8:39 مساءً / 20 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

حين يخفت البريق وتختل معايير النخبة ، بقلم : محمد علوش

حين يخفت البريق وتختل معايير النخبة ، بقلم : محمد علوش

لم تكن الثقافة الفلسطينية، في مراحل ازدهارها، مجرد إنتاج أدبي أو نشاط فني أو حضور في الأمسيات والندوات، بل كانت جزءاً من معركة الوعي الوطني، ووسيلة للدفاع عن الوجود والهوية والذاكرة، ومجالاً لطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية والمنفى والوطن والعدالة والإنسان، وكان للمشهد الثقافي بريقه الخاص، وللكلمة مكانتها، وللكاتب والشاعر والمفكر حضور يتجاوز ما ينتجونه إلى ما يمثلونه في الوعي العام، ولم يكن المثقف بالضرورة صاحب سلطة أو مال، لكنه كان يمتلك قدرة على التأثير، وإثارة الأسئلة، وصناعة المعنى، ومقاومة الرداءة.


فأين ذهب ذلك البريق؟ وهل نحن أمام تراجع عابر، أم أن الثقافة الفلسطينية تعيش أزمة أعمق تمس بنيتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع؟ ثم كيف تبدلت مكانة المثقف، وما الذي أصاب المعايير التي تحدد من يستحق أن يكون في موقع النخبة الثقافية؟


ليس من الإنصاف القول إن الثقافة الفلسطينية انهارت كلياً، أو إن الحاضر خلا من المبدعين والمجتهدين وأصحاب المشاريع الفكرية والإبداعية، فما زالت هناك تجارب شعرية وروائية ونقدية وفنية جديرة بالاهتمام، وما زال الفلسطيني ينتج ثقافته تحت الاحتلال والحصار والتهجير، وفي ظروف مادية ومؤسسية قاسية، غير أن استمرار الإبداع الفردي لا ينفي وجود أزمة في المشهد العام، تتجلى في ضعف النقد، وتراجع القراءة، وانحسار النقاش الفكري، واختلال العلاقة بين القيمة الإبداعية والاعتراف العام.


إن التمييز بين الإنتاج الثقافي والمشهد الثقافي ضروري لفهم طبيعة الأزمة؛ فقد يستمر المبدعون في الكتابة والإنتاج، بينما تتراجع المؤسسات والفضاءات القادرة على احتضان أعمالهم، وتقديمها للجمهور، وإخضاعها للنقاش والتقييم، ومن هنا، لا يتعلق السؤال بوجود الثقافة الفلسطينية من عدمه، بل بقدرتها على التأثير والتجدد وصناعة حضور يتناسب مع طاقاتها الإبداعية.


لقد تغيّرت الشروط التي تشكّل في ظلها المشهد الثقافي الفلسطيني، فقد كانت القصيدة والرواية والمقالة الفكرية والكتاب والمجلة الثقافية والندوة فضاءات أساسية لتكوين الوعي العام، وكانت الأسماء تتقدم عبر تراكم التجربة والاشتباك مع قضايا المجتمع، أما اليوم، فقد تراجعت بعض هذه الفضاءات، وضعفت مؤسسات النشر والتوزيع، وانكمشت منابر ثقافية جادة، فيما بات الحضور العام يتأثر، بدرجات متفاوتة، بمنطق السرعة والانتشار والتفاعل الرقمي، ولم تعد القيمة المعرفية وحدها كافية لضمان الوصول إلى الجمهور، كما لم يعد الانتشار دليلاً على القيمة؛ فقد يحظى محتوى سطحي بانتشار واسع، بينما تمر دراسة عميقة أو تجربة إبداعية مهمة من دون نقاش يوازي أهميتها.


ومع ذلك، لا يصح تحميل التكنولوجيا مسؤولية التراجع، فهي أداة يمكن أن توسع المجال الثقافي وتتيح فرصاً جديدة للنشر والتواصل، وتكمن المشكلة في كيفية توظيفها، وفي قدرة المؤسسات والمثقفين على تطوير أدواتهم، وفي استعدادهم لمواجهة ثقافة الاستهلاك السريع بالمعرفة والبحث والإنتاج الجاد.


وتتداخل هذه التحولات مع خلل آخر يتمثل في العلاقة بين الثقافة ومراكز النفوذ السياسي والاجتماعي والمالي، فعندما تخضع بعض فرص النشر والتكريم والمشاركة لاعتبارات المحاباة أو الولاء أو العلاقات الشخصية، تتراجع عدالة التقييم، ويصبح الوصول إلى المنابر أحياناً أهم من قيمة ما يقدّم عليها، ولا يعني ذلك أن المؤسسات الممولة تفتقر بالضرورة إلى الاستقلالية، أو أن العلاقات الشخصية تفسد العمل الثقافي حكماً، بل إن المسألة تتعلق بوضوح المعايير، وشفافية الاختيار، ومدى استقلال القرار الثقافي عن المصالح الضيقة.


وحين تختل هذه المعايير، تتأثر صورة النخبة الثقافية نفسها، وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: من هم النخبة؟ وهل تكفي صفة المثقف، أو إصدار كتاب، أو نشر قصيدة، أو الظهور المتكرر في وسائل الإعلام، لكي يصبح صاحبها جزءاً من النخبة؟


إن الثقافة بطبيعتها تتسع لاختلاف المواهب والتجارب والاتجاهات، ولا يجوز إخضاع المثقفين لقالب واحد أو حصر الإبداع في معايير جامدة، لكن اتساع مفهوم المثقف لا يعني إلغاء الفوارق بين مستويات المعرفة والإبداع والتأثير، فليس كل من أصدر كتاباً مفكراً، ولا كل من كتب قصيدة شاعراً متميزاً، ولا كل من امتلك جمهوراً واسعاً صاحب مشروع ثقافي، فالحضور الإعلامي قد يلفت الانتباه، لكنه لا يعوّض ضعف المعرفة، والشهرة قد تمنح صاحبها مكاناً في التداول العام، لكنها لا تكفي وحدها لتأسيس قيمة ثقافية مستدامة.


النخبة الثقافية، في معناها الحقيقي، ليست قائمة أسماء ولا دائرة مغلقة يتبادل أفرادها الألقاب والتكريمات، بل تتشكل من أصحاب التجارب التي راكمت قيمة معرفية أو جمالية، وأسهمت في تطوير الوعي والإبداع، وامتلكت القدرة على تجاوز اللحظة الراهنة إلى أسئلة المجتمع ومستقبله، وقد يكون بعض هؤلاء بعيدين عن الأضواء، يعملون بصمت، ويتركون في الفكر والفن أثراً يتجاوز حضورهم الشخصي.


لكن النخبة ليست امتيازاً أبدياً، ولا تعني احتكار حق الكلام أو احتلال موقع متقدم في الحياة الثقافية إلى ما لا نهاية، فالمكانة تختبر باستمرار، والتجربة مهما بلغت أهميتها تظل قابلة للمراجعة، وقد يحقق كاتب إنجازاً بارزاً ثم يتوقف عن التطور، وقد يظهر صوت جديد يحمل من التجديد والجرأة ما يجعله أكثر قدرة على التعبير عن تحولات عصره، لذلك، فإن احترام التجارب السابقة لا يعني تقديس أصحابها، والاعتراف بالمنجز لا يبرر تحصينه من النقد.


وتتضح خطورة الأزمة عندما تتحول الثقافة إلى وسيلة لاكتساب الوجاهة الاجتماعية، وينشغل بعض المشتغلين بها بتثبيت صورتهم ومكانتهم أكثر من انشغالهم بتطوير أدواتهم وإنتاجهم، وعندها تتراجع الأسئلة، ويحل الاستعراض محل المعرفة، وتصبح المجاملات بديلاً من النقد، ويتحول الاختلاف الفكري إلى خصومة شخصية، وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الاعتراف الثقافي انعكاساً بالضرورة لقيمة العمل، بل قد يصبح نتيجة لتكرار الظهور أو قوة العلاقات أو القدرة على التأثير في دوائر التقييم.


ولذلك، فإن أزمة النقد من أبرز مظاهر الخلل في الحياة الثقافية، فالنقد ليس تشهيراً بالأسماء ولا تصفية للحسابات، بل ممارسة معرفية وجمالية تتيح التمييز بين التجربة الجادة والعمل العابر، وبين التجديد والتكرار، وبين الرأي المؤسس والخطابة، وبين الإبداع وإعادة إنتاج ما استهلك، ومن دون نقد مستقل ومسؤول، تفقد الثقافة إحدى أهم وسائل تجددها، وتتحول بعض المنابر إلى مساحات للإطراء المتبادل، حيث يحتفى بالأعمال من دون مساءلة حقيقية لقيمتها أو إضافتها.


ولا تنفصل هذه الاختلالات عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها الفلسطينيون، فتراجع القدرة على اقتناء الكتب، وضعف مؤسسات النشر، وضيق فرص التفرغ للكتابة والبحث، وانشغال المجتمع بتبعات الاحتلال والحروب والفقر والبطالة، كلها عوامل تحد من المشاركة الثقافية وتضعف شروط الإنتاج، كما أن الانقسام السياسي وتراجع المساحات العامة المشتركة يؤثران في قدرة الثقافة على أداء دورها بوصفها مجالاً للحوار والتعددية وإنتاج المعنى.


ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الثقافة في كونها انعكاساً سلبياً للواقع، فهي ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات، بل إحدى الأدوات التي يفهم بها المجتمع أزماته ويحمي ذاكرته ويعيد بناء قدرته على التفكير والمقاومة، ومن هنا، فإن ضعف المشهد الثقافي لا يرتبط فقط بقلة الموارد أو قسوة الظروف، بل أيضاً بقدرة المؤسسات والمثقفين على حماية استقلالية الثقافة، وتجديد وظائفها، وربطها بأسئلة المجتمع الحقيقية.


ولا يعني هذا النقد أن الماضي كان مثالياً، أو أن المشهد الثقافي الفلسطيني السابق خلا من الإقصاء والمنافسات الشخصية والاصطفافات، فالحنين قد يحجب عيوب المراحل الماضية بقدر ما تكشف المقارنة المتعجلة عيوب الحاضر، وإن ما يستحق الاستعادة ليس صورة الماضي كما نتخيلها، بل عناصر القوة التي جعلت الثقافة آنذاك قادرة على الوصول إلى الجمهور، والتأثير في الوعي، وخلق مساحات للسجال الفكري والإبداعي.


من هنا، لا تبدأ استعادة البريق بزيادة المهرجانات أو تكثير الجوائز أو توسيع قوائم الأسماء المكرّمة، وإن كانت هذه الأنشطة مهمة حين تستند إلى معايير واضحة، والبداية الحقيقية تكون بإعادة الاعتبار للكتاب والقراءة والبحث والنقد، وبناء مؤسسات مستقلة وشفافة، وتوفير فرص عادلة للأجيال الجديدة، وتوسيع إمكانات النشر والتوزيع، وإقامة علاقة حية بين الثقافة والجمهور، كما تتطلب مراجعة داخلية شجاعة تميّز بين احترام الرموز التاريخية وتحويلها إلى مرجعيات لا تناقش، وبين تقدير المنجز القديم وفتح المجال أمام التجارب الجديدة.


والأهم أن تستعيد الثقافة قدرتها على طرح الأسئلة التي قد تكون غير مريحة، وأن تحرر نفسها من الخوف من الاختلاف ومن إغراء التوافق الشكلي، فالمثقف لا يقاس بمدى انسجامه مع السائد، ولا بقدرته على إرضاء المؤسسات والجمهور، بل بجدية معرفته، وأصالة إنتاجه، واستعداده للمراجعة، ومسؤوليته في التعامل مع الحقيقة والإنسان، ولا تعني هذه المسؤولية ادعاء الوصاية على المجتمع، بل المشاركة في فهمه ونقد واقعه وتوسيع أفقه.


ليس السؤال ما إذا كانت الثقافة الفلسطينية قد انهارت أم لا، بل ما الذي فقدته من شروط التأثير والتجدد، وما الذي ينبغي استعادته كي لا تبقى الطاقات الإبداعية المتفرقة عاجزة عن تشكيل مشهد ثقافي متماسك، فثمة فرق بين وجود المبدعين ووجود حركة ثقافية حية، وبين كثرة الأسماء ووجود نخبة فاعلة، وبين إقامة الأنشطة وبناء تقاليد راسخة للإنتاج والنقد والتراكم المعرفي.


الثقافة الفلسطينية لا تحتاج إلى رثاء يكرّس اليأس، ولا إلى خطاب احتفالي ينكر مواطن الخلل، بل إلى نقد شجاع يضع الأسئلة في مواضعها، ويعيد الاعتبار للمعايير، ويفتح المجال أمام المراجعة والتجديد، فالبريق الحقيقي ليس ضوءاً تسلطه المؤسسات على أسماء بعينها، بل أثر يتركه الفكر في الوعي، والفن في الوجدان، والكلمة في قدرة الإنسان على فهم نفسه وعالمه، وعندها فقط يصبح سؤال النخبة أكثر جدوى: ليس من يحمل اللقب أو يحتل المنبر، بل من يضيف إلى الثقافة الفلسطينية معرفة جديدة، أو أفقاً جمالياً مختلفاً، أو قدرة أعمق على فهم الإنسان والوطن، فالنخبة لا تصنعها الألقاب، ولا تحميها العلاقات، بل يمنحها المجتمع مكانتها بقدر ما يجد في إنتاجها قيمة تستحق البقاء.

شاهد أيضاً

إطلاق الملتقى الفلسطيني لخريجي الجامعات المغربية لتعزيز الروابط الإنسانية والتعاون الأكاديمي والثقافي

إطلاق الملتقى الفلسطيني لخريجي الجامعات المغربية لتعزيز الروابط الإنسانية والتعاون الأكاديمي والثقافي

شفا – أُطلق، اليوم الثلاثاء، في مقر منظمة التحرير الفلسطينية بمدينة رام الله، الملتقى الفلسطيني …