
الاحترام قبل الحب والصداقة ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس
ليس الاحترام قيمة مكمّلة للعلاقات الإنسانية، بل هو شرطها التأسيسي الأول. فلا تُبنى الصداقة دون احترام، ولا يأتي الحب صادقًا ومستقرًا إن لم يسبقه ويلازمه احترام متبادل. فالعلاقات التي تقوم على العاطفة وحدها، أو على المصلحة العابرة، تظل هشّة وقابلة للتآكل ما لم تُؤسَّس على الاعتراف بكرامة الآخر وحدوده وحقه في الاختلاف.
على المستوى الفردي، يُجسّد الاحترام الاعتراف بالإنسان كقيمة بذاته، لا كوسيلة أو امتداد لرغباتنا. الصداقة الحقيقية لا تقوم على التشابه المطلق، بل على قبول التباين دون تسفيه أو إلغاء. وحين يغيب الاحترام، تتحول الصداقة إلى علاقة استنزاف، ويغدو القرب عبئًا بدل أن يكون سندًا. أما الحب، فرغم قدرته على إشعال البدايات، فإنه لا يضمن الاستمرار. فالحب بلا احترام ينزلق سريعًا إلى التملك والهيمنة والابتزاز العاطفي، بينما يمنح الاحترام الحب بعده الإنساني والأخلاقي، ويصونه من التحوّل إلى قيد.
وفي المؤسسات، يتخذ الاحترام شكلًا عمليًا يتجسّد في سيادة القانون، والعدالة، والشفافية، وتكافؤ الفرص. مؤسسة لا تحترم كوادرها لا يمكن أن تطلب منهم الولاء أو الإبداع، وقد تفرض الانضباط بالقوة، لكنها لن تحصد الانتماء. وحين يغيب الاحترام المؤسسي، تسود ثقافة الخوف والنفاق، وتُهدر الطاقات، وتتحول المؤسسة إلى بنية إدارية جوفاء. أما حين يصبح الاحترام جزءًا من الثقافة التنظيمية، فإن الالتزام يتحول من واجب مفروض إلى سلوك طوعي، وتغدو القيم ممارسة يومية لا شعارات معلّقة.
وعلى مستوى الدول والعلاقات الدولية، يشكّل الاحترام حجر الأساس لأي نظام دولي مستقر. فلا سلام دائم يُبنى على الإملاءات أو ازدراء السيادة أو ازدواجية المعايير. قد تفرض موازين القوة وقائع مؤقتة، لكنها لا تُنتج علاقات متوازنة أو مستدامة. احترام القانون الدولي، وحقوق الشعوب، والمواثيق الأممية، ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة سياسية وأمنية. فسياسات الإهانة والتهميش لا تُنهي الصراعات، بل تؤجّلها وتضاعف كلفتها.
إن الاحترام، في جوهره، ليس مجاملة ولا ضعفًا، بل وعي بالحدود ومسؤولية أخلاقية وإدراك بأن القوة—مهما تعاظمت—لا تُغني عن القيم. الحب والصداقة والمصلحة قد تكون دوافع للعلاقة، لكن الاحترام هو الإطار الذي يحفظها من الانحراف، ويمنحها معنى الاستمرار.
خلاصة القول: قبل أن نطالب بالحب، أو نحتفي بالصداقة، أو نبني الشراكات، علينا أن نرسّخ الاحترام قاعدةً لا استثناء. فهو البداية الصحيحة، والضمانة الأصدق، والبوصلة التي تُبقي الإنسان—فردًا كان أو مؤسسة أو دولة—في موقعه الإنساني والتاريخي السليم.
د. عبد الرحيم جاموس
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .