
بلاغة الصمت وذاكرة الغياب: سيمياء المسكوت عنه في «صمت الغياب» لوفاء شاهر داري ، بقلم : الاستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي
لا يتأسس الصمت في «صمت الغياب» لوفاء شاهر داري على غياب الكلام، وإنما يتحول إلى نظام دلالي موازٍ للكلام، تتشكل داخله المعاني المؤجلة، والذكريات المنكسرة، والأسئلة التي يعجز الخطاب المباشر عن استيعابها. ومن هنا تبدو ثنائية الصمت/الكلام إحدى العتبات المركزية التي يمكن من خلالها مقاربة الكتاب؛ فالصمت ليس فراغًا لغويًا، ولا عجزًا عن التعبير، بل هو استراتيجية جمالية تتيح للنص أن يقول ما لا يقوله بصورة مباشرة، وأن يجعل من المسكوت عنه مجالًا مفتوحًا أمام تأويل القارئ.
وتتأكد هذه الوظيفة منذ العتبات الأولى للنص في قول الكاتبة: «أكتب لغتي بلغة لا تترجم.. أنا الرنين حين ينقلب على نفسه ويكسر الانضباط.. الكلمة التي لم تنطق لأنها فخ». فالجملة هنا لا تقدم الصمت بوصفه نقيضًا للكلمة، وإنما تعيد تعريف العلاقة بينهما؛ إذ تصبح الكلمة غير المنطوقة ذات كثافة دلالية تتجاوز حدود الملفوظ. ولفظة «فخ» ذات أهمية خاصة؛ لأنها تنقل اللغة من وظيفة الإخبار إلى وظيفة الإرباك والتوريط التأويلي، فالقارئ لا يتلقى معنى مكتملًا، وإنما يجد نفسه أمام فراغات تستدعي المشاركة في إنتاج المعنى. وبذلك يتحول البياض إلى بنية فاعلة، لا إلى مساحة محايدة بين الكلمات.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم «البياض» بوصفه علامة سيميائية؛ فهو لا يدل على غياب المعنى، بل على تعدد احتمالاته. وما يسكت عنه النص قد يكون أكثر حضورًا مما يصرح به. فالغياب، في الكتاب، لا يلغي الحضور، وإنما يعيد إنتاجه في هيئة أثر: كرسي، جدار، رائحة، ظل، فنجان، رماد، صخرة، أو ذاكرة تستعيد ما انقطع. وهنا يتشكل الغياب بوصفه حضورًا مؤجلًا، أو حضورًا لا يمكن القبض عليه إلا عبر علاماته.
وتتخذ هذه الثنائية بعدًا أكثر تعقيدًا في العلاقة بين الحضور والغياب. فالغائب لا يختفي بصورة نهائية، وإنما يتحول إلى قوة خفية تحكم وعي الذات وتعيد تشكيل علاقتها بالمكان والذاكرة. ففي نص «حين تغير وجه الصباح» تقول الكاتبة: «الكرسي وحيد.. والضحكة التي كانت تتدلّى من زواياك تجلس الآن صامتةً تسكن جهة القلب منذ أن ارتحل الظل عن جدراني». إن الكرسي هنا يتجاوز وظيفته المادية ليصبح علامة على الغائب؛ فالشيء الجامد يحتفظ بأثر الإنسان الذي كان يشغله، والجدار لا يعود جدارًا، وإنما يتحول إلى مستودع للذاكرة. أما «الظل» فيتخذ وظيفة وسيطة بين الحضور والغياب، فهو ليس الشخص ذاته، لكنه الأثر الذي يثبت أن الحضور كان موجودًا.
وبذلك تعمل الأشياء في «صمت الغياب» بوصفها ذاكرة مادية للفقد. فالكرسي، والجدار، والفنجان، والرائحة ليست تفاصيل وصفية عابرة، وإنما علامات تستدعي غائبًا لا يستطيع النص استعادته إلا من خلال الأشياء. وفي هذا السياق تكتسب عبارة «تعثرت برائحة القهوة فسقط اسمها في قلبي سهواً من حافة الفنجان» في نص «سهواً بالفنجان» أهمية دلالية؛ إذ تنتقل الذاكرة من مجال الرؤية إلى مجال الشم، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الشيء إلى الاسم. فالرائحة تستدعي الاسم، والفنجان يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الغائب. وهكذا تتأسس سلسلة سيميائية يصبح فيها المحسوس مدخلًا إلى ما هو غائب وغير مرئي.
