
شفا – تحت ظلال الحكاية: حوار إنساني دافئ مع الكاتب أحمد إبراهيم مصلح
حوار:عطا درغام
حين نجلس مع كاتب حقيقي، يزول بريق الكلمات المصنوعة وندخل مباشرة إلى نبض الورقة والقلب. الأدب ليس قوالب جاهزة، بل هو رحلة شاقة يبحث فيها المبدع عن صوته الخاص وعن الطريقة التي يلمس بها وجدان قارئه. أحمد إبراهيم مصلح هو أحد الأصوات التي اختارت أن تبتعد عن الصخب، لتبني عوالمها بهدوء، متمردة على التصنيفات الضيقة التي تحبس الفن في خانات جامدة. من السطر الأول في روايته الأولى وحتى كتاباته الأخيرة، يظل مخلصاً لسر الحكاية: كيف يحول مشاعرنا، خيباتنا، ووقوفنا المستمر على حافة الحياة إلى نص ينبض بالصدق والجمال؟ في هذا الحوار، نقترب من طاولته البسيطة، لنتحدث بلغة تشبهنا، نبحث في طريقته لإدارة شخوصه، وفي تلك المسافة الساحرة التي يتركها بين الكلام والصمت ليتنفس فيها القارئ ويجد نفسه.
أولًا- رواية “بين عالمين”:
السؤال الأول: في خطوتك الأولى “بين عالمين”، اخترت حقل العلاقات العاطفية والاجتماعية المتقاطعة، كيف ترى الآن شكل هذا الاختيار؟ هل كان مدفوعاً برغبة في اختبار أدواتك الحكائية في مساحة مألوفة، أم كان محاولة لتقديم قراءة مختلفة لمفهوم الثنائيات الإنسانية؟
لم يكن اختياري لهذا العالم الروائي نابعًا من رغبة واعية في اختبار أدواتي الحكائية أو تقديم رؤية مختلفة للعلاقات الإنسانية.
بعد وفاة ابنتي جودي بستة أشهر، مررت بحالة نفسية سيئة استمرت نحو شهرين. بعدها قررت أن أكتب. شعرت وقتها أن لدي الكثير لأقوله، وأنني إن لم أكتب الآن، فلن أكتب أبدًا.
قضيت أربعة أشهر أحاول تدريب نفسي على الكتابة من خلال مقاطع قصيرة، حتى كتبت ذات يوم مقطعًا شعرت بعد الانتهاء منه بأنني أستطيع مواصلته. كان ذلك المقطع هو افتتاحية “بين عالمين”.
بدأت أكتب مشهدًا بعد مشهد، وفصلًا بعد فصل، دون تخطيط مسبق، ودون أن أكون واثقًا حتى من قدرتي على إتمام رواية كاملة. وتدريجيًا بدأت الحكاية تتشكل.
وخلال الكتابة، ودون أن أخطط لذلك، فرضت جودي وجودها في الرواية. تغير الأب والأم والبلد، وبقيت جودي كما هي: بنفس عمرها ومرضها ومصيرها. أردت أن تكون جودي الحقيقة الوحيدة في قصة مُختلقة.
عندما أعود إلى الرواية اليوم أرى الكثير من الأخطاء الفنية، لكنني لا أرغب في تغيير حرف واحد منها. إنها تمثل الكاتب المبتدئ الذي كنته آنذاك، وكانت بوابتي إلى عالم الرواية. وربما لم يكن بإمكاني أن أكتبها بصورة أفضل في ذلك الوقت.
السؤال الثاني:الرواية تلعب على وتر الضدية والتأرجح بين اختيارين، كيف نجوت أثناء الكتابة من السقوط في فخ الوعظ الأخلاقي أو تقديم إجابات جاهزة للقارئ حول ما هو صحيح وما هو خاطئ؟
لم أكن أفكر في تجنب الوعظ الأخلاقي، كما لم أكن أمتلك تصورًا مسبقًا واضحًا لمسار الرواية.كنت أرسم كل شخصية بصفاتها وتكوينها النفسي، ثم أمنحها حرية التصرف داخل هذا التكوين. لم أكن أريد أن تتصرف الشخصيات وفقًا لقناعاتي، وإنما وفقًا لطبيعتها ودوافعها الخاصة.ولأنني لم أكن قد خططت للرواية مسبقًا، فقد كنت أكتشف الكثير من أحداثها أثناء الكتابة. على سبيل المثال، غاب حازم عن الرواية بضعة فصول، ولم أكن أعرف ما الذي حدث له خلال السنوات التي غاب فيها. بل شعرت بالقلق من أن يأتي دوره مجددًا فلا أجد ما أكتبه عنه.لكن عندما حان الوقت، جاء حازم بحكايته، ومنذ تلك اللحظة بدأت الرواية تسير بسلاسة وسرعة لم أعهدها في الفصول السابقة.أما آدم، فربما كنت أكثر تدخلًا في توجيه تصرفاته، وربما يرجع ذلك إلى أنني وضعت الكثير من صفاتي الشخصية فيه.لم أكن أسعى إلى تقديم شخصيات مثالية أو إدانة أخرى، بل إلى ترك كل شخصية تتصرف وفقًا لمنطقها الخاص، وأترك للقارئ أن يتخذ موقفه منها.
السؤال الثالث:يتهم البعض الكتابة ذات الطابع الرومانسي الاجتماعي بأنها تميل لتبسيط المشاعر أحياناً، ما هي الحدود الفاصلة التي وضعتها لنفسك لضمان عمق التحليل النفسي للشخصيات دون الاستسلام لسيولة العاطفة؟
أعتقد أن «بين عالمين» رواية عن الفراق والغياب أكثر من كونها رواية رومانسية بالمعنى التقليدي.ما أردته هو محاولة فهم الحب الحقيقي، حب جوهر الإنسان الآخر، ذلك التلاقي الداخلي العميق الذي يتجاوز الانجذاب والمظاهر الخارجية، بعيدًا عن الصور العاطفية المبتذلة. لكنني أردت أيضًا أن أختبر هذا الحب من خلال الغياب. ماذا يحدث للحب عندما نفقد من نحب؟ هل يكشف الفراق حقيقته، أم يغير طبيعته؟
ولم أرد أن أحصر هذه التجربة في العلاقة بين الحبيب وحبيبته، بل حاولت توسيعها لتشمل أشكالًا مختلفة من الفراق؛ فراق الأب لابنته، وفراق الحبيبين، والفراق بين الإخوة.بالطبع تضمنت الرواية وصفًا للمشاعر المصاحبة للقاء الأول والانجذاب، لكن اهتمامي الأساسي كان بما هو أعمق من اللحظة العاطفية نفسها، وبما يبقى من العلاقة بعد الغياب.لم أضع لنفسي قواعد فنية محددة لضبط العاطفة أو ضمان العمق النفسي، فقد كنت أخوض تجربتي الروائية الأولى. كل ما حاولته هو التعبير عن هذه المشاعر بصدق، وترك الشخصيات تعيش تجاربها المختلفة دون فرض إجابة واحدة عليها.أما مدى نجاحي في ذلك، فأترك الحكم فيه للقارئ.
السؤال الرابع:كيف تعاملت مع الحوار داخل هذه الرواية؟ هل كنت تميل إلى جعله لسان حال الأفكار المجردة، أم وظفته كأداة وحيدة لإظهار العجز عن التواصل بين الأطراف؟
أنا بطبيعتي ككاتب أميل إلى السرد أكثر من الحوار، وربما يجد بعض القراء أن الحوارات في “بين عالمين” كانت أقصر مما ينبغي، أو أنها لم تؤدِّ جميع الوظائف التي كان يمكن أن تؤديها.لا أستبعد ذلك، خاصة أنها كانت تجربتي الروائية الأولى، وكنت لا أزال أكتشف أدواتي وأسلوبي في الكتابة.لكنني حاولت استخدام الحوار للكشف عن المزيد من جوانب الشخصيات، لا أن أجعله مجرد وسيلة لطرح أفكاري على ألسنتها.لم أكن أريد أن تتحدث الشخصيات بصوت واحد، أو أن تصبح مجرد أدوات للتعبير عن وجهة نظر المؤلف. حاولت أن يكون لكل شخصية صوتها المستقل، وأن تنبع كلماتها من طبيعتها وتكوينها النفسي وطريقتها في النظر إلى العالم.وفي تجاربي الروائية اللاحقة، ظل ميلي إلى السرد قائمًا، لكنني بدأت أمنح الحوار مساحة أكبر، وأستخدمه لأداء وظائف أكثر تنوعًا داخل العمل الروائي.أعتقد أن هذا جزء من تطوري ككاتب؛ فلم تتغير طبيعتي السردية بقدر ما تطورت قدرتي على توظيف الأدوات الأخرى.
السؤال الخامس:بالنظر إلى البناء السردي لـ “بين عالمين”، لو أتيحت لك فرصة إعادة صياغتها اليوم بعد مرور سنوات، ما الذي كنت ستقتطعه من النص وما الذي كنت ستمنحه مساحة أرحب؟
كما قلت سابقًا، لو أتيحت لي فرصة إعادة كتابة “بين عالمين”، فلن أغير منها حرفًا واحدًا.هذا لا يعني أنني راضٍ تمامًا عن مستواها الفني أو اللغوي. على العكس، عندما أعيد قراءتها أجد الكثير من الجمل التي تحتاج إلى إعادة صياغة، والكثير من الأخطاء اللغوية، ولا شك أن هناك جوانب فنية كان يمكن معالجتها بصورة أفضل.لكنني لم أفكر يومًا في إعادة كتابتها، ولذلك لا أملك إجابة محددة عما كنت سأقتطعه منها أو أمنحه مساحة أكبر.إنها روايتي الأولى، كتبتها بما كنت أمتلكه وقتها من معرفة وخبرة وأدوات. وأفضل أن تظل كما هي، شاهدة على تلك المرحلة من تجربتي، بأخطائها ونجاحاتها.
السؤال السادس:هل ترى أن القارئ استقبل الرواية كعمل يتناول أزمة جيل محدد، أم كحالة نفسية عامة يمكن أن تحدث في أي زمان؟
لا أعتقد أن “بين عالمين” تتناول أزمة جيل محدد، وإنما تحاول الاقتراب من تجارب إنسانية يمكن أن تحدث في أي زمان، الحب والفراق والفقد، ومحاولة الإنسان مواصلة حياته بعد أن يفقد جزءًا مهمًا منها.أما بالنسبة لاستقبال القراء، فقد لاحظت أن أغلبهم تفاعلوا بصورة خاصة مع العلاقة العاطفية بين حازم وياسمينا، وربما طغى هذا الجانب على بقية العلاقات والقضايا التي حاولت الرواية تناولها.بالطبع اختلفت آراء القراء حول الشخصيات والأحداث والنهاية، وهذا أمر طبيعي، لكنني أعتقد أن أكثر ما وصل إليهم كان الجانب الإنساني والعاطفي من الحكاية.وربما وجد كل قارئ في الرواية ما يلامس تجربته الخاصة، وهذا في حد ذاته أمر يسعدني.
ثانيًا- رواية “مذكرات مالك”:
السؤال السابع:الانتقال إلى صيغة “المذكرات” في عملك الثاني يفرض شروطاً قاسية على السرد، أبرزها الصوت الواحد، كيف واجهت تحدي الرتابة المحتمل في حصر عين القارئ داخل زاوية رؤية “مالك” فقط؟
أؤمن بأن كل رواية تختار طريقة السرد المناسبة لها، وأن مهمة الكاتب هي العثور على تلك الطريقة.مرت “مذكرات مالك” بإحدى عشرة مسودة قبل أن تصل إلى صورتها النهائية. في البداية كتبتها باستخدام الراوي العليم، لكنني شعرت، بعد عدة مسودات، بأن الرواية تفشل في التعبير عن نفسها.تدريجيًا بدأت أفكر في تحويلها إلى سرد شخصي، وجعل مالك يروي حكايته بنفسه. وبالفعل كتبت مسودة بهذه الطريقة، لكنني لاحظت أن وتيرة السرد قد تدفع القارئ إلى الملل.عندها قررت تغيير البناء نفسه، وليس فقط زاوية السرد. قسمت الرواية إلى محطات مختلفة في حياة مالك، واخترت أن تُروى في صورة مذكرات.لكن هذا التغيير خلق تحديًا آخر؛ فالمحطة الأولى تبدأ بداية درامية، ولم أكن أريد أن يجد القارئ نفسه داخل الأحداث قبل أن يتعرف إلى صاحب المذكرات.لذلك كتبت (استهلال لا بد منه)، لأمنح القارئ فرصة للتعرف بهدوء إلى مالك قبل الانطلاق في الحكاية.وهكذا وصلت إلى الشكل الذي نُشرت به الرواية في النهاية.لم تكن لدي خطة مسبقة لمواجهة رتابة الصوت الواحد، وإنما وصلت إلى الحل من خلال التجربة وإعادة الكتابة.وأعتقد أن أهم ما تعلمته من هذه التجربة أن امتلاك حكاية تستحق أن تُروى لا يكفي، بل ينبغي أيضًا العثور على الطريقة المناسبة لروايتها.فالرواية ليست أن تحكي الحكاية، بل كيف تحكي الحكاية.
السؤال الثامن:المذكرات بطبيعتها تمنح البطل سلطة تزييف الحقائق أو تبرير أفعاله، إلى أي مدى سمحت لـ”مالك” الكذب على نفسه وعلى القارئ؟ وكيف تركت لنا إشارات نكتشف من خلالها هذا التزييف؟
لم أجعل مالك يكذب على نفسه أو على القارئ، بل حاولت أن يكون أمينًا في نقل الأحداث والمشاعر كما عاشها.لكن هناك فارقًا بين تذكر الأحداث وفهمها.مالك يمتلك ذاكرة استثنائية، يستطيع من خلالها استعادة تفاصيل الماضي بصورة تفوق قدرة الإنسان العادي، لكن هذه القدرة لا تعني أنه يمتلك فهمًا كاملًا لما حدث، أو للأسباب التي دفعته إلى التصرف بطريقة معينة.لذلك، لم يكتفِ مالك بسرد ذكرياته، بل حاول في مواضع كثيرة إعادة تحليل الأحداث القديمة من منظوره الحالي، وأحيانًا تحليل حالته النفسية والدوافع التي حكمت تصرفاته في ذلك الوقت.وبالطبع، قد يكون تحليله صحيحًا وقد يكون خاطئًا؛ لأنه في النهاية إنسان، مهما بلغت قدراته على التذكر.لم أرد أن يكون مالك راويًا غير موثوق يتعمد تضليل القارئ، وإنما إنسانًا يحاول فهم ماضيه ونفسه بصدق، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يصل دائمًا إلى الحقيقة.
السؤال التاسع:يلاحظ في الرواية تركيز واضح على فكرة الخسارات المتراكمة؛ هل كانت الكتابة هنا محاولة لرصد أثر الهزائم الصغيرة العادية التي لا تنتبه لها الصحافة أو التاريخ الرسمي؟
جاءتني فكرة «مذكرات مالك» بعد انتهائي من كتابة «بين عالمين» بأيام قليلة، وقبل أن أتعاقد حتى على نشر روايتي الأولى.كنت عائدًا من عملي في الغردقة لقضاء إجازتي في القاهرة، وراودني سؤال: ماذا يحدث للإنسان عندما ينهار عالمه كله أمامه، ويجد نفسه فجأة بلا سكن أو سند؟ وماذا لو تكرر هذا الانهيار؟ كيف سيؤثر ذلك في شخصيته ونظرته إلى الحياة؟
كانت هذه هي الفكرة الأولى، لكن الأفكار عندي تتطور أثناء الكتابة، وتنبثق عنها أسئلة أخرى ترتبط بها أو تكملها.كان السؤال التالي عن اختلاف تأثير الحدث الواحد في حياة البشر. فقد يقع زلزال أو تفجير يغير حياة بعض الأشخاص إلى الأبد، بينما يتابعه آخرون من منازلهم آمنين، عبر شاشات التلفاز، ثم يواصلون حياتهم بصورة طبيعية.كيف يمكن لحدث واحد أن يكون مجرد خبر عابر في حياة إنسان، بينما يصبح نقطة فاصلة في حياة إنسان آخر؟ ثم جاء السؤال الأخير، وربما كان الأكثر أهمية: هل يستطيع الإنسان الذي واجه الكثير من العقبات والمآسي أن يبلغ السعادة مجددًا؟ وكيف يبلغ الإنسان السعادة أصلًا؟
وهل ينبغي أن تكون السعادة هدفًا في ذاتها، أم أنها تأتي عندما يجد الإنسان لحياته هدفًا ومعنى؟
أميل شخصيًا إلى الاعتقاد بأن الإنسان لا يستطيع بلوغ سعادة حقيقية دون أن يجد معنى لحياته، لكنني لا أقدم هذا باعتباره حقيقة نهائية، وإنما طرحًا فلسفيًا حاولت استكشافه من خلال الرواية.وفي نهاية “مذكرات مالك”، يجد مالك قدرًا من الاستقرار في حياته مع ابنته صوفيا، وفي علاقته الجديدة بسارة. لكن هل بلغ السعادة فعلًا؟ أظن أن مالك نفسه لم يكن يعرف.ربما كانت هدنة، فحين تستقر حياة الإنسان تتراجع قليلًا أسئلته الوجودية، دون أن يعني ذلك أنه وجد إجاباتها.وهناك عامل آخر يجعل الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى مالك، وهو ذاكرته الاستثنائية. فكل ما مر به من أحداث مؤلمة لا يزال محفوظًا في ذاكرته، ولا تستطيع الحياة الهانئة، مهما بلغت، أن تمحو تلك التفاصيل.وهذا أحد الأسباب التي تجعل رحلة مالك لا تنتهي عند نهاية الرواية، بل تستمر بأسئلة جديدة في “صدى الصمت”.
السؤال العاشر:تميل الروايات النفسية إلى تقديم المونولوج الداخلي المكثف، كيف وازنت بين حركة الأحداث الخارجية ورغبة البطل المستمرة في الانكفاء نحو الداخل؟
في الواقع، لا أميل كثيرًا إلى الفصل بين الأحداث الخارجية والتحليل النفسي للشخصيات، خاصة في “مذكرات مالك”.فما يهمني في الحدث ليس وقوعه فحسب، وإنما تأثيره في الشخصية، وما يتركه داخلها من صراعات وتحولات. وفي حالة مالك تحديدًا، يصعب الفصل بين حياته الخارجية وما يدور داخل رأسه.لكن هذا لا يعني أنني تركت الأمر دون انتباه. كما ذكرت، مرت الرواية بإحدى عشرة مسودة، وحاولت خلالها، قدر استطاعتي، تحقيق التوازن بين حركة الأحداث والاستغراق في التحليل النفسي.كنت أدرك أن الإفراط في الانكفاء نحو الداخل قد يصيب القارئ بالملل ويعطل حركة الرواية، لكنني كنت أدرك أيضًا أن تقليص هذا الجانب أكثر مما ينبغي سيفقد الرواية جزءًا أساسيًا من هويتها.فالصراعات التي تدور داخل رأس مالك ليست مجرد تعليقات على الأحداث، وإنما هي جزء أصيل من الحكاية نفسها.لذلك حاولت الوصول إلى إيقاع يسمح للأحداث بأن تتقدم، ويمنح القارئ في الوقت نفسه فرصة لمعايشة الصراعات الداخلية التي تشكل شخصية مالك وتؤثر في اختياراته.
السؤال الحادي عشر:لغة “مذكرات مالك” تبدو أكثر تقشفاً وهدوءًا من روايتك الأولى، هل فرضت طبيعة البطل الروائي شروطها على قاموسك اللغوي، أم أنك كنت تختبر قدرة الجمل القصيرة على حمل الشحنات النفسية الثقيلة؟
أعتقد أن اختلاف اللغة بين الروايتين يرجع إلى عدة عوامل مجتمعة.
أولًا، هناك تطور طبيعي حدث لي ككاتب بين التجربتين. فقد اكتسبت بعض الخبرة، وأصبحت أكثر وعيًا بأدواتي، خاصة أن “مذكرات مالك” مرت بمراحل طويلة من إعادة الكتابة والمراجعة.
ثانيًا، هناك اختلاف جوهري في طبيعة السرد. ففي “بين عالمين” استخدمت الراوي العليم، بينما في “مذكرات مالك” أصبح مالك نفسه هو من يروي الحكاية، ومن الطبيعي أن يترك هذا التحول أثره على اللغة وطريقة التعبير.أما العامل الثالث، وربما كان الأكثر أهمية، فهو أنني عندما أترك مالك يتحدث، فإن مالك هو من يتحدث، ولست أنا.ولا أقصد بذلك أنني أتعمد ابتكار صوت لغوي مختلف لكل شخصية. الأمر يحدث بصورة أكثر تلقائية؛ فأنا أبني الشخصية في ذهني بتكوينها النفسي والفكري وصفاتها وطريقة نظرها إلى العالم، ثم أتركها تتحدث وفقًا لهذا التكوين.وهكذا يصبح لكل شخصية صوتها الخاص، ليس لأنني وضعت لها قواعد لغوية مسبقة، وإنما لأنها تختلف في طبيعتها عن الشخصيات الأخرى. فمالك ليس أميلي، وأدهم ليس جون، ومن الطبيعي أن يختلف حديث كل منهم عن الآخر.أما مسألة تقشف اللغة أو الاعتماد على الجمل القصيرة، فلم تكن تجربة لغوية مقصودة في ذاتها، بقدر ما كانت نتيجة لتداخل هذه العوامل، وللطريقة التي وجدت أنها الأنسب لرواية الحكاية.
السؤال الثاني عشر:ما الذي يمثله مفهوم “البيت” أو “المساحة الخاصة” في هذه الرواية؟ هل تحول المكان إلى امتداد مادي لأزمة البطل؟
بالنسبة إليّ، البيت ليس مجرد مكان نسكن فيه، وإنما المكان الذي نشعر فيه بالأمان والانتماء.وهذا المفهوم حاضر بقوة في “مذكرات مالك”، بل يرتبط بالفكرة الأولى التي انطلقت منها الرواية: ماذا يحدث للإنسان عندما ينهار عالمه فجأة، ويجد نفسه بلا سكن أو سند؟
لاحظ مثلًا أن مالك يفضل العيش مع عم فكري بدلًا من أخيه. فالأمر لا يتعلق بالمنزل نفسه، أو حتى بصلة القرابة، وإنما بالشعور الذي يمنحه له وجوده مع شخص معين.قد يعيش الإنسان وسط أسرته ولا يشعر بالانتماء، وقد يجد هذا الشعور مع إنسان لا تربطه به صلة دم.أعتقد أن البيت يستمد معناه من الأشخاص الذين يجعلوننا نشعر بالأمان داخله، ولهذا فإن فقدانه قد يكون أشد قسوة من مجرد فقدان مكان مادي.وفي حالة مالك، تتكرر تجربة فقدان هذا الأمان بأشكال مختلفة، ويصبح البحث عن مكان ينتمي إليه جزءًا من رحلته في محاولة إعادة بناء حياته.
