
شفا – حوار مع الشاعرة والكاتبة أمل محمود الرازق
حوار :عطا درغام
تتداخل نبضات الشجن مع صلابة الواقع في تجربة الأديبة والشاعرة أمل محمود الرازق، مدير مجلة «بنت النيل» و«بنت مصر» و«نانيس»، والمنسق العام لرابطة الزجالين في الإسكندرية، وعضوة منظمة اليونيسف العالمية. في هذا الحوار الممتد، تفتح قلبها متحدثةً عن مملكة العامية، وأسرار نجاح مؤلفاتها، وقضايا المرأة والذكاء العاطفي، لتأخذنا في رحلة بين بوح الشعر وصرامة الوعي.
المحور الأول: الهوية الشعرية ومملكة العامية
لكل مبدع شرارة أولى؛ كيف اكتشفتِ أن العامية المصرية هي وسيلتك الأقرب لترجمة مشاعرك وصياغة قصائدك؟
العامية المصرية هي بيتي الأول. اكتشفتها ليس باختياري، بل بدمعي. أول مرة انكسر قلبي وشعرت بالوجع بجد، رحت أدور على كلمة فصحى توصف ما يجول في خاطري فلم أجدها؛ كانت الكلمات كبيرة ورسمية، ولكنها باردة. وحين قلت “تعبانة” بدل “متعبة”، و”موجوعة” بدل “متألمة”، شعرت بأن الكلمة نزلت على الجرح مباشرة. العامية هي التي تعرف كيف تبكي معي؛ الفصحى توصف الحزن، ولكن العامية تعيشه. تقول الفصحى “الفراق مؤلم”، بينما تقول العامية “سابني ومشي وقلبي اتقسم نصين”، فمن منا لم يقل هذه الجملة وقلبه يتقطع؟ أنا شاعرة الناس العادية؛ شاعرة الست التي تجلس في المطبخ ودموعها تنزل، وشاعرة الشاب الجالس على القهوة ولا يجد من يفهمه. هؤلاء لن يقراوا “انتحرت الأشواق في كياني”، بل سيفهمون “قلبي مات من الزعل”. الشرارة الأولى كانت حين كتبت قصيدة بالفصحى عن “الرحيل” فقال الناس عنها “الله جميلة”، ولما كتبت ذات الوجع بالعامية: “جاي ليه تقول ندمان”، بكى الناس وأرسلوا لي قائلين “هذه أنا”. وحينها فهمت أن الفصحى للعقل، وأن العامية للقلب، وأنا أكتب من القلب. هذا لا يعني أنني ضد الفصحى؛ بالعكس، أنا أكتب بها مثل قصيدة “رحيل”، ولكن عندما أريد أن أوجع أو أطبطب، أرجع إلى أمي: العامية المصرية.
س: يُقال إن شعر العامية يخترق القلوب بلا استئذان؛ ما الخلطة السحرية التي تعتمدين عليها ليلامس شعرك وجدان القارئ البسيط والمثقف معاً؟
يقولون إن شعر العامية يخترق القلوب بلا استئذان، وأنا أقول إنه يدخل من الباب الذي كلنا تاركوه مفتوحاً، وهو باب الصدق. والخلطة تتكون من ثلاثة عناصر لا رابع لها:
الوجع الحقيقي غير المصطنع: أنا لا أكتب لأجل صناعة الشعر، بل أكتب لأنني لو لم أكتب لتخنقت. حين أقول “جاي تسرق سنين عمري وتجري”، فهذه ليست مجرد قافية، بل كانت ليلة كاملة من البكاء. الناس تحس بالفرق بين من يوجعه الأمر بجد، ومن يمثل.
اللغة الموزونة بين السهل الممتنع والعمق: أكلم البسيط بلغته قائلة “توعد دي وتحب دي”، وأكلم المثقف بصورته قائلة “زرعت بذور الفراق وتقمصت حروف الخداع”؛ ليفهم القارئ البسيط المعنى من أول مرة ويبكي، ويجد المثقف صورة وطبقة أخرى يفكر فيها. لا أستسهل ولا أتعمد التعقيد، بل أزن الأمور بميزان دقيق.
الإيقاع الذي يشبه دقات القلب: كالبحر الكامل في الفصحى، والموال في العامي. الإيقاع عندي ليس زينة، بل هو النفس. وعندما تقرأ “امشي بعيد… سيبني أعيش”، ستجد نفسك تلقائياً تتنفس معي، فالكلمة تسكن في الجسم قبل العقل.
الخلاصة: لا يوجد سحر، بل هي معادلة (صدق + صورة + إيقاع = وجدان). أنا لا أكتب للناس، بل أكتب عن الناس؛ عن البنت التي اتخذلت، وعن الولد الذي اتضحك عليه، وعن كل من حس بأنه “صغير على الحب”. وحين يجد الإنسان من يقول ما عجز عن التعبير عنه، ينفتح قلبه بلا استئذان فعلاً.
س: تواجه قصيدة النثر العامية أحياناً انتقادات من حراس القوالب التقليدية؛ كيف ترين مكانة هذا اللون الشعري في المشهد الثقافي اليوم؟
أولاً، الانتقادات طبيعية جداً؛ فكل جديد لابد أن يتخبط في باب حراس القوالب. قديماً قالوا عن الشعر الحر “ليس شعراً”، وبعدها قالوا عن التفعيلة “تمرد”، واليوم جاء الدور على قصيدة النثر العامية. ولكن اسأل نفسك: من الذي يقرأ ومن الذي ينتقد؟ المنتقد جالس في المكتبة، والذي يقرأ جالس في المترو والقهوة وفاتح هاتفه الساعة الثانية ليلاً وقلبه موجوع. وثانياً، مكانة قصيدة النثر اليوم تكمن في أنها صوت الشارع؛ فالفصحى فخورة وتاريخ ومجد، وأنا أحبها وأكتب بها مثل قصيدة “رحيل”، ولكن العامية هي التي تقول “أنا تعبان” بدل “أعاني”، وهي التي تترجم الوجع اليومي من غلاء وخذلان وسوشيال ميديا وعلاقات سريعة، وبدونها سيصبح المشهد الثقافي منقوصاً. كما أنها أصبحت الجسر بين المثقف الذي ضجر من التعقيد، وبين القارئ البسيط الذي يطمح أن يجد نفسه في كتاب. ألم تغنِ أم كلثوم “أنت عمري” بالعامية؟ وهل قال أحد عن ذلك إنه ليس فناً؟ بالعكس، تلك الأغنية وصلت إلى العالم أجمع. نحن لا نكسر القالب من أجل الكسر، بل نوسعه لكي يحتضن بشراً أكثر؛ فقط قصيدة النثر العامية أتاحت الفرصة لشباب كثيرين ما كانت أصواتهم لتُسمع لو بقينا محبوسين في قالب “قفا ونقفا”. الخلاصة؛ مكانتها في المنتصف، فلا هي بديل للفصحى ولا الفصحى بديل لها، بل هما كالعود والجيتار، الاثنان موسيقى. ومن يهاجمها اليوم سيقتبس منها منشوراً غداً؛ لأن الذي يكسب في النهاية هو من يصل إلى القلب. ومستقبلها واعد وكبير، لأن الناس جياع لكلام يشبههم لا كلام أسمى منهم.
س: في قصائدك المتداولة لمسنا مزيجاً بين الشجن والقوة؛ كيف توازنين في كتاباتك بين إظهار ضعف المشاعر الإنسانية وبين التمسك بصلابة الكبرياء؟
أنا لا أكتب كإنسانة ضعيفة أو قوية، بل أكتب كإنسانة فحسب. الضعف ليس عيباً، والكبرياء ليس قسوة. أبدأ بالشجن لكي أكون صادقة؛ فلابد أن أقول “وجعتني” و”دمعت” و”قلبي اتكسر”، ولو أنكرت الضعف لكنت أكذب وسيُدرك القارئ أنني أُمثل. الشجن هو اعتراف صريح: “أيوه اتأذيت.. وأيوه حبيت بجد”، وهي لحظة الانهيار التي نمر بها جميعاً. وأختم بالكبرياء لكي أكون حقيقية؛ فلا أستطيع التوقف عند البكاء، فبعد “اتوجعت” لابد أن أقول “لكنني لن أموت”، وبعد “سابني” لابد أن أقول “سأقوم وأكمل”. الكبرياء عندي ليس إنكاراً للوجع، بل هو: “اتوجعت واتعلمت وهكمل واقفة”. وكما قلت في قصيدة “رحيل”:
«سَأَمضي وحدي.. أحمل قلبي المكسور
وأزرع في طريقي ورداً لا يذبل»
ألا ترى؟ في السطر ذاته يوجد وجع “قلبي المكسور” إلى جوار قوة “هزرع ورد”. خلطتي هي: 70% شجن + 30% كبرياء = دواء. لو جعلتها كلها شجن لصارت نكداً وملّ الناس، ولو جعلتها كلها كبرياء لصارت نشيداً وطنياً ولما صدقها أحد. أنا أعطي الناس حقهم في البكاء أولاً، ثم أمد لهم يدي لكي يقوموا. الخلاصة؛ الضعف هو ما يجعلنا بشراً، والكبرياء هو ما يجعلنا نكمل كبشر، وأنا أكتب لأجل الاثنين معا.
