12:25 مساءً / 27 يناير، 2026
آخر الاخبار

أي فتح نريد في القرى والمناطق المهمشة؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

أي فتح نريد في القرى والمناطق المهمشة؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال السادس والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد” )


العدالة الجغرافية


مقدّمة

لم تكن حركة فتح في بداياتها حكرًا على المدن الكبرى أو المراكز السياسية، بل وُلدت من رحم القرى والمخيمات والأطراف، حيث المعاناة اليومية، وحيث التهميش والحرمان، وحيث تتشكّل الروح الوطنية الصلبة. ومن هذه البيئات خرج المناضلون الأوائل، وتكوّنت القاعدة الشعبية التي منحت فتح شرعيتها وامتدادها الجماهيري.

لكن التحولات السياسية والتنظيمية التي شهدتها الحركة خلال العقود الماضية، أفرزت واقعًا جديدًا يطرح سؤالًا جوهريًا: أي فتح نريد اليوم في القرى والمناطق المهمشة؟ وهل ما زالت العدالة الجغرافية جزءًا من الوعي التنظيمي، أم أصبحت هذه المناطق خارج دائرة الاهتمام الفعلي، تُزار في المواسم وتُذكر في الخطابات، دون حضور دائم أو تأثير حقيقي؟

أولًا: القرى والمناطق المهمشة في المشروع الوطني

تشكل القرى والمناطق المهمشة العمق الحقيقي للمجتمع الفلسطيني، وهي الأكثر تعرضًا لسياسات الاحتلال من مصادرة أراضٍ، واستيطان، وتضييق اقتصادي، وعزل جغرافي. كما أنها تعاني، في كثير من الأحيان، من ضعف الخدمات، وغياب فرص العمل، وتهميشها في السياسات التنموية.

في هذا السياق، لا يمكن لأي حركة وطنية أن تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني ما لم تكن حاضرة بقوة في هذه المناطق، مدافعة عن حقوقها، ومنخرطة في قضاياها اليومية. وفتح، بوصفها حركة جماهيرية، يفترض أن تكون في طليعة القوى التي تتبنى هموم القرى والأطراف، لا أن تتركها على هامش العمل التنظيمي.

ثانيًا: العدالة الجغرافية… المفهوم والدلالة

العدالة الجغرافية تعني التوزيع العادل للاهتمام، والموارد، والفرص، والحضور التنظيمي، بين مختلف المناطق، دون تمييز لصالح المدن الكبرى أو المراكز النافذة. وهي لا تقتصر على البعد الاقتصادي، بل تشمل:

• العدالة في التمثيل التنظيمي.
• العدالة في الخدمات والرعاية.
• العدالة في الاستثمار في الكوادر المحلية.
• العدالة في الحضور السياسي والإعلامي.

وعندما تغيب العدالة الجغرافية، تتعمّق الفجوات بين المركز والأطراف، ويترسخ الشعور بالإقصاء، ما يهدد وحدة التنظيم وتماسكه.

ثالثًا: فتح والقرى… من الجذور إلى التراجع

تاريخيًا، شكّلت القرى خزّانًا بشريًا وتنظيميًا لفتح، وأسهمت في رفد الحركة بالكفاءات والكوادر. لكن مع انتقال مركز الثقل السياسي والإداري إلى المدن، ومع تصاعد البيروقراطية التنظيمية، تراجع حضور فتح في كثير من القرى والمناطق الطرفية.

وتجلّى هذا التراجع في:

• ضعف الأطر التنظيمية المحلية.
• غياب البرامج المستدامة.
• محدودية التواصل بين القيادة والميدان القروي.
• اقتصار الحضور على المناسبات أو الأزمات.

هذا الواقع خلق فجوة بين الحركة وأبناء هذه المناطق، وأضعف الثقة بقدرتها على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم.

رابعًا: آثار غياب العدالة الجغرافية

إن إهمال القرى والمناطق المهمشة لا ينعكس فقط على سكانها، بل على الحركة ككل. فمن أبرز الآثار السلبية:

  1. تآكل القاعدة الشعبية في الأطراف.
  2. تعزيز الشعور بالتهميش والإقصاء داخل الصف التنظيمي.
  3. ضعف العمل الجماهيري في المناطق الأكثر احتياجًا للتنظيم.
  4. فتح المجال لقوى أخرى لملء الفراغ.

فالفراغ التنظيمي لا يبقى فارغًا، بل يُملأ بخطابات بديلة قد لا تخدم المشروع الوطني.

خامسًا: أي فتح نريد في القرى؟

فتح التي نريدها في القرى والمناطق المهمشة ليست فتح الشعارات، ولا فتح الزيارات البروتوكولية، بل فتح الحضور الدائم والشراكة الحقيقية. هي فتح التي:

• تعيش هموم الناس اليومية.
• تدافع عن الأرض والمياه وحق السكن والعمل.
• تُنظّم الطاقات المحلية بدل استهلاكها.
• تحترم خصوصية كل منطقة وسياقها الاجتماعي.

فتح القرى هي فتح القاعدة، لا فتح المركز فقط.

سادسًا: العدالة الجغرافية في التنظيم والتمثيل

من أبرز تجليات العدالة الجغرافية داخل فتح هو التمثيل العادل للقرى والمناطق المهمشة في الأطر التنظيمية. فحين تتركز القيادة والقرار في أيدي أبناء المدن، يشعر أبناء الأطراف بأنهم خارج المعادلة.

وتحقيق العدالة في هذا المجال يتطلب:

• تمكين الأقاليم والمناطق القروية تنظيميًا.
• ضمان تمثيلها في الهيئات القيادية.
• دعم الكوادر المحلية وتأهيلها.
• نقل القرار إلى الميدان، لا احتكاره في المركز.

سابعًا: فتح والتنمية المحلية

لا يمكن فصل العدالة الجغرافية عن البعد التنموي. ففتح، بوصفها حركة تقود مشروعًا وطنيًا، مطالبة بأن تكون شريكًا في دعم المبادرات التنموية في القرى، سواء عبر:

• دعم المشاريع الصغيرة.
• الدفاع عن حقوق المزارعين.
• تعزيز العمل التعاوني.
• المساهمة في حل القضايا الخدمية والاجتماعية.

العمل الوطني في القرى يبدأ من الأرض، ومن صمود الناس فيها، وليس فقط من الخطاب السياسي.

ثامنًا: الشباب في المناطق المهمشة

يمثّل الشباب في القرى والمناطق المهمشة طاقة كبيرة غالبًا ما تُهدر بسبب غياب الفرص وضعف الرعاية التنظيمية. وكثير منهم يشعر بأن الطريق إلى التأثير يمرّ عبر الهجرة إلى المدن، أو الانسحاب من العمل العام.

فتح التي نريدها هي فتح التي:

• تحتضن شباب القرى.
• تفتح أمامهم آفاق العمل والمبادرة.
• تمنحهم دورًا قياديًا محليًا.
• تحميهم من الإقصاء والتهميش.

فلا عدالة جغرافية دون عدالة جيلية.

تاسعًا: من المركزية إلى الشراكة

إن تحقيق العدالة الجغرافية يتطلب مراجعة جدية لثقافة المركزية المفرطة. ففتح لا يمكن أن تُدار بعقلية مركز واحد، بل بعقلية الشراكة والتكامل بين المركز والأطراف.

الشراكة تعني:

• الاستماع لصوت المناطق المهمشة.
• إشراكها في التخطيط وصنع القرار.
• احترام أولوياتها وخصوصياتها.

فتح التي تنجح في ذلك هي فتح التي تبقى حركة لكل الفلسطينيين، لا لفئة أو منطقة.

خاتمة
إن السؤال: أي فتح نريد في القرى والمناطق المهمشة؟ هو في جوهره سؤال عن العدالة والوحدة والهوية. فإما أن تكون فتح حركة حاضرة في كل الجغرافيا الفلسطينية، تعبّر عن هموم القرى كما تعبّر عن قضايا المدن، أو أن تتحوّل تدريجيًا إلى حركة مركزية تفقد عمقها الشعبي.

العدالة الجغرافية ليست شعارًا تنظيميًا، بل شرطًا لبقاء فتح حركة جماهيرية حيّة. وهي تبدأ بالاعتراف بالتقصير، وتستمر بإرادة الإصلاح، وتنتهي بفتحٍ عادلة في حضورها، منصفة في تمثيلها، ومتجذّرة في القرى والمناطق المهمشة كما كانت في بداياتها، وكما يجب أن تبقى.

شاهد أيضاً

حركة فتح المنطقة الوسطى إقليم وسط الخليل تنفذ زيارة إلى مديرية شرطة الخليل

حركة فتح المنطقة الوسطى إقليم وسط الخليل تنفذ زيارة إلى مديرية شرطة الخليل

شفا – ضمن سلسلة فعاليات المنطقة الوسطى والتي تضمن زيارات المؤسسات الحكومية ومقرات الأمن لآجهزة …