6:42 مساءً / 21 نوفمبر، 2019
آخر الاخبار

الربيع الأردني: حراك شعبي أم شغب ونهب؟ بقلم : د.أحمد أبو مطر

تصاعد الحراك الشعبي الأردني في الأسابيع الأخيرة، خاصة بعد قرار رئيس الوزراء الأردني الدكتور عبد الله النسور رفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة ليست في قدرة غالبية المواطنين الأردنيين، صاحبها بتصريحات استفزازية مدّعيا أنّه هو وحده من يقف وراء القرار وأنّه لن يتراجع عنه، وهو يقدّم نفسه بذلك وكأنّه رئيس الوزراء والوزراء معا مما لا يستدعي مشاورتهم وأخذ موافقتهم، وكأنّ البلد يخلو أيضا من مستشارين ومتخصصين يأخذ رأيهم خاصة في تأثير هذا القرار على حياة المواطن الأردني الذي يعاني أساسا من صعوبة الحياة بسبب انخفاض الرواتب والغلاء الذي طال كافة جوانب الحياة بشكل مباشر وغير مباشر. وتصريحه هذا كذلك فيه تعدّ على صلاحيات الملك الذي هو من يعين رئيس الوزراء ويقيله ويغيره بدليل ثلاثة رؤساء وزراء في أقل من سنة (معروف البخيت، عون الخصاونة، و النسور آخرهم حتى كتابة هذه المقالة)، وتصريحه يعني إن صدق أنّه لم يستشر العاهل الأردني في هذا القرار الذي سبق للملك أن ألغى العمل بقرار مماثل نتيجة الرفض الشعبي له. وقد تصاحب كل هذا مع تحليقه اليومي في شاشات التلفزيون والإعلام بمناسبة ودون مناسبة لدرجة أنّ صحافيين أردنيين معروفين ناشدوه بأن يخفف من ظهوره الإعلامي الذي أصبح مثيرا ولا جديد فيه ، خاصة بعد أن رصد كتاب أردنيون قائمة بمواقفه السابقة ومواقفه بعد رئاسة الوزارة النيقضة لها، وهذا ليس في صالحه عندما تنقلب المواقف إلى النقيض حسب الموقع الوظيفي، فمن غير المنطقي ولا المفهوم أن تكون نائبا في البرلمان ولك مواقف مقبولة، وفور أن توضع في موقع رئاسي تتغير مواقفك تلك إلى النقيض المرفوض شعبيا.

نعم…إنّه حراك شعبي بامتياز جماهيري

المتابع الموضوعي لحراك الشارع والجماهير الأردنية إن أراد أن يكون موضوعيا وغير متحيزلأية جهة سوى الشعب الأردني الذي بكفاءاته وخبرات شعبه بنى دولة حديثة رغم قلة الموارد والإمكانيات تفوق بنية العديد من الدول التي لديها مئات أضعاف الأردن من الموارد والثروات، يستطيع أن يقول بثقة وصدق: نعم..وألف نعم إنّه حراك شعبي صادق نابع من قلب وعقل جماهير ترفض الضيم والتهميش لغالبية الشعب الأردني من أجل ظهور قلة قليلة من الأثرياء الذين كانوا قبل تسلمهم المناصب التي أهلّتهم للسرقة والسطو لا يملكون فعلا إلا القمصان التي تستر أكتافهم، لدرجة أنّ الشعب الأردني من باب روح السخرية المرّة صار يشطب عن أي من أولئك اللصوص اسم عائلته أو عشيرته ويضع مكانها اسم الشركة أو السلعة التي من سرقاته ونهبه من خلالها صار مليونيرا، كأن يقولوا (فلان أودي)، (فلان فوسفات)، (فلان كازينو)، ولا أعرف من سيكون (فلان مازوت). لذلك فإنّ من يعتبر هذا الحراك الشعبي بأنّه مجرد تحركات شبيحة وعصابات للسرقة والنهب فهو فعلا أعمى البصر والبصيرة ولا يعرف معنى الانحياز للشعب الذي يطالب بحياة كريمة خالية من السطو والفساد، حياة تليق بصمود الشعب الأردني من كافة المنابت والأصول في وجه العديد من المؤامرات التي كان من الممكن أن تطيح بوجود هذا البلد من أساسه من عشرات السنين.

عقلانية الحركة الإسلامية في مطلب إصلاح النظام

أرى أنّ الحركة الإسلامية في الأردن ممثلة بحزبها الأكثر جماهيرية (حزب جبهة العمل الإسلامي) التابع تنظيميا لجماعة الإخوان المسلمين، هو الأكثر عقلانية في أطروحاته المطالبة علانية وبوضوح بدعم استمرار وجود النظام الملكي الهاشمي سقفا عاما يجمع كافة خيوط نسيج المجتمع الأردني، وفي الوقت نفسه يطالبون بإصلاح النظام رغم انفلات بعض الهتافات في التظاهرات الأخيرة هاتفة بسقوط النظام، فيعيد الإسلاميون في مواجهة هذا الفلتان التأكيد على مطلبهم بضرورة استمرارية النظام الملكي مع ضرورة وأهمية إصلاحه، وهذا الإصلاح كما يطرحونه يستدعي: قانون انتخابات جديد يقفز على قانون الصوت الواحد الذي يكاد أن يكون هناك إجماع على إلغائه، والاستمرار في فتح كافة ملفات الفساد بشفافية كاملة جريئة، والتدرج وصولا للملكية الدستورية.

هل يستطيع النظام القائم تحقيق هذه المطالب؟

أعتقد أن النظام نفسه أبدى عقلانية وهدوءا منقطع النظير مقارنة بجواره العربي، ولننظر فقط كيف تعاملت قوى الأمن الأردنية مع التظاهرات بما فيها التي هتفت بسقوط ورحيل النظام، لقد كان تعاملا هادئا وناعما قياسا بما يجري في أقطار عربية بين المتظاهرين والقوى الأمنية، حيث تحولت مظاهرات سلمية في مارس 2011 في الجارة سوريا إلى حرب مسلحة شاملة بسبب طريقة تعامل النظام مع المتظاهرين. وهذا لا يعني أن قوى الأمن الأردنية ملائكية، فقد حدثت تجاوزات وتعديات رصدتها مراكز حقوق الإنسان الأردنية بتفاصيلها بما فيها اعتقال واحتجاز شباب أحداث دون سن السادسة عشرة، ولكن المقصود هو المقارنة بين تعاملات قوى الأمن في الأقطار العربية. وضمن نفس هذا السياق يمكن التوقف عند مسألتين يمكن أن يعطيا دليلا على نسبة من نية النظام الملكي في الاستمرار الجدي في الإصلاح الذي لا يمكن أن ينهي تراكمات ثمانين عاما خلال أيام، هاتان المسألتان هما:
1 . الحكم الذي صدر على مدير المخابرات السابق محمد الذهبي بالسجن ثلاثة عشر عاما، ودفع ما لا يقل عن أربعين مليون دينارا في قضايا فساد وغسيل أموال، ومن يستمع لرغبات الشارع الأردني يدرك أن الشعب الأردني مرتاح لهذا الحكم ويأمل أن يكون بداية لفتح كافة ملفات الفساد، كما يأمل أن يكون الحكم جدّيا وتسترد الأموال المذكورة لخزينة الشعب الأردني وأن يمضي فترة السجن حقيقة في السجن كغيره من المتهمين وليس في فيلا على شاطىء العقبة كما أشيع عن تمضية مدير المخابرات الأسبق سميح البطيخي لسنوات سجنه.
2 . قرار العاهل الأردني بوقف القرارات الخاصة بتقاعد النواب التي أثارت غضب الشارع الأردني، وفي هذه المسألة تتوجه أصابع الفساد والمفسدين للنواب أنفسهم الذين يركضون وراء إصدار تشريعات تخدم مصالحهم وليس مصلحة الناخبين الذين انتخبوهم، وبالتالي كيف سيثق الشعب في هولاء النواب الذين لا يمثلون تطلعاته ورغباته، وهذا يشير إلى ضرورة تعديل قانون الانتخابات كي لا يصل لقبة البرلمان النائب على حساب أصوات العشيرة بل على حساب برنامج حزبه الانتخابي، وهذا هو المعمول به في غالبية الدول الديمقراطية. صحيح أن التعديل الذي حصل على قانون الانتخابات وتخصيص نسبة من عدد المجلس لتصويت خارج الصوت الواحد، خطوة على الطريق، يمكن أن تتدرج بهدوء وصولا لقانون انتخابي عام مفتوح كما هو معمول به في الدول الديمقراطية.