س: لو طلبنا منكِ اختيار بيت شعري واحد من كتاباتك تلخصين فيه نظرتك للحياة والحب، ماذا سيكون؟
لو اخترت بيتاً واحداً من كتاباتي ليلخص نظرتي للحياة والحب، فسيكون من قصيدة “رحيل”:
«سَأَمضي وحدي.. أحمل قلبي المكسور
وأزرع في طريقي ورداً لا يذبل»
وعن الحياة أقول: الحياة ليست ورداً دائماً، فأحياناً نمشي حاملين قلوباً مكسورة، ولكن الكبرياء يكمن في أننا بدل أن نتوقف لنبكي على الكسر، نقوم بالزرع؛ فحتى لو كنت موجوعة، لابد أن أترك أثراً حسناً ورائي، ومعنى “ورداً لا يذبل” هو الأمل حتى في عز الوجع. وأما عن الحب: فالحub الحقيقي ليس هو الذي ينقذك، بل هو الذي يمنحك القدرة على الوقوف وحدك بعد رحيل الطرف الآخر؛ فلا أستنتظر أحداً ليطبطب علي، بل أنا من سأطبطب على نفسي وأزرع لها. الخلاصة؛ نظرتي للحياة والحب تقوم على وجع بكرامة مع أمل بإرادة: نقع، فنبكي، ثم نقوم لنزرع. هذا هو أنا، وهذه هي أمل.
المحور الثاني: “علشان السنارة تغمز” والمؤلفات النثرية
س: كتابك “علشان السنارة تغمز” حقق انتشاراً واسعاً؛ من أين جاءت فكرة هذا العنوان الجريء والمبتكر؟
السخرية هي سلاحي السري؛ فالكوميديا السوداء هي حقنة التوعية والناس قد ضجرت من المحاضرات. لو خرجت وقلت للفتيات: “احذري العلاقات السامة وكوني واعية بحدودك النفسية”، فلن يسمعني سوى عشرة وينام تسعة. ولكن حين أقول: “توعد دي وتحب دي وتسرق سنين عمري وتجري؟” فهذه ستنتشر مليون مرة، وستوجع، وستصل للمطلوب. ولماذا السخرية هي أسرع طريق؟ لأنها أولاً تكسر الدفاعات؛ فحين توجه أحدهم بشكل مباشر فإنه يتقوقع ويقول “أنت تنظر عليّ”، بينما حين تضحكه أولاً يفتح قلبه، وبعد الضحكة يكتشف مصدوماً: “هذه أنا!”. ولأنها ثانياً تجعل الوجع يتبلع؛ فالعلاقات والخذلان موضوعات ثقيلة، ولو قدمتها بجدية تامة لهرب الناس، فالسخرية تشبه ملعقة العسل التي نضع فيها الدواء، تضحك وبعد خمس دقائق تفكر: “هل أنا أفعلاً أفعل ذلك؟”. ولأنها ثالثاً تجعل الرسالة تعيش؛ فالنصيحة الجادة تُنسى، بينما النكتة السوداء تُحفظ، وعبارة “امشي بعيد سيبني أعيش” أسهل في التذكر من “يجب وضع مسافة صحية”. ولكن بشرطين: الأول أن تكون من القلب لا من باب الشماتة، فأنا أسخر لأني أحب وأقول “فوقي” لا لأجل الشماتة. والثاني أن أترك أملاً بعد الضحك، فلا يجوز أن أترك القارئة غارقة في السواد، بل لابد أن أقول لها “ستقومين وستزرعين ورداً”. الخلاصة؛ الكوميديا السوداء هي أسرع حقنة توعية، تدخل بلا استئذان وتترك أثراً وتجعلك تقاومين وتضحكين ودموعك في عيناك.
س: الكتاب موجه بشكل خاص للفتيات؛ ما هي أهم “قاعدة ذهبية” في العلاقات تمنيتِ لو أن كل فتاة استوعبتها قبل الدخول في تجربة عاطفية؟
القاعدة الذهبية هي: لا تعطي أحداً مفاتيحك كلها. اسمعي مني، القاعدة تقول: حبي بكل قلبك، ولكن اجعلي لنفسك بيتاً ترجعين إليه. ومعنى ذلك ألا تجعلي سعادتك معلقة بيده هو، فلو ضحك تضحكي، وإن زعل تتأثري، ولو اختفى تظلم الدنيا في عيناك؛ كلا، بل اجعلي لك عملك وأصدقاءك وضحكتك وحلمك، فالشريك هو إضافة وليس مصدراً أساسياً للحياة. ولا تبرري وجعك باسمه حين تقولين “أصله مضغوط” أو “أصله لا يعبر” أو “أصله اتغير عشاني”، كلا يا بنيتي، فالذي يحبك سيتعب لكي يطمئنك. وليكن كبرياءك فوق أي اعتبار، فلو قلل منك مرة فامشي، ولو خيرك بينه وبين كرامتك فاختاري كرامتك؛ لأن من يكسر كرامتك اليوم سيكسر قلبك غداً. ولماذا هذه أهم قاعدة؟ لأن 90% من وجع البنات ليس بسبب الحب، بل من تسليمهن أنفسهن تسليم أهالي لمن لا يستحق، ونسيانهن لأنفسهن حتى غدت “أنا” “نحنا”، فلما انتهت “نحنا” لم تجد الفتاة “أنا” ترجع إليها. وخلاصة الكتاب هي: حبيه ولكن لا تلغي نفسك من أجله؛ لأن من يستاهلك سيحبك وأنت كاملة لا لأنك ناقصة. تعلمي من خطئي قبل أن تقعي فيه؛ فالوجع بالكلام أهون بكثير من الوجع بالحقيقة.
س: يرى بعض النقاد أن كتب النصائح الزوجية تقدم أحياناً “وصفات جاهزة” قد لا تناسب الجميع؛ كيف تعاملتِ مع التنوع والاختلاف البشري في كتابك؟
أنا متفقة مع النقاد في نقطة واحدة؛ فمن يخبرك بأن تفعل كذا وكذا ليعود زوجك ليحبك فهو يخادعك، ولذلك لم أتعامل مع كتابي على أنه كتالوج. وكيف تعاملت مع الاختلاف البشري؟ أولاً استبدلت الوصفات بالأسئلة؛ فبدل أن أقول “حين يزعلك افعلي كذا”، صرت أقول “اسألي نفسك: هل هذا وجع يستاهل أم كبرياء؟”، وبدل أن أفرض عليك الطريق أعطيتك البوصلة لتختاري أنت بحسب ظروفك وبيتك. وثانياً تحدثت من منطلق الوجع لا من منطلق المثاليات؛ فأنا لست دكتورة علاقات، بل فتاة اتوجعت واتعلمت، ولهذا أقول “أنا حين خدعت عملت كذا وندمت، وحين سكت خسرت، وحين تكلمت باهتمام كسبت”، وأترك لك حرية اختيار ما يناسب موقفك. وثالثاً وضعت ثلاثة خطوط حمراء للجميع وتركْت الباقي للتفاصيل؛ فالكرامة والأمان والاحترام خطوط حمراء، وما عدا ذلك من طباع كالبرود أو العصبية أو حب السفر فهو قابل للتفاهم. الكتاب لا يغير الطباع، بل يحمي الروح.
س: بين دفتي هذا الكتاب، هل نجد أمل محمود “الشاعرة الرومانسية” أم “الأخصائية الواقعية الصارمة”؟ ومن منهما غلب على قلمك أثناء الكتابة؟
إنه لسؤال صعب وذكي. الإجابة بصراحة: ستجد الاثنين، ولكن “الأديبة الواقعية” هي التي كانت تمسك القلم. “أمل الشاعرة” موجودة في المقدمات وفي الأمثلة وفي كل بيت شعر وضعته بين الفصول، وهي التي تقول لك “أنا حاسة بيكي” و”عيطي براحتك”، وهي التي تكتب لك “سأمضي وحدي…”. أما “أمل الأديبة الواقعية الصارمة” فموجودة في صلب الكتاب، في النصائح والقواعد وحرف “لا”، وهي التي تقول لك “كفاية دلع” و”قومي اقفلي الباب ده” و”كرامتك أهم”. ومن غلب؟ لقد غلبت الأديبة الواقعية الصارمة؛ لأن الكتاب كتاب نصائح وليس ديوان شعر، ولو تركت الشاعرة وحدها لأخرجت كتاب “ابكي واتوجعي وكملي”، وهدفي لم يكن أن أجعلك تعيشين داخل القصيدة، بل أن أخرجك منها. استخدمت الشاعرة كطعم أجلبك به عبر الوجع والكلام الجميل، ثم تتولى الأديبة إعطاءك الخطة. معادتي هي: 30% رومانسية لتصدقيني + 70% واقعية صارمة لأُنقذك. وخلاصة الأمر: ستجدين بين الدفتين حضناً وقلم تصحيح أحمر، ستجدين من تبكي معك ومن تمسك يدك وتقول لك “قومي معنا”.
المحور الثالث: قضايا المرأة والذكاء العاطفي
س: ترديد عبارات مثل “حبي نفسك أولاً” يملأ كتاباتك؛ في رأيك لماذا تجد الكثير من النساء صعوبة في تطبيق مفهوم “تقدير الذات” عملياً؟
أنا أعلم أنني أزهق الناس من ترديد عبارة “حبي نفسك أولاً”، ولكن لأنه الدواء المر الذي يرفض الجميع ابتلاعه. وصعوبة تطبيق تقدير الذات تعود لكونه حرباً نخوضها كل يوم وليس لمجرد منشور نشقره. ومن الأسباب التي تجعل البنات تقع في هذا الفخ: أولاً التربية التي نشأنا عليها والقاضية بأن “الآخر قبل أنا”، كأن يُقال لنا “اسكتي علشان أخوكي” و”تعالي على نفسي علشان المركب تمشي”، فكبرنا ونحن نؤمن بأن الأنوثة تعني التضحية، وحين أطالبك بحب نفسك تحسين بأنك أصبحت أنانية، وهذا غير صحيح. وثانياً الخوف من الوحدة الذي يبدو مرعباً أكثر من الوجع؛ فكثير من الفتيات تعلم أن العلاقة تؤذيها ولكنها تقول “أهون من أن أظل وحدي”، فتختار نصف رجل على لا شيء، وتقدير الذات هنا يعني أن تنسحب وتقعد مع نفسها قليلاً، وهذه الفكرة تخيف أكثر من الخيانة نفسها. وثالثاً الخلط بين تقدير الذات والغرور؛ إذ يظن البعض أن من تحب نفسها مغرورة ولا تحتاج أحداً، والصواب أن تقدير الذات يعني: “أنا كاملة، ولو أدخلت أحداً حياتي فسيكون إضافة لا إنقاذ، وأحبه من مكان قوة لا من مكان احتياط”. وما هو الحل العملي؟ قاعدتي الذهبية هي “اختبار الـ 51%”؛ فقبل أي قرار اسألي نفسك: “هل هذا الأمر سيزيدني 51% أم سينقصني 51%؟”، فلو كانت العلاقة تستنزف طاقتك ونومك وشغفك وضحكتك أكثر مما تعطيك، فهذه ليست حباً بل استنزافاً. الصعوبة إذن ليست في المفهوم، بل في شجاعة اختيار النفس حتى لو غضب الآخرون، وشجاعة قول “لا”، وشجاعة قضاء أسبوع مع وجع الوحدة لكي لا تعيشي في وجع علاقة لسنوات. “حبي نفسك أولاً” لا تعني ألا تحبي أحداً، بل تعني أن تكوني أنت الكوباية المليانة التي تمنح من فائضها لا التي تنتظر من يملؤها.
س: السوشيال ميديا شوهت الكثير من مفاهيم العلاقات ورفعت سقف التوقعات الخيالية؛ كيف تساهم مؤلفاتك في إعادة الشباب والفتيات إلى أرض الواقع؟
لقد أفسدت وسائل التواصل الاجتماعي عقولنا جميعاً؛ فمن صور “حبيبي جاب لي ورد كل يوم” و”سافرنا دبي مفاجأة” إلى “يصحيني ليقولي صباح الخير يا ملكة”، لنعود فنصطدم بواقع يقول “نسي عيد ميلادي بسبب الشغل”. وكيف نُرجعكم إلى الأرض؟ مؤلفاتي ليست ضد الرومانسية، بل ضد الوهم. وأفعل ذلك بثلاث طرق: الأولى أن أبدل الريلز بالواقع؛ فالسوشيال تبيعك عشر ثوانٍ جميلة بينما أنا أريك الأربع والعشرين ساعة المتبقية، فلا أقول لك “لو بيحبك هيعمل المستحيل”، بل أقول “لو بيحبك سيحترمك وهو تعبان، وسيعتذر وهو غلطان، وسيختارك وهو مضغوط”، وهذه هي الروماسية الحقيقية لا بالونات الهيليوم. والثانية أن أرفع سقف الوعي لا سقف التوقعات؛ فبدل أن تنتظري فارس الأحلام الطائر، أُعلمك كيف تكونين ملكة وتختارين فارس الإنسان، وأوضح لك الفرق بين الاهتمام والتعلق وبين الغيرة والتحكم لتعرفي كيف تهربي قبل أن تغرقي. والثالثة أن أقدم إسعافات أولية للصدمة؛ فحين تنهار البنت لاصطدامها بأن الواقع ليس كتيك توك، أكون حاضرة لأقول لها “طبيعي أن تتوجعي، وطبيعي أن تحسي بأنك أقل، ولكن قومي”، وأمنحها لغة تتحدث بها عن وجعها بلا تجريح، وقاعدة تمشي عليها: “حبيه ولكن لا تلغي نفسك من أجله”. هدفي ليس قتل الحلم، بل منحك خوذة لكي لا تتكسر دماغك حين يقع الحلم.
