني، وجعلها حلقة وصل بين الحركة والجماهير. غير أن هذا التميّز الاجتماعي لم يُترجم بالضرورة إلى نفوذ سياسي داخل التنظيم.
ففي كثير من الأحيان، يُنظر إلى دور المرأة باعتباره مكمّلًا أو داعمًا، لا قياديًا أو صانعًا للقرار. وهذا التصور يُضعف إمكانات الحركة نفسها، إذ يحرمها من طاقات وخبرات قادرة على الإسهام في تطوير الأداء السياسي والتنظيمي.
خامسًا: التمثيل في مواقع القرار – الواقع والتحديات
عند النظر إلى نسب تمثيل المرأة في الهيئات القيادية لحركة فتح، يظهر بوضوح أن هناك فجوة بين حجم المشاركة القاعدية ومستوى التمثيل القيادي. فالنساء يشكّلن نسبة معتبرة من القواعد التنظيمية، لكن حضورهن في اللجنة المركزية، والمجلس الثوري، والمواقع المتقدمة في الأقاليم، لا يزال محدودًا.
هذه الفجوة تطرح تساؤلات جدية حول آليات الاختيار والترقية داخل الحركة، ومدى التزامها بمبدأ تكافؤ الفرص. كما تثير الحاجة إلى مراجعة السياسات التنظيمية بما يضمن تمثيلًا أكثر عدالة، لا يقوم فقط على الكوتا الشكلية، بل على تمكين فعلي مبني على الكفاءة والاستحقاق.
سادسًا: شراكة حقيقية أم حضور شكلي؟
إن التمييز بين الشراكة الحقيقية والحضور الشكلي لا يتم عبر عدد المقاعد فقط، بل عبر مدى التأثير في القرار. فالشراكة الحقيقية تعني أن تكون المرأة جزءًا من عملية التخطيط، وصياغة السياسات، واتخاذ القرار، لا مجرد مشاركة في التنفيذ أو الظهور الإعلامي.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن تجربة فتح مع المرأة ما زالت تحمل عناصر من التقدم وأخرى من القصور. فقد حققت الحركة إنجازات مهمة على صعيد الاعتراف بدور المرأة وإشراكها، لكنها لم تنجح بعد في كسر السقف غير المعلن الذي يحد من وصول النساء إلى مراكز النفوذ الحقيقي.
سابعًا: تمكين المرأة كخيار استراتيجي
إن تمكين المرأة الفتحاوية ليس مطلبًا فئويًا، بل خيار استراتيجي يعزز قوة الحركة ومصداقيتها. فالمجتمعات التي تشرك نساءها في القيادة تكون أكثر قدرة على الصمود والتجدد، والحركات التي تستثمر في طاقات نسائها تكون أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على التعبير عنهم.
ويتطلب هذا التمكين جملة من الخطوات، أبرزها:
• تطوير برامج إعداد قيادي للنساء داخل الحركة.
• مراجعة الأنظمة الداخلية بما يضمن عدالة التمثيل.
• تغيير الثقافة التنظيمية لتكون أكثر شمولًا.
• دعم مشاركة المرأة في الملفات السياسية لا الاجتماعية فقط.
ثامنًا: نحو رؤية جديدة لدور المرأة في فتح
فتح اليوم بحاجة إلى رؤية متجددة لدور المرأة، رؤية تنطلق من كونها شريكة كاملة في المشروع الوطني والتنظيمي. وهذه الرؤية يجب أن تتجاوز التعامل مع المرأة كرمز نضالي أو واجهة تنظيمية، لتراها فاعلًا سياسيًا يمتلك الحق والقدرة على القيادة.
كما أن تعزيز حضور المرأة الشابة داخل الحركة يشكّل رافعة أساسية للتجديد، ويخلق تواصلًا أفضل مع المجتمع، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
خاتمة
إن السؤال عن “فتح والمرأة: شراكة حقيقية أم حضور شكلي؟” هو في جوهره سؤال عن طبيعة الحركة نفسها، وعن مدى التزامها بقيم العدالة والمشاركة التي رفعتها منذ تأسيسها. فالمرأة الفتحاوية كانت، وما زالت، جزءًا لا يتجزأ من مسيرة النضال الوطني، وقدّمت تضحيات كبيرة في سبيل القضية الفلسطينية.
اليوم، تقف فتح أمام اختبار مهم: إما أن تُحوّل هذا التاريخ النضالي إلى شراكة فعلية داخل التنظيم وصنع القرار، أو أن تبقى أسيرة نمط مشاركة لا يرقى إلى مستوى التحديات. ففتح القوية هي فتح التي تؤمن بأن تحرر الوطن لا يكتمل دون تحرر الإنسان، رجلًا كان أم امرأة، وبأن الشراكة الحقيقية مع المرأة ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء حركة وطنية قادرة على الاستمرار والتجدد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .