3:29 صباحًا / 9 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والتنظيم ، هل نريد حركة مؤسسات أم أفراد ؟ ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والتنظيم ، هل نريد حركة مؤسسات أم أفراد ؟

فتح والتنظيم: هل نريد حركة مؤسسات أم أفراد؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


( المقال السابع من سلسلة مقالات أي فتح نُريد)

النظام الداخلي، المحاسبة، والانضباط


لطالما شكل التنظيم الداخلي حجر الزاوية لأي حركة سياسية، ولا سيما حركة تحرر وطني بحجم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). فالتنظيم يضمن استمرارية الحركة، ويحولها من مجرد تجمعات عفوية إلى قوة قادرة على التأثير وصنع القرار. ومع مرور الوقت، ومع تعقيد التجربة السياسية الفلسطينية، أصبح السؤال حول طبيعة فتح التنظيمية أكثر إلحاحًا: هل نريد فتح حركة مؤسسات متماسكة، أم مجرد تجمعات لأفراد؟ وما هو دور النظام الداخلي، والانضباط، والمحاسبة في تحقيق هذا الهدف؟


أولًا: أهمية التنظيم في حركة فتح


منذ تأسيسها، اعتمدت فتح على هيكل تنظيمي محدد، يجمع بين القيادة المركزية والأطر القاعدية المنتشرة في المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية. وقد مكّن هذا التنظيم الحركة من الحفاظ على وحدتها، واستمرارية رسالتها، وتحقيق نتائج ملموسة في العمل الوطني.


التنظيم ليس مجرد شكل إداري، بل هو جوهر القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. فالحرية الفردية داخل الحركة لا تعني الفوضى، بل يجب أن تنسجم مع أهداف الحركة وخططها الاستراتيجية. وهنا يظهر التحدي الأساسي: التوازن بين حرية المبادرة الفردية وبين الانضباط التنظيمي.


ثانيًا: الحركة بين المؤسسات والأفراد


هناك فرق جوهري بين حركة مؤسسات وحركة أفراد. الحركة المؤسساتية تعتمد على قواعد واضحة، وآليات محددة لاتخاذ القرار، ومسؤوليات معلنة للأعضاء. أما حركة الأفراد، فتقوم على حضور شخصيات قيادية قوية، قد يكون لها تأثير كبير، لكنها لا تضمن الاستمرارية أو الشمولية في العمل.


في حالة فتح، لاحظ الباحثون أن التجربة التاريخية جمعت بين هذين النموذجين. فهناك أطر تنظيمية مؤسساتية قوية، لكنها كانت في أحيان كثيرة تعتمد على أفراد مؤثرين لهم وزنهم التاريخي أو السياسي. وهذا أدى أحيانًا إلى حالة من ازدواجية المعايير، وضعف الالتزام بالمحاسبة والانضباط.


ثالثًا: النظام الداخلي ودوره في التنظيم


النظام الداخلي لأي حركة سياسية هو العمود الفقري الذي يحدد الصلاحيات، والمسؤوليات، وطرق اتخاذ القرار، وآليات الفصل في النزاعات. في فتح، كان النظام الداخلي منذ البداية وسيلة لضبط العلاقة بين الأعضاء، وتنظيم العمل بين المراكز والأقاليم، وتحديد شروط الانتماء والمشاركة.


ومع ذلك، فإن التطبيق الفعلي للنظام الداخلي شهد تباينًا بين الإعلان والخطاب وبين الواقع. فغالبًا ما كانت القرارات تتأثر بعلاقات شخصية أو اعتبارات سياسية ضاغطة، ما أثر على فعالية النظام الداخلي، وأضعف من قوة الحركة كمؤسسة.


رابعًا: الانضباط داخل فتح


الانضباط هو الصفة الثانية التي تحدد ما إذا كانت الحركة مؤسسات أم أفراد. فالانضباط يعني التزام الأعضاء بالقواعد، وتنفيذ القرارات، والعمل ضمن أطر واضحة، حتى لو اختلف الفرد شخصيًا مع بعض القرارات. وهو ما يميز الحركة المؤسساتية عن تلك القائمة على الأفراد.


لكن الواقع أظهر أن الانضباط داخل فتح كان في كثير من الأحيان مرهونًا بالعلاقة بين الفرد والقيادة، وليس بالقواعد المنظمة للعمل. وهذا خلق تحديًا كبيرًا، إذ يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، أو ظهور نزعات فردية تؤثر على وحدة الحركة.


خامسًا: المحاسبة كأداة لضمان الالتزام


المحاسبة هي العامل الثالث الذي يضمن جدية الحركة المؤسساتية. فهي تعني أن يكون لكل عضو مسؤوليات واضحة، وأن تُقيَّم النتائج، وأن تُتخذ الإجراءات المناسبة عند الانحراف أو الإخلال بالقواعد. المحاسبة ليست عقوبة، بل هي ضمان لاستمرارية الحركة وفاعليتها.


في حالة فتح، كانت المحاسبة أحد عناصر الضعف. فالتاريخ أظهر وجود تجاوزات، سواء على مستوى الإدارة الداخلية أو توزيع الموارد، أضعفت من ثقة الأعضاء والجماهير على حد سواء. ولذا، فإن تعزيز المحاسبة لا يقل أهمية عن الانضباط والنظام الداخلي في بناء حركة مؤسساتية حقيقية.