ثالثًا- رواية “على حافة الحياة”:
السؤال الثالث عشر:في “على حافة الحياة”، يتسع الأفق ليصبح أكثر ميلاً لطرح التساؤلات الكبرى حول الوهم والحقيقة؛ ما الذي دفعك لمغادرة المساحة الاجتماعية المباشرة نحو منطقة تقترب من العبث أو الترقب؟
لا أعتقد أنني غادرت المساحة الاجتماعية إلى المساحة الوجودية بصورة مفاجئة، فقد كانت الأسئلة الوجودية حاضرة بالفعل في “مذكرات مالك”، لكن “على حافة الحياة” انطلقت من فكرة مختلفة، وتطلبت بناءً روائيًا مختلفًا.كانت الفكرة الرئيسية هي العقاب الجماعي الناتج عن أخطاء الأجيال السابقة، ومدى عدالة أن يتحمل الإنسان عواقب أفعال لم يرتكبها. تناولت هذه الفكرة بصورة رمزية في جزء “مايا بين الحقيقة والأسطورة”، وربما بالغت في الرمزية إلى حد حال دون وصول الفكرة إلى بعض القراء.ثم اتسعت الفكرة لتشمل تساؤلًا آخر: الإنسان لا يختار نقطة بدايته في الحياة، لا يختار أسرته أو مجتمعه أو الظروف التي يولد فيها، ومع ذلك يُطلب منه أن يواصل حياته ويتحمل مسؤولية اختياراته، في ظل عوامل عديدة تؤثر في قراراته، مثل السيطرة والأعراف المجتمعية وغيرها.وأعتقد أن اقتباسًا من بداية جزء “الحافة”، على لسان يحيى، يلخص جانبًا من هذه التساؤلات:
“تم وضعي في قطار يتحرك، وانطلق بي دون إرادة مني، واستمرت الرحلة طويلًا، واجهت فيها الكثير والكثير، وقمت باتخاذ قرارات بعضها مهم وبعضها تافه، ولكن لا يمكنني اعتبار أي قرار من تلك القرارات كان قرارًا مصيريًا، لأن مصيري كان قد تحدد سلفًا بركوبي ذلك القطار”.لكنني لا أقدم هذه الرؤية باعتبارها حقيقة نهائية أؤمن بها. إنها تعبر عن يحيى في مرحلة معينة من حياته، وعن الطريقة التي ينظر بها إلى العالم في ظل ظروفه وتجاربه. ولا أنكر أنني مررت في مرحلة من حياتي بأفكار مشابهة.
في الواقع، أنا أكتب كثيرًا عن أفكار لم أصل بشأنها إلى رأي قاطع. أترك الشخصيات تتحرك وفقًا لطبيعتها وظروفها، وأتابع معها تطور الفكرة، لأرى، مثلي مثل القارئ، إلى أين ستصل، وكيف يمكن أن تؤثر حتى في قناعاتي الشخصية.
أما من ناحية البناء، فقد بدأت بكتابة “يوسف التائه” و”مايا بين الحقيقة والأسطورة” بالتوازي، ثم توقفت لعدم وضوح الرابط الذي يجمع الحكايات.وبعد شهور، وخلال فترة نفسية صعبة، أعدت قراءة “مذكرات مالك”، ثم “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي. استوقفتني فكرة ألا يجد الإنسان مكانًا يذهب إليه، ودفعتني إلى كتابة جزء من تجربتي الشخصية، ثم بدأت كتابة “الحافة” وحكاية يحيى.بدأت الرواية تأخذ شكلها عندما وجدت الرابط الذي كنت أبحث عنه: لماذا لا يكون يحيى ابن يوسف؟ والفكرة جاءت من صديقي “أسامة”، ومنذ تلك اللحظة تسارعت وتيرة الكتابة.وكما أقول دائمًا، كل رواية تختار طريقة كتابتها. وفي “على حافة الحياة” شعرت أن كل جزء ينبغي أن يمتلك بناءه وطريقة سرده الخاصة، بما يتناسب مع شخصياته وحكايته.
لم يكن اختلافي في البناء مجرد رغبة في التجريب، وإنما محاولة للعثور على الشكل الأنسب لاستكشاف تلك الأفكار والتساؤلات من خلال حكايات مختلفة ومترابطة.
السؤال الرابع عشر:فكرة “الحافة” توحي بالقلق وعدم الاستقرار؛ كيف وظفت هذه الحالة في إيقاع السرد نفسه؟ هل تعمدت جعل القارئ يشعر بنوع من عدم اليقين طوال القراءة؟
في الحقيقة، لم أختر عنوان «على حافة الحياة» إلا بعد انتهائي من كتابة الرواية، ولهذا العنوان حكاية طريفة.عندما انتهيت من الرواية، لم أكن قد اخترت لها عنوانًا. وكانت الطبعة الأولى لا تتضمن جزء “عمرو بين الحقيقة والحلم”، ولذلك كانت الرواية
تبدأ بمشهد يوسف في محطة القطار، وتنتهي بمشهد يحيى في المطار.دفعني ذلك إلى اختيار عنوان “الدائرة”.
أرسلت الرواية إلى صديق أحترم رأيه، فأثنى عليها، لكنه رفض العنوان صراحة. وبعد ذلك، عندما اجتمعت بالناشر، أخبرني هو الآخر بأن العنوان لا بد أن يتغير.في النهاية اخترت “على حافة الحياة”، وكان عنوانًا فرعيًا داخل جزء “الحافة”.
أما الحافة التي أقصدها فهي مفهوم واسع، لا يقتصر على معنى واحد: إنها الحافة بين الحقيقة والوهم، وبين الحياة والموت، وبين العقل والجنون.إنها أيضًا الحافة التي يصل إليها الإنسان في مرحلة من حياته، فلا يعود قادرًا على مواصلة حياته بالطريقة التي اعتادها.أما بالنسبة إلى الإيقاع السردي، فلم أتعمد إبقاء القارئ في حالة من القلق أو عدم اليقين، ولم أخطط مسبقًا لاستخدام طريقة سرد مختلفة في كل جزء.كل ما حدث أنني تركت كل حكاية تُكتب بالطريقة التي تناسبها، دون أن أفرض عليها أسلوبًا محددًا. كانت طريقة السرد تنساب بصورة تلقائية أثناء الكتابة، ووجدت في النهاية أن لكل جزء بناءه وإيقاعه الخاص.
وكما قلت سابقًا، أعتقد أن كل رواية تختار طريقة كتابتها، وفي “على حافة الحياة” امتد هذا الأمر إلى الأجزاء المختلفة داخل الرواية نفسها.
السؤال الخامس عشر:هناك خيط رفيع يفصل بين الرواية الوجودية وبين المقالة الفلسفية، كيف استطعت تحويل الأفكار الفلسفية المجردة إلى لحم حكائي يتحرك ويتألم دون أن تفقد الحكاية جاذبيتها الأدبية؟
في طريقتي في الكتابة، تنبثق الحكاية من الفكرة، ثم يبدأ تصور الشخصيات والعالم الذي تعيش فيه.لا أحاول تحويل الفكرة الفلسفية إلى حكاية لإثبات صحتها أو إقناع القارئ بوجهة نظر معينة، وإنما أجعل حياة الشخصيات وتجاربها وسيلة لتناول الفكرة نفسها، ومحاولة لفهمها بصورة أعمق، أو الوصول إلى إجابات وتصورات لم تكن واضحة بالنسبة إليّ في البداية.
فأنا أكتب كثيرًا عن أفكار لم أصل بشأنها إلى قناعات نهائية، ولا أرى ضرورة لأن يمتلك الكاتب إجابة عن كل سؤال يطرحه في روايته.وعندما تتشكل الشخصية في ذهني، أتركها تعيش وفقًا لتكوينها النفسي والفكري وظروفها الخاصة، وتتفاعل مع الأحداث بالطريقة التي تتناسب مع طبيعتها، حتى لو قادها ذلك إلى نتائج لم أكن أتوقعها.
لكنني في الوقت نفسه أحاول مراقبة إيقاع الرواية ومدى قدرتها على جذب القارئ ودفعه إلى مواصلة القراءة. أترك الحكاية تنساب بحرية، دون أن أغفل تمامًا الجانب الفني.ولا أعرف يقينًا إلى أي مدى نجحت في تحقيق هذا التوازن في “على حافة الحياة”. أعتقد أن الرواية تضم أجزاء ممتعة، وأجزاء أخرى ربما تكون أقل إمتاعًا.وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى كتابة الجزء الأخير، “عندما اكتملت الدائرة”، في صورة قصص قصيرة مكثفة، تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: فمن ناحية تربط أجزاء الرواية المختلفة بعضها ببعض، ومن ناحية أخرى تمنح القارئ إيقاعًا أسرع في القراءة.في النهاية، أعتقد أن الرواية ينبغي أن تظل حكاية، مهما بلغت أهمية الأفكار التي تتناولها. فأنا لا أكتب مقالة فلسفية أضع فيها أفكاري ونتائجي، وإنما أكتب عن بشر يعيشون ويتألمون ويتخذون القرارات، وأحاول من خلال حياتهم أن أفهم العالم بصورة أفضل.
السؤال السادس عشر:كيف تنظر إلى الموت أو الغياب في هذا العمل؟ هل هو المحرك الأساسي لأفعال الشخصيات، أم أنه مجرد خلفية ثابتة تبرز عبثية الصراعات اليومية؟
أعتقد أن الموت هو الحقيقة المطلقة، وربما الحقيقة الوحيدة التي يتفق عليها البشر جميعًا. ولهذا لا أتصور أنني أستطيع الحديث عن الحياة دون الحديث عن الموت.في “على حافة الحياة”، يحضر الموت بمعنييه الحقيقي والرمزي، لكنه لا يؤدي الوظيفة نفسها في جميع الحكايات.في حكاية يحيى، نجده يقف على حافة الموت، لكنه يختار الحياة. وهنا يصبح الاقتراب من الموت لحظة مهمة في علاقته بالحياة نفسها، وبالأسئلة التي كانت تشغله عن المصير والاختيار.
أما يوسف، فيموت بعدما يكتشف أنه عاش نصف حياته مخدوعًا بوهم السيطرة، وأن الكثير مما اعتقد أنه يتحكم فيه لم يكن كما تصور.وفي حكاية مايا، يصبح موت والدها شرارة للثورة على الظلم ومحاولة خلق عالم أفضل. وهنا لا يمثل الموت نهاية فحسب، بل يصبح بداية لتحولات تتجاوز حياة الشخص الذي مات.وهكذا يختلف حضور الموت وأثره من حكاية إلى أخرى، ومن شخصية إلى أخرى.ولذلك لا أراه مجرد خلفية للأحداث، ولا أستطيع اعتباره المحرك الوحيد لتصرفات الشخصيات. إنه جزء أصيل من الحياة ومن الأسئلة التي تطرحها الرواية.وربما كانت هذه إحدى الأفكار التي حاولت تناولها في “على حافة الحياة”: أن الموت، رغم حتميته، لا يحمل المعنى نفسه للجميع، وأن تأثيره لا يتوقف بالضرورة عند نهاية حياة الإنسان، بل قد يمتد ليغير حياة الآخرين ومصائرهم.
السؤال السابع عشر:اعتمدت الرواية على مفارقات حادة، كيف تختار هذه المفارقات؟ هل تأتي استجابة لضرورة حتمية تفرضها حركة الشخوص، أم تصنعها كمصيدة لإرباك توقعات المتلقي؟
أعتقد أن الحياة بطبيعتها مفعمة بالمفارقات، فكيف تخلو رواية عن الحياة من المفارقات؟
لا أستطيع القول إن المفارقات في رواياتي تأتي دائمًا بصورة تلقائية، دون تخطيط، ولا أستطيع القول أيضًا إنني أخطط لها جميعًا بصورة دقيقة.أحيانًا أختار المفارقة بوعي، وأحيانًا أخرى تظهر أمامي أثناء تطور الحكاية، نتيجة لتصرفات الشخصيات وتفاعلها مع الأحداث.في “على حافة الحياة” مثلًا، عندما انتهيت من كتابة جزء “التائه”، لم أكن أعرف بعد ما الذي سيحدث ليوسف في بقية الرواية. وواصلت كتابة حكاية يحيى، التي أصبحت، بطريقة أو بأخرى، امتدادًا لحكاية يوسف.
ومع تطور الحكايات، ظهرت مفارقات بعضها يرتبط بالأفكار الرئيسية للرواية، وبعضها تفرضه طبيعة الشخصيات والظروف التي تمر بها.ولا أتذكر الآن على وجه التحديد أي المفارقات اخترتها عمدًا وأيها ظهرت أثناء الكتابة.لكنني لا أستخدم المفارقة لمجرد إرباك توقعات القارئ أو مفاجأته. أعتقد أن المفارقات جزء أصيل من الحياة الإنسانية؛ فنحن نتخذ قرارات بناءً على تصوراتنا عن العالم، ثم قد نكتشف أن النتائج جاءت مختلفة تمامًا عما توقعناه.وهذا يرتبط بأحد الأسئلة التي حاولت الرواية تناولها: إلى أي مدى نملك السيطرة على حياتنا ومصائرنا؟
في النهاية، أحاول أن أترك الحكاية تسير بطبيعتها، وأتدخل حين أرى أن هناك ما يستدعي التدخل، دون أن أفرض عليها مسارًا محددًا لمجرد الوصول إلى مفارقة مثيرة.
