
مهرجان الأرز العالمي.. «ليل الخيام» فيلمٌ يحاكي عتمة الألم الفلسطيني، بقلم : شريف الهركلي
من عتمة الخيام في مواصي خان يونس إلى أضواء مهرجان الأرز العالمي في مدينة إفران المغربية، حمل الفيلم الوثائقي الفلسطيني «ليل الخيام» حكاية الإنسان الفلسطيني ووجعه، محققًا جائزة أفضل إخراج، بإخراج سعود مهنا، رئيس ملتقى الفيلم الفلسطيني.
وعلى شاطئ بحر القرارة، في مقر جمعية الإنسان التنموية، عُرض الفيلم، الذي لا تتجاوز مدته تسع دقائق، وسط حضور من الشخصيات الاعتبارية والضيوف والنساء والأطفال، في أصبوحة امتزج فيها الفن بالذاكرة، والسينما بمعاناة النازحين.
لم تكن الأصبوحة مجرد عرض سينمائي، بل مساحة للاحتفاء بالسينما الفلسطينية التي تحبو على الرمال الصفراء، وتحاول الوصول إلى شاطئ المجد، رغم محدودية الإمكانات وثقل المأساة. فحين تضيق المساحات أمام الحكاية، تصبح الكاميرا نافذةً يطل منها العالم على حياة الفلسطينيين.
استُهلت الفعالية بتلاوة من القرآن الكريم والسلام الوطني الفلسطيني، وقدّمت فقراتها الفنانة ريماس خشان، التي حلّقت كالفراشة بصوتها الإعلامي الحاني.
وفي كلمته، رحّب الأستاذ إبراهيم خشان، رئيس جمعية الإنسان التنموية، بالحضور، مشيدًا بتكريم المخرجين الفلسطينيين وبالأفلام الوثائقية الثمانية التي تتناول الواقع الفلسطيني. وأكد أهمية صمود المواطن على أرضه، والحفاظ على حق الإنسان في البقاء والحياة، في ظل المخاوف من التهجير وتفاقم الأزمات، معربًا عن أمله ألّا تُرحَّل أزمات الحاضر إلى الأجيال القادمة.
وعلى أنغام الأغنية الفلسطينية «على اليادي اليادي بدي أغني لبلادي»، حضرت الهوية الوطنية بكل ما تحمله من حنين وانتماء. ودقّ أطفال فلسطين الأرض بأقدامهم الصغيرة في الدبكة الشعبية، كأن خطواتهم تقول إن الأرض لنا وتعرف أبناءها، وإن الطفولة، رغم الحرب، ما زالت تبحث عن الفرح.
«ليل الخيام»… حين يتحول الليل إلى كابوس
تحدث المخرج سعود مهنا، رئيس ملتقى الفيلم الفلسطيني، عن رحلة الفكرة من بذرتها الأولى إلى الصورة السينمائية، مؤكدًا أن الفيلم يستمد حكايته من الواقع الفلسطيني، وأن الفوز بالجائزة يمثل محطة مهمة للسينما الفلسطينية، خصوصًا في ظل محدودية الإمكانات المتاحة لصناعة الأفلام. وقد شاركت في تحكيم الفيلم لجان من فرنسا وإسبانيا والمغرب، ما أضفى على الفوز بُعدًا دوليًا، وعكس حضور الحكاية الفلسطينية في فضاء السينما العالمية. ووجّه مهنا الشكر إلى طاقم العمل الذي أسهم في إنجاز الفيلم.
تخفت الأضواء، وتغرق الشاشة في الظلام، لتبدأ الحكاية. ليلٌ ثقيل، وخيام متجاورة، وإنسان يفتش عن لحظة ضوء وسط الخوف والانتظار. تتداخل أصوات القصف الإسرائيلي مع وحشة المكان، وتطارد الذكريات النازحين، بينما يصبح النوم أمنية مؤجلة.
في «ليل الخيام»، لا يبدو الظلام مجرد غياب للضوء، بل حالة إنسانية تختصر القلق والفقد والضياع. وتنكشف مفارقة موجعة بين زمن كان فيه الأجداد يروون للأطفال قصص الأرض والانتماء في ليالي السمر، وواقع يحاول فيه الأب اليوم طمأنة أطفاله وحمايتهم من أصوات القصف.
انتقلت الحكايات من ليالي الأمان إلى نهارات الخوف، وتحولت الخيمة من مأوى مؤقت إلى مساحة تختبر قدرة الإنسان على الاحتمال. وهنا تتجلى قيمة الصورة السينمائية؛ أن تجعل المشاهد يرى ما وراء القماش، ويصغي إلى ما لا تستطيع الكلمات وحدها قوله.
من الخيمة إلى الشاشة… أحلام تستحق الحياة
شهدت الأصبوحة تكريم المخرج سعود مهنا وطاقم الفيلم، ومن بينهم المصور والمونتير محمد خشان، والفنانة ريماس خشان، والفنان يوسف الأسطل، والأستاذ إياد عصفور، والفنانان إياد دندن وأحمد جمعة. كما أضفت فرقة الدبكة الشعبية التابعة للجمعية أجواءً تراثية أعادت إلى المكان نبض الأرض والهوية، وخطفت قلوب الحاضرين.
ومن وحي هذه التجربة، أطرح مقترحًا شخصيًا بتنظيم دورات تدريبية في فن التمثيل والأداء المسرحي والسينمائي، بالتعاون مع المخرج سعود مهنا رئيس ملتقى الفيلم الفلسطيني، وباستضافة جمعية الإنسان التنموية، لإتاحة الفرصة أمام الأطفال والشباب لاكتشاف مواهبهم وصقل قدراتهم، وتحويل حكاياتهم من ذاكرة الألم إلى أعمال فنية تحفظ الهوية وتمنحهم مساحة للتعبير عن أحلامهم.
إن دعم المواهب الشابة ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمار في الذاكرة والهوية، وفي قدرة الفن على صناعة الأمل وسط ركام الحرب.
«ليل الخيام» ليس حكاية عن الظلام وحده، بل عن شعب يحاول أن يحرس ما تبقى من أحلامه تحت سقف القماش؛ وحين تعجز الخيام عن حماية ساكنيها من الخوف، تتولى الكاميرا حماية حكاياتهم من النسيان.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.