
القيادة في زمن الأزمات ، بقلم : د. عمر السلخي
دروس من التجربة الفلسطينية: لا يكفي أن تدير الأزمة… بل يجب أن تقود ما بعدها
الأزمات لا تكشف حجم المشكلة فقط، بل تكشف نوعية القيادة.
في الظروف الطبيعية يمكن للمؤسسات أن تعمل بالإجراءات والخطط التقليدية، لكن في زمن الأزمات تتسارع الأحداث، تضيق الخيارات، وترتفع كلفة الخطأ. عندها يحتاج الناس إلى قيادة تمنحهم الثقة والاتجاه والوضوح.
والتجربة الفلسطينية، بما راكمته من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية واستيطانية، تقدم دروسًا مهمة في القيادة تحت الضغط.
الأزمة تحتاج عقلية جديدة
أحد أخطر الأخطاء هو مواجهة أزمة جديدة بأدوات المرحلة السابقة.
الأزمة تحتاج إلى سرعة في القرار، ووضوح في المسؤوليات، وتكامل بين المؤسسات، واستعداد لتعديل الخطط وفق المتغيرات.
أما إدارة الواقع بالطريقة التقليدية، ثم انتظار نتائج مختلفة، فتحول الأزمة من ظرف استثنائي إلى نمط دائم من العمل.
الناس لا تريد من يشرح الأزمة فقط
في الأزمات تزداد أهمية التواصل.
المواطن يريد أن يعرف: ماذا يحدث؟ ماذا تفعل القيادة؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما المطلوب منه؟
فالشفافية ليست ترفًا إعلاميًا، لأن الفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات، ومعها تتراجع الثقة.
القيادة تظهر عندما تضيق الخيارات
لا توجد دائمًا حلول مثالية. أحيانًا تكون كل الخيارات مكلفة.
وهنا لا تكون القيادة في البحث عن قرار بلا خسائر، بل في اختيار البديل الأكثر قابلية للتحمل، وشرح أسبابه، وتحمل مسؤوليته.
كما أن الأزمات تكشف الفرق بين من يمتلك منصبًا ومن يمتلك قدرة حقيقية على القيادة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال داخل المؤسسات:
هل نضع الشخص الأكثر قدرة في المكان المناسب، أم الشخص الأكثر قربًا من المكان؟
الصمود يبدأ من المؤسسات
لا يمكن بناء الصمود بالخطاب الوطني وحده.
نحتاج إلى مؤسسات تعمل، وإدارة محلية قوية، واقتصاد قادر على الاستمرار، وخدمات عامة، وبيانات دقيقة، وحماية اجتماعية، وشبكات مجتمعية قادرة على الاستجابة.
فبناء الدولة لا يبدأ فقط عندما تتغير الظروف السياسية، بل يبدأ أيضًا من جودة الإدارة اليومية.
لا تجعل الأزمة مبررًا لتأجيل الإصلاح
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأزمة إلى مبرر لتأجيل كل شيء: الإصلاح، والتطوير، والتقييم، والتغيير.
عندها تصبح الأزمة نظامًا لإدارة التأجيل.
أما القيادة الاستراتيجية فتستخدم الأزمة لإعادة ترتيب الأولويات، وتطوير المؤسسات، واكتشاف الكفاءات، وبناء قدرة أفضل على مواجهة الأزمة القادمة.
من إدارة الاحتياج إلى هندسة القدرة
السؤال الأهم ليس فقط:
كيف نعبر الأزمة الحالية؟
بل:
كيف نبني مؤسسات ومجتمعًا أقل هشاشة أمام الأزمة القادمة؟
القيادة في زمن الأزمات ليست أن تعد الناس بأن العاصفة لن تأتي، بل أن تبني مؤسسات تستطيع العمل عندما تأتي.
الأزمات لا تصنع القيادة من الصفر؛ إنها تكشفها.
والتحدي الفلسطيني هو أن نحول خبرة الأزمات المتراكمة إلى مؤسسات أكثر مرونة، وقرار أكثر اعتمادًا على المعرفة، وقيادة أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.