السؤال الثامن عشر:واجه بعض القراء صعوبة في تصنيف الشخوص هنا بين “أخيار” و”أشرار”، هل تعمدت محو هذه الحدود تماماً لتقديم رؤية واقعية عن بشر يتأرجحون في مناطق رمادية؟
أعتقد أن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن نختزله في وصفه بالشرير الخالص أو الطيب الخالص.البشر ليسوا ملائكة، كما أنهم ليسوا شياطين. كل إنسان يحمل داخله قدرًا من الخير وقدرًا من الشر، ويختلف الأمر بحسب أي الجانبين يتغلب على الآخر، ومدى قدرة الإنسان على كبح النزعات التي قد تدفعه إلى إيذاء الآخرين.وهناك عامل آخر أراه مهمًا، وهو أن المنظومة الأخلاقية لكل إنسان تختلف عن غيره، فما يعتبره شخص مقبولًا قد يراه آخر مرفوضًا تمامًا.بل إن امتلاك الإنسان لمنظومة أخلاقية معينة لا يعني بالضرورة قدرته الدائمة على الالتزام بها. فهذه القدرة تختلف من شخص لآخر، وقد تختلف لدى الشخص نفسه باختلاف الظروف التي يمر بها وحالته النفسية.قد يرتكب الإنسان فعلًا يتعارض مع مبادئه، وقد يتصرف بطريقة لم يكن يتصور يومًا أنه سيتصرف بها.لذلك لا أحب اختزال الشخصيات الروائية في تصنيفات أخلاقية قاطعة. أحاول بناء كل شخصية بتكوينها النفسي والفكري، ثم أتركها تتصرف وفقًا لطبيعتها والظروف التي تواجهها.وأرى أن الإنسان في النهاية يتحمل نتائج أفعاله وقراراته، لكن لا يمكننا إصدار حكم قاطع عليه دون أن نفهم الظروف التي شكلت شخصيته، والدوافع التي حكمت تصرفاته، ومدى حريته الفعلية في اتخاذ قراراته.فهم دوافع الإنسان لا يعني تبرير أفعاله، كما أن تحميله مسؤولية أفعاله لا يعني أننا فهمنا كل ما دفعه إليها.لم أتعمد محو الحدود بين الخير والشر، وإنما حاولت تقديم الشخصيات كما أرى البشر في الواقع، كائنات معقدة، تحمل تناقضاتها داخلها، وقد يتغلب أحد جوانبها على الآخر في لحظة معينة.
وأفضل أن أترك للقارئ حرية الحكم على الشخصيات وأفعالها، بدلًا من أن أقدم له أحكامًا جاهزة.
رابعًا- رواية “صدى الصمت”:
السؤال التاسع عشر:في روايتك الأخيرة، اخترت “الجزيرة المغلفة بالضباب” مسرحًا للأحداث، هذا الديكور الكلاسيكي في أدب الغموض، كيف أعدت استخدامه لخدمة قضية حديثة تخص إنسان اليوم دون الوقوع في أسر النمط التقليدي لروايات الإثارة؟
للإجابة عن هذا السؤال، أعتقد أننا بحاجة إلى العودة عدة سنوات إلى الوراء.بعد انتهائي من “على حافة الحياة”، مررت بفترة طويلة لم أتمكن خلالها من كتابة رواية جديدة. لأسباب عديدة، منها أنني وضعت الكثير من الأفكار التي كانت تشغلني في روايتي السابقة، ولم تكن هناك فكرة جديدة تلح عليّ بالقدر الكافي.لكن السبب الآخر كان شعوري بالإحباط من ضعف الإقبال على رواياتي بشكل عام.مررت بفترة لم أعد أرغب فيها بالكتابة، وكنت أتساءل عن جدوى الاستمرار ما دام لا يوجد من يقرأ. لكنني بعد فترة شعرت مجددًا بحاجتي الملحة إلى الكتابة، وقررت أن أكتب لأنني أريد الكتابة، ولتكن النتيجة ما تكون.شعرتُ لسنوات أن حكاية مالك لم تنتهِ بعد، ولكني لم أمسك وقتها بالفكرة المناسبة.
خلال تلك السنوات خضت محاولات عديدة للبدء في روايات جديدة لم يحالفها النجاح، لأسباب مختلفة: أحيانًا لا تعجبني الفكرة، وأحيانًا أشعر أن الفكرة لا تحتاج إلى رواية كاملة لتناولها، وأحيانًا أعجز عن العثور على القالب المناسب لها.وخلال تلك الفترة، قضيت وقتًا طويلًا أحاول فهم ما ينقص أعمالي حتى تلقى قبولًا أوسع لدى القراء. كنت أبحث عن معادلة تجمع بين حكاية جذابة ومثيرة، وفكرة عميقة تستحق الكتابة.لكن بعض المحاولات فشلت تمامًا، وأدركت أنني كنت أحاول كتابة أشياء بعيدة عن طبيعتي ككاتب.عندها غيرت طريقة تفكيري، وبدأت أعود إلى أعمالي السابقة، وأحللها بحثًا عن القواسم المشتركة بينها، وعن الأشياء التي تميز تجربتي. لم أكن أجهل نوع الكتابة الذي يستهويني، لكن القدرة على تحديد خصائصه وتسميتها جعلت الصورة أكثر وضوحًا في ذهني.وكانت لدي بالفعل، منذ عام أو أكثر، ملاحظات كتبتها لنفسي عن الشكل الذي أريده لروايتي التالية، وهي ملاحظات اقتربت كثيرًا مما أصبحت عليه “صدى الصمت”.ثم جاءتني فكرة أولية مبهمة، فتركتها أكثر من ثلاثة أشهر تنضج في ذهني، قبل أن أبدأ تصور لقاء مالك ويحيى: أين يمكن أن يلتقي هذان الشخصان، وما الظروف التي قد تجمعهما؟ومن هنا بدأت الفكرة تتطور تدريجيًا.وللمرة الأولى، قررت ألا أبدأ كتابة الرواية قبل الانتهاء من تخطيطها. وضعت بناءها العام، وقسمتها إلى ثلاثة أجزاء، وحددت طريقة السرد ومسارات تطور الأحداث، وجمعت التفاصيل والمعلومات التي قد أحتاج إليها.أما اختيار الجزيرة، فلم يكن لمجرد توفير بيئة مناسبة لرواية غموض، وإنْ كانت تؤدي هذه الوظيفة بطبيعة الحال.لقد أردت أن تكون جزيرة أردين مرآة للعالم الداخلي لمالك ويحيى.
فالضباب يعبر عن التشوش الذي يعيشه كل منهما، وعن عدم قدرته على رؤية حقيقته بوضوح، والعزلة الجغرافية تعكس العزلة التي يفرضها كل منهما على نفسه، بينما يرمز بُعد الجزيرة عن العالم إلى المسافة التي وضعها البطلان بينهما وبين الآخرين.وهكذا لم تكن الجزيرة مجرد مسرح تجري عليه الأحداث، وإنما أصبحت جزءًا من التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات.
كنت أريد رواية تجمع بين الغموض والتشويق والعمق النفسي والفلسفي، دون أن يكون أحد هذه العناصر على حساب الآخر. وأعتقد أن اختيار المكان كان جزءًا أساسيًا من محاولتي تحقيق ذلك.أنا بطبيعتي أحب التنظيم، لكنني في الكتابة كنت أتصرف بشيء من العشوائية، أو على الأقل أترك الحكاية تتشكل أثناء كتابتها.
في “صدى الصمت” وجدت أن التخطيط المسبق ساعدني كثيرًا، دون أن يقيد حريتي أو حرية الشخصيات.صحيح أنني حددت مسبقًا البناء العام للرواية، وكيف ينبغي أن يتطور كل جزء، والوتيرة التي يجب أن يسير بها، لكن هذا لا يعني أنني كنت أعرف جميع الأحداث قبل كتابتها.كنت أعرف الاتجاه العام، لكنني تركت التفاصيل تتشكل أثناء الكتابة، وتركت الشخصيات تتصرف وفقًا لطبيعتها.ولا ننسى أنني هنا أتعامل مع شخصيات أعرفها بالفعل كأصدقاء قدامى، فمالك ويحيى ليسا شخصيتين أكتشفهما للمرة الأولى، بل لكل منهما عالمه وتاريخه وتكوينه النفسي الذي أعرفه جيدًا.وهكذا استطعت الجمع بين التنظيم المسبق وحرية الحكاية في التطور، وهي تجربة مختلفة عن تجاربي الروائية السابقة، وأعتقد أنها أفادتني كثيرًا.
السؤال العشرون:عنوان الرواية يجمع بين نقيضين “صدى” و”الصمت”، كيف يعبر هذا التناقض عن حركة الشخوص داخل الجزيرة؟ هل الصمت هنا أداة حماية أم سلاح يُستخدم لمعاقبة الآخر؟
عنوان “صدى الصمت” من العناوين التي جاءتني في مرحلة مبكرة جدًا من التفكير في الرواية.عندما خطر لي العنوان بدا لي جذابًا، ويعبر بدقة عن الرواية.ابتعد مالك عن العالم الذي أصبح يراه جنونيًا، ولجأ إلى صمت الجزيرة وعزلتها. لم يكن يريد فقط الابتعاد عن آلام الماضي، وإنما أراد أيضًا تجنب حمل المزيد من الذكريات المؤلمة. فمالك، بذاكرته الاستثنائية، لا يستطيع التخلص مما عاشه، لكنه يستطيع محاولة حماية نفسه من تجارب جديدة قد تضيف إلى معاناته.وكان هناك دافع آخر أكثر خصوصية، فقد أراد الابتعاد عن ابنته صوفيا، هربًا من الألم الذي يعتصره كلما زارها وشعر بأنه أصبح غريبًا في حياتها.
أما يحيى، فلم يكن يعرف حقيقة ما يبحث عنه. أخبر مالك بأنه سأم الضجيج وأراد التغيير، وقد جذبه إعلان الجزيرة: “إذا لم تكن تخشى الصمت، فهذا المكان يناسبك”.لكن يحيى كان يحتاج في الحقيقة إلى مكان يشعر فيه بالانتماء، دون أن يكون مدركًا تمامًا لهذه الحاجة. ولذلك جاءت زيارته للجزيرة باعتبارها تجربة جديدة، ربما يجد فيها شيئًا يفتقده.وهكذا وصل الاثنان إلى المكان نفسه بدوافع مختلفة.لكن المفارقة أن الصمت الذي لجآ إليه لم يكن صمتًا كاملًا.فقد كان للصمت الخارجي صدى داخل كل منهما. عندما ابتعدا عن ضجيج العالم، وجدا نفسيهما أمام أفكارهما وذكرياتهما وأسئلتهما المؤجلة.
الأفكار التي حاولا الهروب منها، أو التي عجزا عن فهمها وسط ضجيج الحياة، أصبحت أكثر حضورًا في عزلتهما.لم يكن الصمت في الرواية مجرد أداة للحماية، ولا سلاحًا لمعاقبة الآخرين، وإنما أصبح مساحة للمواجهة مع الذات.وهذه هي المفارقة التي أردت التعبير عنها بالعنوان، فقد ذهب الاثنان إلى الجزيرة بحثًا عن الصمت، لكنهما اكتشفا أن لهذا الصمت صدى قد يكون أعلى من كل الضجيج الذي تركاه وراءهما.
السؤال الحادي والعشرون:تقاطع الذاكرة مع الهاوية فكرة مركزية في العمل، كيف تعاملت مع خط الزمن؟ هل يتحرك السرد بشكل خطي صاعد، أم أن الماضي يقتحم الحاضر ليشوهه ويعيد ترتيبه؟
في “صدى الصمت” حرصت على ألا أعود كثيرًا إلى الماضي، إلا بالقدر الضروري لفهم الشخصيات ودوافعها.فالرواية تتحرك أساسًا في الحاضر، والشخصيات تعيش أحداثًا جديدة، ولم أرد أن تتحول الحكاية إلى استعادة مستمرة لما حدث في الروايتين السابقتين.لكن هذا لا يعني غياب الماضي، بل على العكس، فهو حاضر بقوة من خلال تأثيره في الشخصيات وتصرفاتها.
أعتقد أن الإنسان لا يستطيع الانفصال تمامًا عن ماضيه؛ فتجاربه السابقة تترك آثارها في تكوينه النفسي، وتؤثر في قراراته ونظرته إلى العالم، سواء كان واعيًا بهذا التأثير أو لم يكن.وهذا واضح في حالتي مالك ويحيى، وإن اختلفت طبيعة ذاكرة كل منهما وطريقة تعامله مع تجاربه السابقة.لم أكن أريد أن أجعل الماضي يقتحم السرد باستمرار، وإنما أن يظهر تأثيره بصورة طبيعية في الحاضر، من خلال تصرفات الشخصيات وحواراتها وصراعاتها الداخلية.وربما يمكن القول إن الماضي في هذه الرواية لا يحضر دائمًا بوصفه ذكرى تُروى، وإنما بوصفه صدى يستمر في التأثير في حياة الشخصيات، حتى عندما تعتقد أنها تجاوزته.
السؤال الثاني والعشرون:الغموض النفسي يتطلب كشفًا تدريجيًا للمعلومات، كيف حسبت المقادير الدقيقة لما تبوح به في كل فصل وما تؤجله، لضمان ألا تسبق عين القارئ ذكاء النص؟
في “صدى الصمت” تعاملت مع الغموض بصورة واعية ومخططة منذ البداية، لأنه أحد العناصر الأساسية التي تقوم عليها الرواية.حددت بدقة متى ينبغي إظهار بعض التفاصيل والمعلومات، وما الذي يجب تأجيل الكشف عنه، حتى يظل الغموض حاضرًا ويتطور مع الأحداث وصولًا إلى اللحظة المناسبة.لكنني كنت أتعامل أيضًا مع نوع آخر من الغموض، يتعلق بالشخصيات نفسها، وما تجهله عن دوافعها وحقيقتها.وهنا حرصت على أن ينشأ الفهم الذاتي بصورة تدريجية، من خلال تطور الأحداث والتجارب التي يمر بها مالك ويحيى، حتى يصل كل منهما إلى لحظة المواجهة الأخيرة، ويصبح أكثر قدرة على فهم نفسه.وهكذا كنت أعمل على مستويين متوازيين: الأول يتعلق بكشف أسرار الحكاية للقارئ، والثاني يتعلق بما تكتشفه الشخصيات عن نفسها.ولم أرد أن يطغى أحد المستويين على الآخر، فالغموض الخارجي مهم لجاذبية الرواية وتشويقها، لكن الغموض الداخلي هو الذي يمنح الأحداث بعدها النفسي.
أما مسألة أن يسبق القارئ ذكاء النص، فلم أتعامل معها باعتبارها منافسة بين المؤلف والقارئ، وإنما حاولت تنظيم ظهور المعلومات بحيث يظل الكشف عنها جزءًا طبيعيًا من تطور الحكاية، لا مجرد وسيلة لصناعة المفاجآت.
السؤال الثالث والعشرون:يرى بعض النقاد أن أدب الغموض يركز على “الحبكة” على حساب “العمق الإنساني”، كيف دحضت هذه الفكرة في الرواية؟ وكيف جعلت من اللغز الخارجي مجرد مرآة للأزمات الروحية العميقة لأبطالك؟
في الحقيقة، لم أنطلق من فكرة أن الغموض الخارجي ينبغي أن يكون مجرد مرآة للأزمات النفسية والوجودية للشخصيات، ولم أرد أن يكون أحد المسارين تابعًا للآخر.أردتُ كتابة رواية تجمع بين الغموض والتشويق والعمق النفسي والفلسفي، مع منح كل جانب الاهتمام الذي يستحقه.ورغم أنني خططت للبناء العام لـ “صدى الصمت” قبل البدء في كتابتها، فإن الكثير من تفاصيل الأحداث لم تكن معروفة لي مسبقًا، وكان هذا الجانب تحديدًا مما تركته يتشكل أثناء الكتابة.
اهتممت بالغموض وتفاصيله وتطور الحبكة وكأنني أكتب رواية غموض خالصة، واهتممت بمالك ويحيى وأزماتهما النفسية والوجودية أثناء تعاملهما مع الأحداث وكأنني أكتب رواية وجودية خالصة.لم أكن أريد التضحية بأحد الجانبين لمصلحة الآخر، أو أن يتحول الغموض إلى مجرد وسيلة لطرح الأفكار الفلسفية، أو تصبح الشخصيات مجرد أدوات لتحريك الحبكة.حاولت أن أمنح كلًا منهما مساحته، وأن ينشأ التفاعل بينهما بصورة طبيعية مع تطور الحكاية.وقد احتفظت بالبناء العام الذي خططت له، لكنني لم ألتزم بالخطة بصورة جامدة. ففي مرحلة من الكتابة شعرت أن وتيرة الأحداث ينبغي أن تتسارع في تلك اللحظة، لا في المرحلة اللاحقة التي كنت قد حددتها مسبقًا، فعدلت الإيقاع وفقًا لما شعرت أن الحكاية تحتاج إليه.
أما هل نجحت في تحقيق التوازن بين الغموض والعمق النفسي والفلسفي، فلا أعرف يقينًا. ربما يرى بعض القراء أن أحد الجانبين طغى على الآخر.لكنني لا أعتقد أن هناك تعارضًا ضروريًا بين أدب الغموض والعمق الإنساني. ويمكن للرواية أن تقدم حكاية مثيرة وتتناول في الوقت نفسه أسئلة إنسانية معقدة، دون أن يكون أحد الأمرين على حساب الآخر.هذا ما حاولت تحقيقه في “صدى الصمت”، وأترك الحكم على مدى نجاحي للقارئ.
السؤال الرابع والعشرون:الضباب في الرواية ليس مجرد طقس، بل يبدو كأنه شخصية إضافية تحجب الرؤية، ما الذي أردت إخفاءه عن الشخوص وعن القارئ من خلال هذا العنصر البصري؟
منذ البداية، أردت أن تكون جزيرة أردين أحد أبطال الرواية، لا مجرد مسرح تجري عليه الأحداث. ولهذا اخترت طبيعتها وتفاصيلها بعناية، بحيث تعكس شيئًا من العالم الداخلي لمالك ويحيى.أما الضباب، فأردت أن يعبر عن حالة يعيشها الإنسان بصورة أعمق مما قد يتصور.فأنت تعيش مع نفسك طوال الوقت، منذ ولادتك وحتى موتك، ومع ذلك قد تفشل في فهم نفسك ودوافعك، وقد تعجز عن رؤية ما بداخلك بوضوح.الأمر يشبه جزيرة تعرف معالمها وطرقها، لكن الضباب الذي يغطيها يحجب عنك الرؤية الواضحة. أنت تعرف ما يوجد حولك، ومع ذلك قد تتخبط وتعجز عن تحديد الطريق.
والشيء نفسه يحدث داخل عقولنا.نحن نعرف الكثير عن حياتنا وتجاربنا، لكن هذا لا يعني أننا نفهم دائمًا لماذا نتصرف بطريقة معينة، أو لماذا نشعر بما نشعر به، أو حتى ما الذي نريده حقًا.وهنا تظهر المفارقة في شخصية مالك، فهو يمتلك ذاكرة استثنائية يستطيع من خلالها استعادة تفاصيل ماضيه، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة نفسها على فهم ذلك الماضي أو إدراك تأثيره.
أما يحيى، فهو أيضًا يعاني عجزًا عن فهم جوانب من نفسه، حتى إنه لا يعرف بوضوح ما الذي يبحث عنه عندما يصل إلى الجزيرة.
لذلك لم يكن الضباب بالنسبة إليّ مجرد عنصر بصري لإضفاء الغموض أو حجب بعض التفاصيل عن القارئ، وإنما كان تعبيرًا عن التشوش الداخلي الذي تعيشه الشخصيات.فالحقيقة قد تكون موجودة أمامنا، أو حتى داخلنا، لكن وجودها لا يعني أننا قادرون على رؤيتها.وهذا ما أردت التعبير عنه من خلال الجزيرة وضبابها: أن يعيش الإنسان عمره كله مع نفسه، ثم يكتشف أنه لا يعرفها كما كان يظن.
السؤال الخامس والعشرون:بعد هذه الرحلة التي بدأت من بيئة اجتماعية واضحة المعالم، وصولاً إلى جزيرة معزولة، كيف ترى تطور نظرتك الفنية لعنصر العزلة؟ هل أصبحت العزلة بالنسبة لك هي الشرط الأساسي لفهم حقيقة الذات البشرية؟
في الحقيقة، أرى أن العزلة تربط بين أبطال رواياتي جميعًا، مهما اختلفت البيئات التي يعيشون فيها.
في “بين عالمين” فرض حازم على نفسه نوعًا من العزلة، وفي “مذكرات مالك” عاش مالك عزلة داخلية، وكذلك يحيى في “على حافة الحياة”، قبل أن نلتقي به مجددًا في “صدى الصمت”.لذلك لا أعتقد أن العزلة ظهرت في كتاباتي مع الانتقال إلى الجزيرة، وإنما كانت حاضرة منذ البداية، وإن اختلفت صورها من رواية إلى أخرى.أما عن علاقة العزلة بفهم الإنسان لنفسه، فأعتقد أننا ينبغي أن نميز أولًا بين العزلة المكانية والشعور بالوحدة.في رأيي، قد يشعر الإنسان بأشد أنواع الوحدة وهو وسط الناس والزحام، وليس بالضرورة عندما يكون في مكان منعزل.فالأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى العزلة قد لا يشعرون بالوحدة إطلاقًا عندما يكونون بمفردهم، بل ربما يشعرون بالراحة. لكن إحساسهم بالوحدة قد يتضاعف عندما يجدون أنفسهم وسط أناس لا يفهمونهم، ولا يشعرون بأنهم ينتمون إليهم.أما هل تساعد العزلة على فهم الإنسان لنفسه بصورة أفضل؟ فليس بالضرورة.أحيانًا يكون الاحتكاك بالآخرين أكثر قدرة على كشف جوانب من شخصياتنا لا نستطيع اكتشافها بالتفكير والتأمل وحدهما.فما الذي يجعلني أحب صفات معينة في شخص، وأنفر من صفات أخرى في شخص آخر؟ ولماذا أرتاح لإنسان ولا أرتاح لغيره؟ إن محاولة فهم هذه المشاعر وردود الأفعال قد تعلمني عن نفسي أكثر مما يعلمني الجلوس وحيدًا والتفكير.
ولذلك لا أرى العزلة شرطًا أساسيًا لفهم الذات، كما لا أراها عائقًا بالضرورة أمام هذا الفهم.وفي “صدى الصمت”، أصبحت العزلة جزءًا من المكان نفسه، من خلال جزيرة أردين، لكنها لم تكن شيئًا جديدًا على مالك ويحيى. لقد وصلا إليها وهما يحملان عزلتهما الداخلية بالفعل.وربما كان الاختلاف أن العزلة التي عاشاها داخل العالم أصبحت هذه المرة عالمًا يعيشان داخله.
وفي النهاية، أعتقد أن فهم الإنسان لنفسه لا يتطلب بالضرورة الابتعاد عن الآخرين، ولا الاختلاط المستمر بهم، وإنما قدرته على النظر إلى ذاته بوضوح، سواء كان وحيدًا أو وسط الناس.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.