س: من خلال رصدك لواقع العلاقات؛ ما هو السبب الخفي والأبرز وراء فجوة عدم الفهم المتبادل بين الرجل والمرأة في مجتمعنا اليوم؟
هذا هو لب الموضوع؛ فبعد قراءة آلاف رسائل البنات والشباب، تبين أن السبب الخفي والأبرز هو أننا نتحدث لغتين مختلفتين ونظن أننا نتكلم لغة واحدة، وهي فجوة لغة الاحتياج. فالمراة تتحدث لغة عاطفية احتياجها الأساسي فيها هو الأمان والتقدير والاحتواء؛ وحين تقول “أنت لست متفرغاً لي” تقصد “طمني أنني مهمة عندك”، وحين تبكي تقصد “احضني وقل لي ستعدي الأمور” لا أن تحلل لي المشكلة. بينما الرجل يتحدث لغة حلول واحتياجه الأساسي هو الاحترام والتقدير والمساحة؛ وحين تقول “اتركوني لوحدي” يقصد “دعوني أجد حلاً لأرجع إليكم قوياً”، وحين يصمت يقصد “أنا أفكر في حل” لا “أنني طنشتك”. وماذا يحدث إذن؟ كارثة؛ هي تبكي وتطلب حضناً وهو يقدم حلولاً فتحس بأنه بارد، وهو يصمت ويفكر وهي تحس بأنه لا يبالي. وكل واحد منهما يقول “بحبك” بلغته بينما الآخر لا يفهمها. والسوشيال ميديا زادت الطين بلة؛ فجعلت البنت تنتظر الريلز الرومانسي، وجعلت الولد يظن أن الرجولة تعني ألا يبكي ولا يتكلم، فتاه الاثنان أكثر. والحل يكمن في قاعدة: ترجم قبل أن تحكم؛ فاسألي نفسك قبل أن تظني أنه لا يحبك: “كيف يعبر هو؟”، واسأل نفسك قبل أن تقول إنها نكدية: “ماذا تحتاج مني الآن؟ حضناً أم حلاً؟”. الاختلاف طبيعة وليس عيباً، ولو فهمنا ذلك لاختفت 90% من المشكلات.
س هل تؤمنين بوجود “أدب نسوي” خالص، أم أن الأدب الإنساني لا ينبغي تصنيفه بناءً على جنس الكاتب؟
هو سؤال فلسفي؛ فليس هناك أدب نسوي خالص، وفي الوقت نفسه يوجد أدب نسوي خالص. فأنا ضد التصنيف واعتبار الأدب إنسانياً بحتاً؛ لأن الوجع واحد والحب واحد والخذلان واحد، وعبارة “قلبي اتكسر” لا تُكتب بكروموسوم نسائي، وقد كتب نزار قباني للمرأة أروع ما يكون، وكتب جبران عن الحب كأنه امرأة، فلا يمكن حجز الأدب في غرفة البنات فقط، ولو صنفناه نسوياً سنخسر نصف القراء من الرجال وسنخسر فكرة أن الوجع إنساني مشترك. وفي نفس الوقت أنا مع التصنيف لوجود صوت نسوي لا يمكن أن يكتبه سوى امرأة؛ فهناك تجارب لا يعرف رجل أن يكتبها مثلي، كتجربة الحمل والخوف من كلمة “عانس” ونظرة المجتمع للمطلقة، والمعركة اليومية بين “أن أكون أمّاً” أو “أن أكون أنا”، وهذه تفاصيل دم ولحم تُسمى “ذاكرة جسد”، وهنا يبرز الأدب النسوي لا لنعزل أنفسنا، بل لنقول: “انظر.. هذه زاوية أنت لا تراها”. وموقفي إذن هو أنني مع “أدب إنساني بصوت نسوي”؛ أي أكتب عن الإنسان وعن الخوف والضعف والقوة، ولكن من عيوني وتجربتي ورحمتي وغضبي الخاص. الجنس يحدد المنظور لا القيمة، ونحن بحاجة لكل المناظير لنرى الصورة كاملة.
