
منذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة ، بقلم : غدير حميدان الزبون
صباح هذا اليوم الأيلولي أتراجعُ بعقارب الساعة عقوداً إلى الخلف، لأجدني طفلةً في الصف الثامن تسير في الأزقة الضيقة والمحتشدة بالحكايات لمخيم عايدة للاجئين في بيت لحم.
كانت تفاصيل البيوت والأرض المبتلة صيف شتاء ترسم لوحة زاهية عندما التقيتُ بعرّابتي، تلك المعلمة القادمة من بريطانيا لتدرّسنا اللغة الإنجليزية والموسيقى في المدرسة التابعة لوكالة الغوث.
بدت آنذاك في خيالي الطفولي كائناً من عالم ساحر، إذْ كنت أتأمل شعرها الذهبي الذي تلتقط قطرات الندى أطرافه، وابتسامتها الدافئة التي تتناغم مع النغمات التي تعزفها لنا.
أذكر يوم دعوتُها بشغف طفولي لتتناول الغداء في بيتنا القديم بحي “رأس أفطيس” في شارع آبار النبي داود في قلب مدينة بيت لحم حيث اختلطت رائحة أطباقنا الدافئة برائحة الحجارة العتيقة والورد الجوري المزروع على العتبات.
رافقتُها يومها بصحبة صديقتي في جولة بين أزقة بيت لحم التاريخية، ونحن نطأ الصخر العتيق بقفزات طفوليّة حتى ولجنا عتمة كنيسة المهد الساطعة. هناك أضأنا معاً شموع الأحلام، ونظرنا إلى ألسنة اللهب الصغيرة وهي تعكس في عيوننا طهر تلك الأيام.
انتهى الصيف ورحلت عرّابتي تاركة لي وعداً موثقاً بالحبر، وبعد أشهر امتدّت عامًا كريتا من الانتظار الشغوف أقبل ساعي البريد بدراجته الصدئة ليُسلمني مظروفاً جوياً كُتب عليه بخط اليد “By air mail” مزدانا بالطابع الملكي المعهود.
رفعتُ الرسالة نحو أنفي، فاستنشقتُ رائحة الورق المعتق والحبر الإنجليزي الفاخر ممتزجة برذاذ المطر، وقرأتُ سطور بطاقتها المطوية بعناية:
”Dear Ghadeer, Hi, I hope you are all well. Happy new year and may it be a peaceful one. I hope you’re studying hard as I want to come back to the West Bank next summer – so I’m sure your English is even more perfect now! I’m celebrating Christmas with my family and it’s very cold here. How is life for you, good hope? I’m afraid my Arabic hasn’t improved, my wish to return has got much greater, so hope to see you in the new year. All my love, Ruth xx”
احتضنتُ الورقة ولهثت نفسي في مونولوج يفيض حنيناً: كيف لقطعة ورقٍ أنْ تحمل هذا القدر من النبض؟
لقد كانت روحا محلّقة بيضاء من غير سوء عبرت القارات لترسو في كفي.
اليوم وبعد اثنين وثلاثين عاماً فتحتُ صندوقي الخشبي القديم أمام بناتي، واستخرجتُ منه كنوزي الدفينة المكونة من المغلف الأبيض العتيق بإنشائه الدقيق، والبطاقة المطوية، والشهادة الحمراء المزركشة الصادرة عن المؤسسة التعليمية (UNIPAL)، والشاهدة على دورة اللغة الإنجليزية لصيف عام 1995.
تحلّقت بناتي حولي بأعينٍ متسعة بالدهشة يلمسن بأناملهنّ الناعمة أطراف الورق المعتّق والأختام المذهّبة. ناديتُهنّ وأنا أعرض عليهنّ هذه الذاكرة الحية، وأقفز بها عبر الزمن لأقول: تقدّمن يا بناتي وانظرن… أعودُ اليوم إلى صديقتي وعرّابتي “روث” عبر هذه السطور، لأُريَكنَّ كيف كان الصدق يُكتب بتمهل ودفء.
هاتفكنّ يبعث مئات النصوص في ثانية لكنها تتطاير وتتلاشى بلا أثر، أما هذه البطاقة وهذا المغلف وتلك الشهادة الحمراء فقد استغرقت عاما لتصل، لكنّ صدقها عاش أكثر من ثلاثة عقود وما زال ينبض في أيدينا.
ومع إغلاق غطاء الصندوق الخشبيّ انبعث في عتمة الغرفة صريرٌ حادٌّ لأنين زمنٍ كاملٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة.
في تلك اللحظة بالذات انثال في صدري يقينٌ صادمٌ وموجع، وأدركتُ المضمون الحقيقيّ والعميق لتلك العبارة التي طالما تردّدت في داخلي: منذ أنْ رحل ساعي البريد لم تعد هناك رسالةٌ صادقة.
لقد غابت خطى ذلك الرجل النبيل في أزقة النسيان المعتمة، واختفت معه طقوسُ الشوقِ اللذيذة لتستحيلَ مشاعرُ العالم إلى أضواء شاشاتٍ باردة تضخُّ حروفاً مجردةً من الروح والحرارة.
غير أنّ رسالة “روث” أبت أنْ تخضع لقوانين الفناء.
كانت تقفُ الساعةَ بين يديّ مثل حارسٍ عتيقٍ يقاوم اندثار الذاكرة على تخوم التاريخ شاهدةً أخيرةً ومجيدة على عصرٍ كان فيه الصدقُ أمانةً مقدسةً تُحمَل على الكاهل، ويُختَمُ بنبض القلب قبل حبر الطوابع، ويُورَّث للأبناء كأغلى تعويذةٍ روحيةٍ يخبئها الزمانُ بين طياته.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.