
حنظلة لا يموت ، بقلم : رانية مرجية
في التاسع والعشرين من آب عام 1987، توقّفت يد ناجي العلي برصاص غادر في أحد شوارع لندن، لكن صوته لم يتوقف. لم يكن ناجي مجرد رسّام كاريكاتير فلسطيني، بل كان ضميرًا معلّقًا على جدار العالم، وعرّافًا بصيرًا قرأ المستقبل بريشته كما يقرأ النبي الغيب في نبوءاته.
لقد كان يعرف أن خطه الأسود، ذلك الخط البسيط، قادر أن يفضح أكثر مما تفضحه آلاف الكلمات والخطابات. لذلك لم يتردّد في رسم الحقيقة عارية، لم يُدلّل السلاطين، ولم يُهادن أحدًا. بل كان يطعن بأنامله في قلب الفساد، ويعرّي الزيف العربي والدولي على حدّ سواء.
ناجي العلي… الوجع الذي صار حبرًا
وُلد ناجي في الشجرة، القرية الفلسطينية التي هُجّرت عام 1948، وحمل ذاكرة النكبة في قلبه أينما ارتحل. لم يتركه الوجع، بل صار الحافز الأول لريشته. كان يردد دائمًا: “أنا متهم بالانحياز… وهو شرف لا أدّعيه، بل أعتز به.” انحاز للفقراء، للمخيمات، للدمعة في عيون الأمهات، ولصوت الأطفال وهم يبحثون عن سماء لا تسقط فوق رؤوسهم.
كان يرى أن رسمة واحدة قد تزلزل عرشًا. فلوحاته لم تكن للتسلية ولا للزينة، بل كانت جبهات قتال. كل خط فيها ساحة مواجهة، وكل عينٍ يرسمها نافذة إلى جرح مفتوح.
حنظلة… الطفل الذي لم يكبر
حين ابتكر شخصية “حنظلة”، ذاك الطفل الذي أدار ظهره للعالم ورفع يديه خلف ظهره، لم يكن يرسم مجرّد شخصية كاريكاتيرية، بل كان يخلق رمزًا خالدًا. حنظلة كان فلسطين التي لا تكبر إلا بالحرية، وكان صوت الفقراء الذين يرفضون المساومة.
لم يكبر حنظلة، وبقي عمره عشر سنوات، العمر الذي خرج فيه ناجي من وطنه. كأن الرسام أراد أن يقول: فلسطين توقفت عند لحظة النكبة، ولن تكبر حتى تعود.
لقد تحوّل حنظلة إلى أيقونة عالمية: تجده على الجدران، في المظاهرات، على صدور الشباب، وفي كل مكان يُرفع فيه شعار الحرية. صار شاهدًا صامتًا على جرائم الاحتلال وخيبات العرب في آن.
الرصاص يغتال الجسد لا الفكرة
في ذلك اليوم من صيف 1987، اخترقت الرصاصة رأس ناجي العلي، وأسقطت الجسد. لكنهم لم يدركوا أن الأفكار لا تُقتل. منذ اغتياله، ازدادت رسوماته حياة، وصار حضوره أقوى. لم يختفِ، بل تكاثر في كل مكان. صارت رسوماته كتبًا مدرسية موازية، ومرايا صادقة لا تشيخ.
إن ما تركه ناجي لنا لم يكن مجرد فن، بل كان وثيقة إدانة تاريخية، وأرشيفًا للوجع الفلسطيني، ووصية أبدية للأجيال: لا تستسلموا، لا تساوموا، لا تبيعوا دمكم.
هدايا العرّاف الذي قرأ المستقبل
حين نعيد قراءة رسوماته اليوم، ندرك أنه لم يكن فقط رسامًا، بل عرّافًا قرأ المستقبل. في كل لوحة نجد حاضرنا: الانقسام الفلسطيني، خيانة الساسة، تهافت التطبيع، واستمرار النزيف. كأنه كان يكتب الغد بالحبر الأسود، ليترك لنا خريطة نبوءة لا يضل طريقها.
رسوماته ليست ماضٍ يُذكر في الذكرى، بل هدايا يقدّمها لنا من المستقبل. كل خط من خطوطه يذكّرنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن فلسطين لا تختصر بخطاب ولا بمصافحة عابرة.
ناجي بيننا
اليوم، ونحن نحيي ذكرى استشهاده، ندرك أن ناجي العلي لم يمت. فحنظلة لا يزال حيًّا في وعينا، يذكّرنا أن القيم الحقيقية لا تموت. كل جدار يُرسم عليه حنظلة هو شاهد جديد على أن الرصاص لا يقدر أن يغتال رمزًا.
سلام عليك يا ناجي، سلام على يدك التي قاومت بالريشة، وعلى خطوطك التي صنعت ثورة، وعلى حنظلة الذي لا يزال طفلًا عاري القدمين، يذكّرنا أن فلسطين باقية ما بقيت الحياة.
رانية مرجية