
أريد الموت في غزة مليون مرة، ولا أريد الغربة ، بقلم : غدير حميدان الزبون
ثمة وجعٌ لا يُرى في نشرات الأخبار، ولا تلتقطه عدسات الكاميرات، هو وجعٌ يسكن في المسافة بين الإنسان وبيته. هناك، عند حدود الانتظار الطويل يتكاثف الوقت حتى يصبح أثقل من حقيبة سفر، ويصير الحنين وطنًا مؤقتًا يُقيم في الصدر ولا يهدأ.
على تخوم الطريق المؤدي إلى غزة تتبدّل ملامح البشر، فالعيون التي أنهكها السهر تستعيد بريقها لمجرد أنْ يلوح الاسم في الأفق.
الاسم وحده يكفي ليهزم عامين من الغياب، أجل، عامان كانا كفيلين بأنْ يعلّما القلب معنى العزلة، وأنْ يرسما على الروح خرائط شوق لا تمحى.
في الحكايات العادية يكون السفر مغامرة، وتكون العودة تفصيلًا، أما هنا، فالعودة قدرٌ يُنتزع انتزاعًا من بين القيود.
هنا، يتحول الطريق إلى اختبار صبر، ويتحوّل المعبر إلى فاصلة بين حياة معلّقة وحياة تستعيد نبضها.
كان ذلك قبل أنْ ينطق الرجل عبارته التي دوّت في القلب، لقد كانت غزة تناديه بصوتٍ لا يسمعه سواه، وكانت الأزقة تتهيأ لخطواته، والبحر يعدّ أمواجه، والبيت يفتح نوافذه انتظارًا.
كل شيء هناك كان يعرف أنه عائد حتى وإنْ تأخر الزمن.
هذه ليست قصة عبورٍ جغرافي، إنها قصة روح رفضت أنْ تتصالح مع المنفى، واختارت أنْ تعود عندما تبدأ الحكاية وتنتهي.
يبدأ المقال من لحظةٍ يلتقي فيها الشوق بأرضه، ويكتشف الإنسان أنّ الانتماء ليس كلمة تُقال، فهو حياة كاملة تُستعاد.
عبارة خرجت من قلبٍ أنهكه الانتظار، فبدت صرخة تختصر عامين من التيه والاشتياق والقلق.
هو رجل عاد إلى غزة بعد إغلاق معبر رفح لعامين كاملين، ثم عاد محمّلًا بأيام ثقيلة، وساعات طويلة من الترقب، وليالٍ كان يسأل فيها نفسه: متى تنتهي هذه المسافة القاسية بيني وبين بيتي؟
الغربة ليست أمتارًا تفصل بين مكانين؛ الغربة شعور دائم بأنك خارج الإطار، وأنّ حياتك معلّقة، وتفاصيلك اليومية فقدت معناها.
هناك، تستيقظ فتبحث عن رائحة بيتك فلا تجدها، وتشتاق لضحكة أمك، ولصوت البحر، ولضجيج الشوارع التي تحفظ خطواتك.
كلّ شيء في الخارج يبدو مؤقتًا حتى ابتسامتك.
عامان وهو يتابع أخبار المعبر مثلما يتابع مريض نبضه، يتابع بلهفة أي إشاعة ترفع الأمل، أو خبر يؤجله، أو قرار يتأخر.
في كلّ مرة كان يتهيأ للعودة، ويعيد ترتيب حقيبته في خياله، فيخطط للقاء طويل مع أهله، ثم يعود الانتظار سيد الموقف.
قال كلمته المؤثرة وكأنه يضع خلاصة تجربته أمام العالم: “الموت ولا الغربة”. لم يكن يتمنى الفناء، وإنما كان يعلن تمسكه بجذوره.
أراد أن يعيش في مكان يعرف اسمه جيدًا، فلا يحتاج إلى شرح هويته، فالأرض تحفظ خطاه والسماء تعرف دعاءه.
كانت لحظة العبور أشبه بولادة جديدة، فخطواته الأولى داخل غزة حملت ثقل الشوق كله، فعانق أهله كمن يعانق من نجا من عاصفة طويلة.
لم يكن المشهد استعراضًا، فقد كان إنسانًا يعود إلى حضنه الأول.
في غزة قد تضيق الحياة، وقد تتكاثر الأعباء، وقد تتشابك الظروف غير أنّ هناك شعورًا لا يعوّض بأنك في مكانك الطبيعي. الإنسان قد يتحمل قسوة الواقع، لكنه ينهار أمام اقتلاع روحه من أرضها.
وكلمات هذا الرجل تعبّر عن آلاف العالقين خلف الحدود، أولئك الذين علقوا بين وطن ينتظرهم وعالم لا يشبههم. المعبر بالنسبة لهم لم يكن طريق سفر، فقد كان شريانًا يربط القلب بجسده، لأنّ الوطن ليس رفاهية، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، إنّه ذاكرة الطفولة، وصوت الأذان من الحي، وملامح الجيران، ووجوه الأصدقاء، هو التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.
عاد الرجل إلى غزة وهو يدرك أنّ الكرامة تبدأ من الانتماء، فقد يواجه صعوبات كثيرة، لكنه اختار أنْ يواجهها في بيته، وبين أهله، وتحت سمائه.
هناك، حتى التعب يبدو أخف، والألم له طعم مختلف.
لم تكن عبارته تحديًا للموت، إنما كانت إعلانَ حُبّ للحياة كما يريدها، حياة قريبة من القلب على أرض تحفظه حيًا وميتًا.
تنتهي الحكاية عند بوابة معبر، ولا تُختصر في دمعة لقاء، فالحكاية تبدأ فعلًا عند أول نفسٍ يُسحب من هواء يعرف صاحبه، وعند أول خطوة تلامس أرضًا تحفظ الأسماء في ترابها ولا تنساها.
ذلك الرجل لم يعد وحده، لقد عاد ومعه عامان من الأسئلة الثقيلة ليضعها على عتبة بيته ويغلق الباب خلفه.
عاد ليقول للعالم إنّ الانتماء ليس شعارًا يُرفع، إنه يا سادة، قدرٌ يُعاش بكلّ ما فيه من تعبٍ وفرحٍ وخسارةٍ وأمل.
عاد الرجل ليبرهن أنّ الروح مهما ابتعدت تظل مشدودة بخيطٍ خفي إلى المكان الذي تشكّلت فيه ملامحها الأولى.
قد تبدو غزة في عيون البعيدين خبرًا عابرًا أو عنوانًا سياسيًا، لكنها في عيون أبنائها نبضٌ يومي، وذاكرة تمشي على قدمين، وصوت أمٍّ تنادي أبناءها فلا يتأخرون.
من ذاق الغياب عنها يعرف أنّ الرجوع إليها استعادة للحياة.
وهنا تكمن الدهشة كلها بأنّ الإنسان قد يُحاصر، وقد يُؤجَّل، وقد يُختبر صبره حتى آخر حدّ، لكنه يظل قادرًا على اختيار جذوره.
ويظل قادرًا على أنْ يقول بثقة العائد من العتمة: إنّ الوطن ليس مكانًا نسكنه، فهو مكان يسكننا.
وعند تلك اللحظة التي يلتقي فيها القلب بأرضه يسقط كل تفسير آخر، ويبقى المشهد واضحًا كالحقيقة الأولى فمن يعرف بيته جيدًا لا تغريه المسافات، ولا تكسره الحدود، لأنّ الطريق إليه مهما طال يظل الطريق الأقصر إلى نفسه.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .