
العقد الاجتماعي لحماية التعليم في فلسطين: وثيقة وجودية وشراكة وطنية ملزمة ، بقلم : نسيم قبها
لم أكن جالسا على طاولة مستديرة لأسمع خطابات تمرّ كما يمرّ الهواء على رخام الذكريات ، كانت ورشة تربوية من قلب المعاناة الفلسطينية، حيث تحاول قوى الاحتلال طمس الهوية وتهديد المستقبل، حيث بادرت جمعية إبداع المعلم في مبادءة غير مسبوقة عربيا لتضمين الحق في التعليم في جوهرة اعتبارية لعقد اجتماعي وطني مسؤول ، يرفع التعليم ما استطاع ليظل خندق الصمود الأول وخط الدفاع الأصيل عن الوجود والهوية. إن هذا العقد الاجتماعي لحماية التعليم ليس مجرد اتفاق نقابي أو سياسي عابر؛ بل هو وثيقة وجودية تكرس التعليم كحق مقدس وكرافعة أساسية لتحرر الوطن وبناء دولته المستقلة. إنه عقد مفترض بين جميع مكونات الشعب الفلسطيني: الحكومة، والمعلمون، والمجتمع المدني، والشخصيات الاعتبارية ، والأهل، لتجسيد إرادة جماعية تحمي الفصل الدراسي من أي اعتداء، وتصون العملية التعليمية من أي شطط.
التعليم قضية وجود وشراكة وطنية ملزمة
ينطلق العقد الذي تمت تلاوته في ظهوره الأول من رؤية واضحة: التعليم حق فردي وجماعي لا يمكن التنازل عنه، وهو مسؤولية مشتركة. فالحكومة، ممثلة بوزارة التربية والتعليم، تلتزم بوصفها “صاحبة الواجب” (المادة 21) بضمان بيئة آمنة وداعمة، وتوفير الأجر العادل، وتمكين المعلم من الإبداع. لكن هذا الالتزام الحكومي لا يكفي دون شراكة حقيقية. هنا يأتي دور الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين كممثل نقابي يدافع عن الحقوق المهنية والنقابية (المادة 10)، ودور مجالس أولياء الأمور في الرقابة والدعم (المادة 21)، ومساهمة مؤسسات المجتمع المدني في الدفع بالسياسات التعليمية وتقديم البدائل أثناء الأزمات. هذه الشبكة من العلاقات التكاملية هي التي تضمن تحويل بنود العقد من حبر على ورق إلى واقع ملموس في كل مدرسة وكل قرية.
دمقرطة العمل النقابي: ضمانة حقيقية لحيوية العقد واستدامته
لكي يكون هذا العقد الوطني ناجحاً وملزماً، لا بد أن يقترن بتطوير جذري وديمقراطي للحياة النقابية داخل الوسط التعليمي. إن دمقرطة العمل النقابي ليست ترفاً فكرياً، بل هي شرط أساسي لتحقيق الشراكة الفعالة المنشودة في العقد. فالنقابة القوية والتمثيلية والمستقلة، التي تدار بشفافية وتخضع للمحاسبة من قبل أعضائها، هي وحدها القادرة على أن تكون شريكاً حقيقياً للحكومة والمجتمع في تنفيذ هذا الميثاق الوطني.
يؤسس العقد لهذه الديمقراطية النقابية عبر بنود واضحة:
· الحوار الداخلي والتجديد (المادة 13): بجعله أداة دائمة، يضمن تجدد الدماء في الجسم النقابي ويمنع احتكار القرار، مما يجعل الاستراتيجيات النقابية (المادة 12) تعبيراً حقيقياً عن إرادة المعلمين المجمعة.
· الشفافية والمساءلة (المادة 20): حيث يلزم العقد النقابة ذاتها بالإعلان عن اتفاقياتها وبتبرير قراراتها لأعضائها. هذه المساءلة الداخلية تخلق ثقة متبادلة، وتجعل النقابة أكثر قوة ومصداقية عند مماثلتها للحكومة.
· وحدة التمثيل وطوعية الانتماء (المادة 11): فالاعتراف بالاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين كممثل شرعي ووحيد (في إطار القانون) يمنع التشتت، بينما ضمان طوعية الانضمام يحترم حرية المعلم ويجعل النقابة في حالة دائمة من المراجعة الذاتية.
هذه الديمقراطية النقابية هي التي تحول الإضراب من فعل يائس إلى أداة استراتيجية محسوبة و”ملاذ أخير” (المادة 14)، تستخدم فقط بعد استنفاد كل حوار بناء، وبقرار جماعي وشفاف.
آليات التنفيذ: من المبادئ إلى الممارسة
لكي لا يبقى العقد مجرد بيان مثالي، فقد نص على آليات عملية مبتكرة لضمان تنفيذه والرقابة عليه:
- المجلس الوطني للشراكة التعليمية (المادة 19): وهي هيئة تشاركية تضم جميع الأطراف المعنية لوضع السياسات التعليمية ومتابعتها. هنا تتفاعل دمقرطة النقابة مع الشراكة المؤسسية، حيث يشارك ممثلو المعلمين بثقل نابع من تمثيلهم الحقيقي لقاعدة عريضة.
- مجلس الحكماء (المادة 24): وهو جسم مستقل وموقر مهمته “المراقبة القيمية والأخلاقية والوطنية”. وجود مثل هذا المجلس يضفي شرعيةً مجتمعيةً عالية، ويعزز الثقة بين الأطراف، ويمثل جهة وساطة محايدة.
- التزامات متبادلة وواضحة: العقد يوزع المسؤوليات بدقة. فبينما تلتزم الحكومة بالحقوق المادية، يلتزم المعلمون برسالة التعليم وأخلاقيات المهنة ورفض تسييس الفصول (المادة 16). ويتعهد الجميع بضمان استمرارية التعليم في أي ظرف (المادة 17).
رسالة إلى فلسطين والمنطقة العربية: وثيقة ملهمة للصمود والنهضة
هذا العقد هو إنجاز فلسطيني بامتياز، ينبع من خصوصية التجربة النضالية التي جعلت من المدرسة حصنًا للهوية. إنه يقدم للعالم العربي نموذجًا فريدًا في توحيد الجهد الوطني حول قضية التعليم، وتحويله من مجرد خدمة حكومية إلى قضية مجتمعية مصيرية. إن دمقرطة العمل النقابي التي يرسيها العقد تقدم درسًا عربيًا في بناء مؤسسات المجتمع المدني القوية والشفافة، القادرة على أن تكون شريكًا في البناء ورقيبا على التنفيذ، خاصة في ظل الأزمات التي تواجه الأنظمة التعليمية العربية.
من التوقيع إلى التطبيق
من المتوقع أن يكون التوقيع الوطني الموسّع على هذا العقد هو بداية الطريق. نجاحه مرهون بإرادة سياسية حقيقية، وبوعي نقابي ديمقراطي مسؤول، وبمشاركة مجتمعية فاعلة. عندما تتحالف وزارة التربية مع اتحاد معلمين ديمقراطي تمثيلي، ومع مؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات الاعتبارية ، تحت مظلة هذا العقد، فإنهم لا يحمون التعليم فحسب؛ بل يحمون مستقبل فلسطين ويبنون دولتها القادمة بحجر العلم والكرامة. هذا العقد هو وعد للأجيال القادمة بأن فلسطين، رغم كل الجراح، ستظل تتعلم وتعلم، وتصون حقها في المعرفة كأساس لحقها في الحرية والوجود. وهو نموذج يثبت أن أقوى رد على محاولات الطمس هو بناء مؤسسات وطنية ديمقراطية راسخة، تبدأ من الفصل الدراسي.
- – نسيم قبها – باحث في الشأن التربوي – الإئتلاف التربوي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .