11:28 صباحًا / 18 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

الأمم المتحدة… وما أدراك ما الأمم المتحدة ، بقلم : أحمد سليمان

الأمم المتحدة… وما أدراك ما الأمم المتحدة ، بقلم : أحمد سليمان

إذا عُرضت على الأمم المتحدة مشكلة بين دولة كبرى ودولة صغرى ضاعت الدولة الصغرى.

وإذا عُرضت على الأمم المتحدة مشكلة بين دولة صغرى ودولة صغرى ضاعت الدولتان.

أما إذا عُرضت على الأمم المتحدة مشكلة بين دولة كبرى ودولة كبرى ضاعت هيئة الأمم المتحدة نفسها.

هذه ليست نكتة سياسية بقدر ما هي سخرية مريرة من واقع نظام دولي يرفع شعار المساواة بين الدول بينما تكشف الأزمات الكبرى أن المساواة على الورق شيء وموازين القوة على الأرض شيء آخر.

أُنشئت الأمم المتحدة بعد حرب عالمية مدمرة على وعد كبير. منع الحروب وحماية السلم والأمن الدوليين والدفاع عن حقوق الإنسان وإيجاد إطار تستطيع فيه الدول حل نزاعاتها بالقانون والحوار بدل المدافع والحروب.

كان الهدف أن يجد الضعيف قبل القوي مكانًا يستطيع فيه الدفاع عن حقوقه وأن يصبح القانون بديلًا عن منطق القوة. لكن بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيس الأمم المتحدة يفرض السؤال نفسه. هل استطاع النظام الدولي أن يحقق هذه المساواة فعلًا أم أن القوة بقيت صاحبة الكلمة الأعلى عندما تصل القضايا إلى لحظة القرار؟

في الجمعية العامة للأمم المتحدة تجلس الدول على أساس المساواة في التصويت. دولة كبيرة أو صغيرة لها صوت واحد. لكن عندما تنتقل القضايا المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين إلى مجلس الأمن تتغير المعادلة. هناك خمس دول دائمة العضوية تمتلك حق النقض ويكفي اعتراض دولة واحدة منها في القضايا التي ينطبق فيها هذا الحق حتى يتعطل القرار مهما كانت خطورة الأزمة.

وهنا تبدأ المفارقة.

الأمم المتحدة تستطيع عقد الجلسات وإصدار البيانات وتشكيل اللجان وإرسال المبعوثين وكتابة التقارير والتعبير عن «القلق العميق» و«القلق البالغ». لكن الشعوب التي تُقتل وتُهجّر وتُحاصر لا تحتاج إلى قاموس جديد للقلق الدولي. تحتاج إلى حماية وقرارات تجد طريقها إلى التنفيذ.

المشكلة ليست في غياب القوانين والمواثيق. العالم يملك منظومة واسعة من القواعد والمؤسسات والاتفاقيات. المشكلة تظهر عندما يأتي وقت التنفيذ وتدخل المصالح والتحالفات إلى المعادلة. عندها تصبح قدرة الأمم المتحدة على التحرك محدودة ويظهر التناقض بين المبادئ التي قامت عليها وبين واقع نظام دولي ما زالت موازين القوة تلعب فيه دورًا حاسمًا.

وفلسطين واحدة من أوضح الأمثلة على أزمة التنفيذ.

منذ عقود والقضية الفلسطينية حاضرة في أروقة الأمم المتحدة. صدرت القرارات وعُقدت الجلسات وشُكلت اللجان وكُتبت التقارير وتكررت المطالبات. تغير الأمناء العامون وتغيرت الحكومات وتعاقبت الحروب والأزمات بينما بقي السؤال الفلسطيني نفسه حاضرًا:

ما قيمة قرار تصدره الأمم المتحدة إذا لم يجد طريقه إلى التنفيذ؟

الفلسطيني لا يحتاج إلى المزيد من البيانات التي تخبره أن المجتمع الدولي يشعر بالقلق. ولا يحتاج إلى إعادة تعريف حقوقه في كل جلسة جديدة. ما يحتاجه هو أن تتحول قرارات الأمم المتحدة إلى إجراءات وأن يتحول القانون الدولي من نصوص تُقرأ في القاعات إلى قواعد تُطبق على الأرض.

فعندما يبقى القرار الدولي سنوات طويلة دون تنفيذ لا تكون المشكلة في الكلمات التي كُتبت فيه فقط. المشكلة في الرسالة التي تصل إلى الشعوب. رسالة تقول إن وجود الحق وحده لا يكفي وإن الحصول عليه قد يبقى مرتبطًا بموازين القوة والمصالح السياسية.

وهذه ليست قضية فلسطينية فقط. إنها قضية كل دولة صغيرة وكل شعب ضعيف ينظر إلى الأمم المتحدة باعتبارها الملجأ الدولي عندما تصبح موازين القوة غير متكافئة. فإذا عجزت الأمم المتحدة أمام الأقوياء فإن الخسارة لا تقع على الضحية وحدها بل تمتد إلى مصداقية النظام الدولي بأكمله.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمم المتحدة ليس أن تختلف الدول داخل قاعاتها. الاختلاف طبيعي بين الدول. الأخطر أن تفقد الشعوب ثقتها بأن قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي قادرة على حمايتها عندما تحتاج إليها.

العالم لا يحتاج إلى أمم متحدة تكتفي بتوثيق المأساة بعد وقوعها وإحصاء الضحايا وكتابة التقارير. يحتاج إلى أمم متحدة قادرة على المساهمة في منع المأساة وحماية المدنيين وجعل قراراتها ذات أثر حقيقي.

والمطلوب ليس هدم الأمم المتحدة. العالم يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى. ففي زمن تتزايد فيه الحروب والصراعات والتنافس بين القوى الكبرى يصبح وجود مؤسسة دولية تجمع الدول تحت سقف واحد ضرورة.

لكن الدفاع عن الأمم المتحدة لا يعني الدفاع عن عجزها بل يعني المطالبة بإصلاحها.

إصلاح مجلس الأمن وتوسيع النقاش حول تمثيله وطريقة عمله ومناقشة القيود على استخدام حق النقض في حالات الفظائع الجماعية وتقوية آليات تنفيذ القرارات ومنع الانتقائية في تطبيق القانون الدولي.

كما يعني أن تكون القرارات الدولية بداية للفعل وليست نهاية له. فالقرار الذي لا تتبعه آلية واضحة للتنفيذ قد يتحول مع مرور الوقت إلى شاهد على العجز بدل أن يكون أداة لتحقيق العدالة.

والقاعدة التي يجب أن تحكم النظام الدولي واضحة.

لا دولة فوق القانون ولا شعب أقل قيمة من شعب آخر ولا ينبغي أن تصبح قوة الحلفاء جواز مرور للإفلات من المساءلة.

فإما أن تكون الأمم المتحدة مظلة للجميع ويكون القانون الدولي قانونًا للكبير والصغير معًا وإما أن يبقى العالم محكومًا بمنطق القوة مهما ازدانت قاعات الأمم المتحدة بخطابات العدالة والمساواة.

وعندها نعود إلى البداية.

إذا اختلف الكبير مع الصغير ضاع الصغير.

وإذا اختلف الصغير مع الصغير ضاع الاثنان.

وإذا اختلف الكبار فيما بينهم ضاعت الأمم المتحدة.

والسؤال الأخطر ليس ماذا بقي من الأمم المتحدة؟

بل ماذا يبقى من القانون الدولي عندما تصبح الأمم المتحدة عاجزة عن تنفيذ قراراتها أمام من يملك القوة؟

  • أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني

شاهد أيضاً

مجموعة الصين للإعلام تصدر مسابقة للمذيعين

مجموعة الصين للإعلام تصدر بيانا حول حماية حقوق النشر

شفا – أصدرت مجموعة الصين للإعلام بيانا حول حماية حقوق الطبع والنشر للدورة العشرين من …