
الصّراع الحُوثيّ-السُعوديّ وأَمن الطَاقة في الشَرق الأَوسط: مُعادلات الردّع وحُدود الاستقرار الإِقليميّ ، بقلم: د. شحادة غريب
مُقدمة:
لم يعدّ الصّراع الحُوثيّ السُعوديّ مُجرد مُواجهة عسكريّة مُرتبطة بالأَزمة اليمنيّة، بل أَصبح أَحد المُتغيرات المُؤثرة في مُعادلات الأَمن الإِقليميّ، بالنظر إلى مَوقع اليمن الجغرافيّ بالقُرب من مضيق باب المندب، وارتباط المملكة العربيّة السُعوديّة بمَنظومة إِنتاج الطاقة وتصديرها عالمياً، فالتداخل بين القُدرات العَسكريّة غير المُتكافئة، والممرات البحريّة الاستراتيجيّة، والبُنيّة التَحتيّة النفطيّة، جعل من أَمن الطاقة أَحد الأَبعاد المَركزيّة لفهم هذا الصّراع وتقدير تداعياته على الاستقرار في الشَرقِ الأَوسطِ.
وتتجاوز خُطورة هذه المُعادلة احتمالات استهداف المُنشآت النفطيّة، أو تَعطيل المِلاحة البحريّة؛ إذ تمتد إلى التأثير في تَكاليف التأمين والشحن، وتوقعات الأَسواق، وحِسابات القُوى الدّوليّة المُستهلكة للطاقة، وفي ظلِّ التصعيّد الإِقليميّ الذي شهدته المنطقة خلال عام (2026)، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم العلاقة بين الردّع العسكريّ وأَمن الإِمدادات، ومدى قُدرة الأَطراف المَعنيّة على احتواء المَخاطر دُون الانزلاق إلى مُواجهةٍ إِقليميةٍ أوسع، ومن هذا المُنطلق، تنطلق هذه الوَرقة من فَرضيّة مَفادها أنّ استقرار أَسواق الطاقة في الشرق الأوسط لا يتحدد بحجم الإنتاج والاحتياطيات وحدهما، وإِنّما يتأثر أيضاً بقُدرة الدّول على حمايّة البُنيّة التحتيّة، وتأمين طُرق التصدير، وإِدارة التهديدات العَابرة للحُدود.
أولاً: الصِّراع الحُوثيّ السُعوديّ وتَحولات مُعادلة الردّع:
تَتسم المُواجهة الحُوثيّة السُعوديّة باختلال واضح في مَوازين المَوارد العَسكريّة والاقتصاديّة، لكنها تكشف في الوقتِ نفسهِ عن حُدود تحويل التفوق العسكريّ التقليديّ إلى ضمانة مُطلقة للأَمن، فالمَملكة تمتلك قُدرات دفاعيّة مُتقدمة وموارد اقتصاديّة كبيرة، في حين يَعتمد الحُوثيون على نمط من الحرب غير المُتكافئة، يُوظف الصواريخ، والطائرات المُسيّرة، والتهديدات البَحريّة لرفع كُلفة المُواجهة على خَصمهِ.
وتَكمن الأَهميّة الاستراتيجيّة لهذا النمط في أنّ الطرف الأقل امتلاكاً للموارد قد يَستطيع إِحداث تأثير يتجاوز قُدراته الماديّة، من خلال استهداف نقاط حساسة في منظومة الأَمن والاقتصاد، فمُجرد ارتفاع احتمالات تَعرض مُنشأة نفطيّة، أو ميناء تجاريّ لهُجوم قد يَدفع شَركات الشحن والتأمين إلى تعديل حساباتها، حتى قبل وُقوع أَضرار ماديّة واسعة.