س: دافعتِ بقوة عن الاستقلالية العاطفية للمرأة؛ كيف تفرقين بين الاستقلالية النفسية الصحية وبين الانعزال أو النفور من فكرة المشاركة الزوجية؟
ج: الكثيرون يتخبطون هنا ويظنون أنني أدعو للوحدة، بينما أنا عكس ذلك تماماً. والفرق يكمن بين “أنا كاملة” و”أنا مقفلة”. فالاستقلالية النفسية الصحية تعني أنني كوباية مليانة؛ وعلاماتها أنني أحبك ولكن لا أستعيش بك، وجودك يحلي حياتي لكن غيابك لا يقتلني، ولدي رأي وحياة وأصدقاء وأنا لا ألغي نفسي من أجل العلاقة، بل أدخلها وأنا “أنا” كاملة، وأعرف كيف أقول “لا” وكيف أضع حدوداً من غير خوف من رحيل الطرف الآخر، وأشارك بمزاجي لا غصباً عني لأجل أن يخدمني أحد، والهدف هنا هو الشراكة بين اثنين واقفين جنباً إلى جنب. أما الانعزال والنفور فيعني أنني أغلقت الباب وكسرت المفتاح، وهذه جرح وليست قوة، وعلاماتها الخوف من التعلق والهرب قبل اقتراب أحد والظن بأن “كل الرجال مثل بعض”، واعتبار الاحتياج ضعفاً مع جلد النفس عند طلب حضن أو كلمة حلوة، ورؤية المشاركة استسلاماً وخوفاً من الضياع، مع استفزاز الطرف الآخر بالقول “أنا لا أحتار منك شيئاً” بعصبية لا بهدوء، والهدف هنا هو الحماية المطلقة بالوقوف وحدي لكي لا يؤذيني أحد مجدداً. والفرق يتلخص في جملة: المستقلة تقول “تعال نمشي سوا، ولكن لو وقعت سأقوم وحدي”، والمنعزلة تقول “أنا سأمشي وحدي لكي لا يشمت بي أحد لو وقعت”.
الخلاصة من قصائدي:
أنا لست ضد الزواج ولا المشاركة، بل ضد أن تبيعي نفسك من أجل المشاركة، وضد أن تبيعي المشاركة لكي تحمي نفسك. الاستقلالية الصحية تجلب لك شريكاً، والانعزال يجلب لك وحدة. كوني قوية ورقيقة في آن واحد؛ قوية لكي لا يكسرك أحد، ورقيقة لكي تسمحي لأحدهم أن يحبك. وياااه.. لقد كسبت “الشاعرة”؛ وعرفتِ لماذا؟ لأن الشاعرة هي التي تصل أولاً، وقبل أن تقدم الأديبة النصيحة تطبطب الشاعرة وتقول “أنا حاسة بيكي”. وقولي:
«سأمضي وحدي.. أحمل قلبي المكسور وأزرع في طريقي ورداً»
هذا السطر أنقذ بنات كثيرة قبل أي قاعدة ذهبية. ليس كل من رحل يعد خسارة، فهناك ناس رحيلهم هو المكسب الحقيقي، وهناك قلوب لو ظللت تحملها لانكسر ظهرك؛ كوني خفيفة يا بنيتي فالدنيا أهون من ذلك، خذي وردك وامضي.
س: القارئ اليوم أصبح يبحث عن الكاتب التفاعلي؛ كيف غيرت منصات التواصل الاجتماعي من شكل علاقتك بجمهورك وقرائك؟
القارئ لم يعد يريد كتاباً مقفولاً، بل صار يطلب صاحباً يرد عليه في الدردشة. لقد غيرت منصات التواصل علاقتي بكم 180 درجة؛ فتحولنا من كاتبة على الرف إلى بنت في الجروب بعد أن كان الكتاب ينزل لتصل المكتبة فقط، وصار بإمكاني نشر فكرة من الكتاب كمنشور في منتصف الليل لأجد بعد نصف ساعة مئتي فتاة تقل “هذه أنا بالظبط، فماذا أفعل الآن؟”، فصرت أكتب مستمدة من أوجاعكم التي توصفونها لي في التعليقات والرسائل الخاصة. وتحولنا من المحاضرة إلى الدردشة الصريحة بعد أن انعدم الوقت لعبارات مثل “يا أيتها القارئة العزيزة” وصار المطلوب “اسمعيني يا بنيتي.. أنا غلطت هنا واتعلمت هنا”، والتفاعل أزال عني قناع المثالية لتشاهدوا أمل التي تبكي وأمل التي تقوى. وتحولنا من إصدار كتاب كل سنة إلى جرعة إنقاذ يومية؛ فالخذلان لا ينتظر معرض الكتاب، ولهذا صرت أجزئ الكتاب إلى قطع صغيرة: بيت شعر في ستوري، قاعدة ذهبية في ريل، وسؤال في بوست، ومن تتفاعل وتقول “لحقتيني” هي من تشتري الكتاب لاحقاً لتبحث عن بقية الحكاية. والثمن الذي دفعته هو أنني صرت أحمل هموم رسايل البنات حتى الساعة الثالثة فجراً، لكنه ثمن يستحق حين أشعر أنني لا أكتب في الهواء. وخلاصة علاقتنا صارت: أمل تكتب، وأنتن تعشن، ثم نعود لنتحدث معاً؛ فلم تعدن جمهوراً، بل صرتن شركائي في الكتابة وبدونكن لا توجد قصائد جديدة. وفي التعامل مع الرسائل أقرأ كل رسالة كأنها تخصني ولا أكتفي بنسخ ولصق النصائح، وحين تكتب لي فتاة “أنا هموت من الوجع” صباحاً لا أرد ببرود بل أجلس وأبكي معها أولاً ثم أجيبها، وأفرق بين أن أسمع وبين أن أنقذ فلست دكتورة نفسية، دوري أن أسمعك وأمنحك البوصلة وأقول “أنت لست وحدك”، ولكني لا أستطيع أن أعيش مكانك. ولدي “يوم غسيل” أسبوعي أغلق فيه الإنترنت لأتمشى وأزرع وأكتب شعراً لنفسي، كي لا أقع من كثرة حمل همومكم. وهل هو عبء نفسي؟ نعم، هو عبء جميل يشمل ليالي بدماغ مملوء بمئة قصة وجع، ولكن ما يزيل التعب هو رسالة فتاة بعد ستة أشهر تقول “بسبب كلامك قمت واشتغلت” أو “أنت منعتني من الرجوع إليه”، وحينها أقول إن هذا الوجع صدقة مقبولة. وأنا لست بطلة خارقة، بل إنسانة تتوجع مثلكم، لكني اخترت أن أحول وجعي إلى بيت مفتوح لكم، وقاعدتي هي: “سأحملكم بقدر ما أستطيع، ولكن ليس للدرجة التي توقعني”، وأنتن تحملنني بدعواتكم وكلامكم لكي نحمل بعضنا بعضاً.
س: في ختام هذا الحوار الشيق، ما هي الكلمة الأخيرة التي تودين تركها لقرائك ومحبيك عبر صفحاتنا؟
أترك لكن كلمتين من القلب للقلب؛ رسالتي لكل شاب وبنت موجوعين اليوم: أولاً، الوجع الذي تعيشه ليس آخر الدنيا، بل سيموت ويعبر، وحتى لو شعرت بأنك عاجز عن النهوض فستقوم ويطلع وردك. وثانياً، لا تبيع نفسك لكي يبقى أحد؛ فمن يحبك بجد سيختارك وأنت كامل لا وأنت مكسور وتتوسل إليه؛ أحبه ولكن لا تلغي نفسك من أجله. وثانياً، قوتك لا تكمن في ألا تبكي، بل في أن تبكي وتنهض؛ فالانعزال ليس قوة، والقبول بأي شيء ليس حباً، والقوة الحقيقية هي: “أنا أتوجع، ولكني بحدود وبكرامة”. وكلمتي الأخيرة لقرائي ومحبيّ: أنا لم أأت لأقول لكم “عيشوا قصة حب خيالية”، بل جئت لأنصحكم بـ “عيشوا حياتكم الحقيقية”، فاكتبوا قصتكم بأيديكم، واغلطوا وتعلموا وقوموا، وكونوا “الكوباية المليانة” التي تمنح من فائضها لا التي تنتظر من يمؤلها. وأنا؟ سأبقى هنا، الشاعرة التي ستطبطب وتقول “قومي”، صندوق أسراركم وأختكم التي تحبكم بلا مقابل. فلا تمشوا في الدنيا مستنتظرين من ينقذكم، بل قوموا وأنقذوا أنفسكم بأنفسكم، وأنا واثقة أنكم قدها. أحبكم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.