الملكية المطلقة أم الملكية الدستورية
المسألة لا تتعلق بالتسميات بقدر التطبيقات الميدانية، فالحركة الإسلامية تطالب علانية بالوصول للملكية الدستورية، حيث تكون كافة الصلاحيات ملك ورهن الإرادة الشعبية، خاصة أن يشكل الحكومة الحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان، وبالتالي يمضي فترته المنصوص عليها في الدستور، ثم يحكم الناخب على هذا الحزب فإما أن يعطيه ثقته من جديد أو يسحب منه هذه الثقة. وأنا أعتقد أن هذه الطريقة فيها إزاحة للثقل والهمّ عن كاهل الملك كي لا يتحمل كافة المسؤوليات خاصة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي في الأردن الذي يعاني من شحة الموارد والإمكانيات، مترافقا مع إهمال كل الدول العربية بما فيها الخليجية من التقدم لمساعدة الأردن للخروج أو الصمود أمام هذا المأزق الاقتصادي كما هبّت الدول الأوربية لمساعدة اليونان .وكم كان مؤلما مطالبة المستشفيات الخاصة الأردنية للحكومة الليبية بالسرعة في دفع مستحقاتها من علاج الليبيين التي بلغت قرابة 200 مليون دينار، لدرجة أنّ بعض المستشفيات مهددة بالتوقف عن العمل بسبب النقص في الميزانية، فكيف يمكن فهم هذا التردد الليبي من حكومة ليبية جاءت بعد خلع ديكتاتور عاث فسادا في البلاد والعباد، والمستشفيات الأردنية لا تطالب بمساعدات بل بمستحقاتها عن علاج ألاف الليبيين. وبالتالي:

لماذا لا نجرّب تسلم الإسلاميين هذه المهمة؟

لو شكّلت جماعة الإخوان المسلمين الحكومة الأردنية الجديدة، وكان رئيس الوزراء الأردني الجديد هو واحد من صقور الجماعة مثل السيد زكي بن ارشيد، فهل نوعية الشخص قادرة وحدها على إخراج الأردن من مأزقه الاقتصادي الحالي؟. لذلك يرى بعض الأخصائيين أنّه رغم قسوة قرار رفع سعر المشتقات النفطية وغبنه لغالبية المجتمع الأردني، إلا أنّه كان لا مفر منه في ظلّ وجود ما لا يقل عن مليون ونصف من الجاليات العربية خاصة العراقية والمصرية والسورية والليبية، وسيتم صرف نسبة من الدعم المالي لبعض فئات المجتمع الأردني. ولنكن صريحين حتى في حالة تشكيل الإسلاميين للحكومة ورئاستها، فإن تصفية كافة ملفات الفساد وإعادة ما يمكن لخزينة الدولة، وتخفيض النفقات الممكنة في كافة الدوائر والمؤسسات بما فيها الديوان الملكي، فإنّ هذه الخطوات ستساعد في تقليص العجز بنسبة بسيطة، و سيظل الوضع الاقتصادي الأردني أمام نفس المأزق الذي لا تحمد عقباه، إن لم تتدخل الدول الخليجية بدعم مالي سريع، والحكومة المصرية بإعادة تصدير الغاز إلى الأردن ليس دعما مجانيا ولكن تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين البلدين وجمّدها الجانب المصري. هذه هي أوجه الحراك الشعبي الأردني الذي هو حراك جماهيري عادل، خلفيته اقتصادية بحتة لأنّ الأردن في مختلف مجالات وتطبيقات الحياة اليومية بما فيها حرية التعبير يختلف تماما عن العديد من الدول العربية، وفقط يمكننا أن نسأل: كيف كانت ستكون ردود فعل الأجهزة الأمنية في دول عدّة على هتافات المتظاهرين برحيل وسقوط النظام؟. فهل يملك صاحب القرار الأردني الإرادة على السير قدما في خطوات الإصلاح المطلوبة، وتجريب من لم يجربّهم الشعب الأردني بعد في موقع رئاسة الحكومة وتسيير أمور البلاد؟.
www.drabumatar.com

شاهد أيضاً

النائب جهاد طمليه يؤكد أن الإنقسام الفلسطيني سبباً في الاستقواء الإسرائيلي الأمريكي داعياً لانهاء الخلافات

شفا – قال النائب بالمجلس التشريعي، جهاد طميله، إنّ “حالة الهوان والانقسام التي تُخيم على …