وبذلك، لا يُقاس الردع فقط بعدد الأَسلحة، أو حَجم الإِنفاق الدّفاعيّ، بل بمدى القُدرة على منع الهجمات، واحتواء آثارها، وإِقناع الخَصم بأنّ المَكاسب المُتوقعة من التصعيد لا تُبرر تكاليفه، وفي المُقابل، قد يُؤديّ الاعتماد المُفرط على الردّ العَسكريّ إلى دورة مُتبادلة من الهجمات والانتقام، بما يُضعف فُرص التسويّة ويزيد هشاشة البيئة الأَمنيّة.
وتكشف التَطورات الراهنة عن تداخل مُتزايد بين الساحة اليمنيّة والتوترات الإِقليميّة الأَوسع، الأَمر الذي يجعل الفصل بين الحسابات المحليّة والاعتبارات الجيُوسياسيّة الإِقليميّة أمراً أَكثر صُعوبة، ومع ذلك، فإنّ تفسير سُلوك الحُوثيين باعتبارهِ امتداداً آلياً لإِرادة خارجيّة يتجاهل خُصوصيّة حساباتهم المَحليّة؛ فالدعم الإِيرانيّ عامل مُهم في ميزان القُوّة، لكنه لا يلغي بالضرورة استقلاليّة جميع قَرارات الحركة وأَولوياتها.
ثانياً: أَمن الطَاقة بين المُنشآت النِفطيّة والمَمرات البَحريّة:
تَنبع الأَهميّة الاستراتيجيّة للصّراع من موقعهِ عند تقاطع اثنين من أَهم عناصر مَنظومة الطاقة: البُنيّة التَحتيّة للإِنتاج والتصدير، والممرات البحريّة التي تنقل النفط والغاز إلى الأَسواق العالميّة، فالسُعوديّة ليست مُجرد دولة مُنتجة للنفط، بل تُمثل أَحد المراكز الرئيسيّة في سُوق الطاقة العالميّة، وتُؤثر قُدرتها على مُواصلة الإِنتاج والتصدير في توقعات العرض والأَسعار، ولذلك، فإنّ استهداف المُنشآت النفطيّة، أو مَرافق المُعالجة والتخزين، أو الموانئ قد يفضي إلى تَداعيّات تتجاوز الخسائر المُباشرة، لتطال الثقة في مَوثوقيّة الإِمدادات واستقرار الأَسواق.
أَمّا البُعد البحريّ، فيتجسد بصُورة خاصة في مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأَحمر بخليج عدن والمُحيط الهنديّ، ويُشكل ممراً مُهماً لحركة التجارة وشحنات الطاقة، وتُوضح إِدارة معلومات الطاقة الأَمريكيّة أنّ اضطراب هذا المضيق قد يَفرض على السفن المُتجهة بين الخليج وأوروبا تغيير مساراتها والدَوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل، كما أنّ مَسارات البحر الأَحمر تتكامل مع قناة السويس وخط أنابيب “سوميد” في حركة تِجارة النفط والغاز الدّوليّة.
وتَزداد حساسيّة هذه المسألة بسبب العلاقة بين باب المندب ومَضيق هرمز؛ فأيّ اضطراب مُتزامن في الممرين يحدّ من خيارات إِعادة توجيه الإمدادات، ويَزيد الضُغوط على الدول المُستوردة والمُنتجة على حدِّ سواء، ومن ثُمّ، فإنّ أَمن الطاقة لا يَرتبط بممر مُنفرد، بل بقُدرة الشبكة الإِقليميّة المُتكاملة على الاستمرار في العمل عند تعرض أَحد مُكوناتها للتهديد.