سادسًا: مخاطر التركيز على الأفراد


الاعتماد المفرط على الأفراد في حركة سياسية يحمل مخاطر عديدة. فهو قد يؤدي إلى الاستقطاب داخل الحركة، وخلق شبكات نفوذ شخصية، والاعتماد على قرارات غير شفافة. كما أنه يجعل الحركة معرضة للتقلبات عند غياب هؤلاء الأفراد، ما يهدد الاستمرارية التنظيمية والسياسية.


في فتح، شهدنا فترات اتسمت بالتركيز على شخصيات قيادية تاريخية، ما أثر أحيانًا على قدرة الحركة على التجدد، وعلى إشراك الكوادر الشابة في مواقع اتخاذ القرار.


سابعًا: فوائد التحول نحو حركة مؤسسات


الحركة المؤسساتية، على النقيض، تتمتع بعدة مزايا:


• استمرارية واضحة: لا تعتمد على أفراد بعينهم.
• شفافية أكبر: القرارات تتخذ وفق قواعد وآليات محددة.
• عدالة في التمثيل: تتيح مشاركة أوسع للأعضاء.
• فعالية أكبر في مواجهة التحديات: القدرة على التكيف والتخطيط طويل الأمد.
وبالتالي، فإن تحويل فتح إلى حركة مؤسساتية ليس رفاهية تنظيمية، بل ضرورة استراتيجية لضمان الصمود، ولتقوية مصداقية الحركة أمام الجماهير.


ثامنًا: التحديات المعاصرة أمام فتح


اليوم تواجه فتح تحديات معقدة تتعلق بالتنظيم الداخلي، تشمل:


• ضعف الالتزام بالأنظمة الداخلية أحيانًا.
• غياب المحاسبة الصارمة في بعض المناصب.
• تأثير الأفراد الأقوياء على اتخاذ القرار.
• حاجة ملحة لإشراك الشباب والكوادر الجديدة في البناء المؤسسي.


وهذه التحديات تستدعي مراجعة شاملة للآليات التنظيمية، بهدف تعزيز الحركة المؤسساتية، وتحويل كل فرد فيها إلى عنصر فاعل ضمن إطار واضح وموحد.


تاسعًا: آليات لتعزيز الحركة المؤسساتية
يمكن تعزيز مؤسسية فتح من خلال عدة خطوات عملية:

  1. تحديث النظام الداخلي: مراجعة الصلاحيات والمهام، وضمان وضوحها، وربطها بمسؤوليات واضحة.
  2. تعزيز المحاسبة: إنشاء آليات مستقلة لتقييم الأداء، وتطبيق العقوبات عند الضرورة.
  3. تدريب وتأهيل الأعضاء: خاصة الشباب، لضمان جاهزيتهم لمواقع القيادة.
  4. توسيع المشاركة: ضمان مشاركة حقيقية لكل الأقاليم والفئات، لا مجرد تمثيل رمزي.
  5. تعزيز الانضباط: عبر تشجيع الالتزام بالقواعد والقرارات، وتقدير المبادرات التي تخدم الحركة ككل.


عاشرًا: نحو رؤية متجددة لفتح


فتح التي نريدها هي حركة مؤسساتية، قوية، شفافة، عادلة، قادرة على الصمود أمام الضغوط، ومستعدة لتجديد نفسها باستمرار. وهي حركة تتحول فيها المبادرة الفردية إلى عنصر دعم للمؤسسة، لا إلى أداة للتفرد أو النفوذ الشخصي.


وفي هذه الرؤية، يصبح النظام الداخلي، والانضباط، والمحاسبة ليست مجرد أدوات تنظيمية، بل عوامل حيوية لنجاح الحركة، وضمان استمراريتها، وتعزيز مصداقيتها أمام الجماهير.
خاتمة


إن السؤال عن “فتح والتنظيم: هل نريد حركة مؤسسات أم أفراد؟” هو في جوهره سؤال عن مستقبل الحركة نفسها. فالحركة التي تعتمد على الأفراد وحدهم تخاطر بفقدان استمراريتها، بينما الحركة المؤسساتية تضمن مشاركة الجميع، والالتزام بالقواعد، وتوفير استقرار طويل الأمد.


فتح اليوم أمام فرصة تاريخية لتثبيت الحركة المؤسساتية كخيار استراتيجي: عبر تحديث النظام الداخلي، تعزيز المحاسبة، ورفع مستوى الانضباط، وإشراك الشباب والكفاءات الجديدة. وهذا الخيار ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو شرط أساسي لتجدد الحركة، ولقدرتها على قيادة المشروع الوطني الفلسطيني بفعالية ومسؤولية.

    شاهد أيضاً

    الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة المجلس الثوري : ماضون في خطة الإصلاح والاستعداد للانتخابات العامة

    الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة المجلس الثوري : ماضون في خطة الإصلاح والاستعداد للانتخابات العامة

    شفا – ترأس رئيس دولة فلسطين محمود عباس، مساء اليوم الخميس، بمقر الرئاسة في مدينة …