ثالثاً: التَداعيّات الاقتصاديّة للصِّراع على أَسواقِ الطَاقةِ:
لا تَنتقل المَخاطر الأَمنيّة إلى أَسواق الطاقة بصورة آلية، أو مُتطابقة، وإِنما تَتحدد وفق حجم الاضطراب ومدته، والكمية المُتأثرة من الإمداداتِ، وتوافر البدائل اللُوجستيّة، ومُستوى المَخزونات، وتَوقعات المُتعاملين في الأَسواق، وفي هذا السياق، قد يُؤديّ التصعيد الحُوثيّ السُعوديّ إلى ارتفاع علاوات المَخاطر في أَسعار النفط، وزيادة أقساط التأمين البَحريّ، وارتفاع تكاليف الشَحن، خُصوصاً عندما تتزايد المَخاوف من استهداف السفن، أو تعطيل المَوانئ، وقد تتحول هذه التكاليف، إذا استمرت، إلى ضُغوط إِضافيّة على الدول المُستوردة، ولا سيما الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
وتكتسب هذه التَداعيّات أَهميّة خاصة بالنسبة إلى الدول العربيّة ذات المَوارد الماليّة المَحدودة، إذ يُمكن لارتفاع أسعار الطاقة والنقل أن يزيد تكاليف الإِنتاج والاستهلاك، ويضغط على المُوازنات العامة، ويُؤثر في مُعدلات التضخم، وفي المُقابل، قد تَستفيد بعض الدول المُصدرة من ارتفاع الأَسعار على المدى القصير، لكن هذه المكاسب تظل مَشروطة بقُدرتها على الحفاظ على الإِنتاج والوُصول إلى الأَسواق.
وتُوضح بيانات إِدارة معلومات الطاقة الأَمريكيّة أنّ تَدفقات النفط عبر باب المندب، وقناة السُويس، وخط “سوميد” شَهدت تراجعاً خلال النصف الأَول من عام (2026) مُقارنة بمُستويات عام (2023)، بالتزامن مع اضطرابات المِلاحة وتغير مسارات الشحن، ويُؤكد ذلك أنّ المَخاطر البحريّة يُمكن أن تُعيد تشكيل طُرق التجارة الفعليّة، حتى دُون إِغلاق كامل للمَمرات، وعليهِ، فإنّ التأثير الاقتصاديّ للصّراع لا يَتوقف على وُقوع هُجوم ناجح، بل يتصل أيضاً بمَدى استدامة التهديد وقُدرته على تغيير سُلوك شَركات النقل، والتأمين، والمُتعاملين في الأَسواق.
رابعاً: حُدود الردّع السُعوديّ ومُعضلة الاستقرار الإِقليميّ:
تُواجه السُعوديّة مُعضلة استراتيجيّة تَتمثل في ضَرورة حمايّة أَراضيها، ومُنشآتها، ومَصالحها الاقتصاديّة، مع تَجنب الانجرار إلى مُواجهة طَويلة تَستنزف المَوارد وتُعرقل أَولويّات التنميّة والتَحول الاقتصاديّ، فالتصعيد العَسكريّ قد يُحقق مَكاسب تَكتيكيّة مَحدودة، لكنه لا يضمن بالضَرورة إِزالة مصادر التهديد، أو مُعالجة جُذوره السياسيّة والأَمنيّة، وفي المُقابل، فإنّ الاكتفاء بالاحتواء دُون امتلاك وسائل فَعّالة للحمايّة قد يُشجع الخَصم على توسيع نطاق الضغط، لذلك، تَتطلب مُعادلة الردّع الجمع بين الدّفاع الجويّ مُتعدد الطَبقات، والإِنذار المُبكر، وحمايّة المُنشآت الحيويّة، وتبادل المَعلومات، وتَعزيز قُدرة البُنيّة التَحتيّة على مُواصلة العَمل بعد التَعرض للاضطرابات.
لكن المُقاربة الأَمنيّة وَحدها تظلّ غير كافيّة؛ لأنّ استمرار الانقسام اليمنيّ وغِياب تَسويّة سياسيّة مُستدامة يُوفران بيئة قابلة لتجدد التصعيّد، كما أنّ اتساع نِطاق التنافس الإِقليميّ قد يُحول الساحة اليمنيّة إلى مَساحة لتبادل الرسائل الاستراتيجيّة بين أَطراف مُتعددة، بما يَزيد احتمالات سُوء التقدير وتداخل الأَهداف، ومن هُنا، يَرتبط الاستقرار الإِقليميّ بقُدرة الأَطراف على إنشاء قنوات اتصال فعّالة، وتحديد قَواعد واضحة لخفض التصعيد، ودعم المَسارات السياسيّة التي تُعالج النّزاع اليمنيّ دُون تجاهل المَخاوف الأَمنيّة المَشروعة للدول المُجاورة.
خامساً: نَحو مُقاربة مُتكاملة لأَمنِ الطَاقةِ:
تَقتضي مُواجهة المَخاطر الناجمة عن الصّراع الحُوثيّ-السُعوديّ الانتقال من مَفهوم حمايّة المُنشآت مُنفردة إلى مفهوم أوسع يقوم على مرونة منظومة الطاقة بأَكملها، ويَشمل ذلك تنويع طُرق التصدير، وتطوير بدائل النقل والتخزين، ورفع مُستوى حمايّة المَوانئ وخُطوط الأَنابيب، وتعزيز التنسيق بين الدول المُنتجة والمَستوردة.
كما يَتطلب الأَمر بناء آليات إِقليميّة لتَبادل المَعلومات بشأنّ التَهديدات البحريّة، وتنسيق الاستجابة للحوادث، وحماية حُريّة المِلاحة وفق قواعد القانون الدّوليّ، وينبغي أن تَتكامل هذه الإِجراءات مع الدّبلوماسيّة الوِقائيّة، بحيث لا تتحول تَرتيبات الأَمن البحريّ إلى بديل عن التَسويّة السياسيّة، ولا تُصبح الاستجابات العَسكريّة سَبباً في توسيع دائرة الصّراع.
وعلى المُستوى الدّوليّ، تظلّ الشَراكات بين الدول المُنتجة للطاقة والقُوى المُستهلكة ضروريّة لتقليل آثار الاضطرابات، عبر تنسيق سياسات المَخزونات، وتحسين الشَفافيّة بشأنّ الإِمدادات، وتطوير خِطط الطوارئ، غير أنّ هذه التدابير لا تُلغي المَخاطر، بل تَحدّ من قُدرة الصدّمات الأَمنيّة على التَحول إلى أَزمات اقتصاديّة مُمتدة.
خَاتمة:
يَكشف الصّراع الحُوثيّ-السُعوديّ عن تَحول جَوهريّ في طبيعة التهديدات التي تُواجه أَمن الطاقة في الشرق الأوسط؛ إذ لم تعدّ المَخاطر مَحصورة في الحُروب التقليديّة، أو الانقطاعات المُباشرة للإِنتاج، بل أَصبحت تَشمل التهديدات غير المُتكافئة، واضطراب المَمرات البَحريّة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع الثقة في استمراريّة الإِمدادات.
وتَتمثل المُعضلة الأَساسيّة في أنّ التفوق العَسكريّ لا يَضمن وَحده استقرار مَنظومة الطاقة، كما أنّ تَنويع طُرق التصدير لا يُوفر حمايّة كَاملة إذا تزامنت التهديدات في أكثر من ممر استراتيجيّ، ولذلك، فإنّ تَحقيق الاستقرار يَتطلب الجَمع بين الردّع الدّفاعيّ، والمُرونة الاقتصاديّة، والتَعاون البَحريّ، والتَسويّة السياسيّة.
وفي المُحصلة، لن يَتحدد مُستقبل أَمن الطاقة في الشرق الأَوسط بقُدرة الأَطراف على توجيه الضربات، أو امتصاصها فحسب، بل بقُدرتها على منع تحول الصّراع إلى تهديد مُستدام لشبكات الإِنتاج، والتصدير، والتجارة، فاستقرار الطَاقة ليس نَتيجة للقُوّة العَسكريّة وَحدها، وإِنّما حصيلة تفاعل الأَمن، والسياسة، والاقتصاد، وقُدرة دُول المنطقة على إدارةِ تناقضاتها ضمن إِطار يَمنع التصعيد من التحول إلى أَزمة إِقليميّة ودَوليّة مَفتوحة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.