وإذا كان الغياب الشخصي يشكل أحد مستويات التجربة، فإن النص يوسعه إلى غياب جمعي ووطني، بحيث تتجاوز الذات حدود تجربتها الفردية لتدخل في مساحة الذاكرة الفلسطينية. وهنا تتقاطع مأساة الفرد مع مأساة المكان، ويتحول الفقد الشخصي إلى صورة مصغرة لفقد أكبر. ففي «صلاة الرماد» تخاطب الكاتبة فلسطين قائلة: «يا فلسطين.. يا نبض الرماد حين يشهق بالنار، طفل يضحك للرصاص.. الحجارة على صدره زهور، فيها الدم يُصبح مداداً والألم يُرتّل حروف النشيد».
يشتغل هذا المقطع على شبكة من التحويلات المجازية المتتابعة: الرماد يصبح نبضًا، والدم يصبح مدادًا، والألم يتحول إلى نشيد، والحجارة تتحول إلى زهور. وهذه التحويلات لا تؤدي وظيفة تزيينية، وإنما تعيد بناء العلاقة بين الموت والحياة؛ فالموت لا يقدم باعتباره نهاية مطلقة، بل يتحول داخل المخيال الشعري إلى مادة لإنتاج الذاكرة والمقاومة. ومن ثم فإن «الرماد» لا يحمل دلالة الفناء وحده، بل يصبح ذاكرة قابلة للاشتعال من جديد.
ويبرز هنا مفهوم المقاومة الرمزية؛ فالنص لا يواجه الفقد بالخطاب السياسي المباشر، وإنما يحوله إلى صورة واستعارة ورمز. الطفل، والحجر، والدم، والرماد، والنشيد تتجمع لتشكيل معجم ثقافي يربط الجسد الفلسطيني بالأرض والذاكرة. وفي هذا المستوى لا تعود فلسطين مكانًا فحسب، وإنما تتحول إلى علامة ثقافية ووجدانية تختزن التاريخ والاقتلاع والحنين والمقاومة.
وتتعمق هذه الدلالة في صورة «حنظلة» في نص «ظهر لا يصافح الزمن». فاستدعاء حنظلة لا يأتي بوصفه إحالة خارجية فحسب، وإنما يستثمر الرمز بوصفه ذاكرة بصرية فلسطينية مستقرة في الوعي الجمعي. والظهر الذي يدير وجهه عن العالم يختزن مفارقة الحضور والغياب: الشخصية حاضرة بصورتها، لكنها غائبة عن المصالحة مع واقع لم يتحقق فيه شرط العودة. ومن هنا يصبح الظهر لغة بديلة للوجه، ويغدو الامتناع عن الالتفات موقفًا رمزيًا من زمن لم يستطع أن يحقق العدالة أو يعيد المفقود.
أما الموت في الكتاب فلا يظهر بوصفه حدثًا لحظيًا ينتهي بانتهاء الحياة، بل يتحول إلى حالة ممتدة في الزمن. ويتجلى ذلك بوضوح في نص «ذراع تحرس الرماد» في قولها: «من قال إن الموت لحظة؟ الموت أن تظل يدك ممدودة ولا أحد يرد.. أقيم في مهنة الحزن وأوقع شهادات الرحيل بدمع لا يسقط». إن السؤال في بداية المقطع لا يبحث عن إجابة بقدر ما يعيد تعريف الموت. فالموت هنا ليس انقطاعًا بيولوجيًا، وإنما انتظار مستمر، وعلاقة معلقة، ويد ممدودة لا تجد استجابة. ولذلك يصبح «الدمع الذي لا يسقط» صورة مكثفة لحزن فقد قدرته حتى على الاكتمال؛ فالبكاء نفسه يدخل في دائرة التعليق التي تحكم تجربة الذات.
ومن اللافت أن الكاتبة تستثمر الجسد بوصفه مساحة للفقد. فاليد الممدودة، والصدر، والقلب، والوجه، والظهر، والأذرع ليست أعضاء جسمانية محايدة، وإنما تتحول إلى علامات على الفقد والانتظار والمقاومة. وبذلك يتجسد الغياب في الجسد قبل أن يتحول إلى فكرة مجردة. فاليد التي لا تجد من يرد عليها تختصر مأساة التواصل المنقطع، والظهر الذي لا يصافح الزمن يختصر موقف الرفض، والصدر الذي يحمل الحجارة يحول الجسد إلى مساحة للمواجهة.
وتحتل الأمومة موقعًا بالغ الحساسية في هذه المنظومة الدلالية؛ لأنها تمثل نقطة التقاء الخاص بالعام، والعاطفي بالوطني، والولادة بالموت. ففي «متحف الغياب» تقول الكاتبة: «سَهِرَتْ أذرع الأمهات فوق مهد الرماد، تنسج من صرخات الولادة كفناً للكلام». تكشف هذه الصورة عن قلب دلالي يقوم على المفارقة: المهد/الكفن، الولادة/الموت، الصرخة/الصمت. فاللغة تقلب الوظائف التقليدية للأشياء؛ المهد الذي يفترض أن يكون فضاء للحياة يصبح فضاء للرماد، وصرخة الولادة تتحول إلى مادة لصناعة الكفن، والكلام نفسه يحتاج إلى كفن.
وتكشف هذه المفارقة عن أحد أعمق مستويات الكتاب: انهيار الحدود بين الأضداد. فالحياة تحمل الموت، والموت يحتفظ بإمكان الحياة، والحضور لا ينفصل عن الغياب، والصمت لا يلغي الكلام، والرماد لا يعني النهاية بالضرورة. وهذه الثنائيات لا تبقى مستقرة، بل تدخل في حركة مستمرة من التحول، وهو ما يمنح النص طاقته التأويلية.
ومن جهة أخرى، تبرز الذاكرة بوصفها بنية مقاومة للنسيان. فالذات لا تستعيد الماضي لمجرد الحنين، وإنما تستعيده لكي تمنحه وجودًا جديدًا في اللغة. ولهذا تبدو الذاكرة في «صمت الغياب» أشبه بأرشيف شعوري تتراكم فيه صور الراحلين والأمكنة والأشياء والأحداث. إنها ليست ذاكرة فردية مغلقة، بل ذاكرة تتسع تدريجيًا حتى تلامس الذاكرة الجمعية الفلسطينية.
ومن هنا يمكن قراءة عنوان الكتاب نفسه: «صمت الغياب»؛ فالإضافة بين «الصمت» و«الغياب» ليست علاقة ترادف، وإنما علاقة توليد دلالي. الغياب ينتج الصمت، لكن الصمت بدوره يحفظ الغياب ويمنحه قابلية الاستمرار. وكأن الكاتبة تقول إن ما لا نستطيع استعادته في الواقع يمكن استعادته بوصفه أثرًا في اللغة. ومن ثم يصبح الكتاب محاولة لمقاومة المحو بواسطة الكتابة.
وتتصل بذلك نزعة واضحة إلى خرق المألوف اللغوي، وهو ما يظهر في قولها: «كوني نهاية القافية كي أكتشف أنَّ اللغة كانت تنقصك منذ أول حرف… كوني الخطأ الجميل الذي يُربك نحو القصيدة». فالخطأ هنا ليس خللًا لغويًا بالمعنى المعياري، وإنما «انحراف» جمالي عن النظام المألوف، يسمح للغة بأن تستعيد طاقتها الإبداعية. وتعبير «الخطأ الجميل» يختزل فلسفة جمالية قائمة على أن المعنى لا يولد دائمًا من الانضباط، بل قد يتولد من كسر النظام وانتظار ما يحدث بعده.
ومن ثم فإن الانزياح في الكتاب لا يقتصر على الصورة الشعرية، وإنما يمتد إلى طريقة بناء الدلالة ذاتها. فالكاتبة تنقل المفردة من معناها المعجمي إلى مجال جديد، وتجمع بين عناصر تبدو متباعدة: الرماد والنبض، الدم والمداد، الموت والولادة، الصمت والرنين، الخطأ والجمال. ومن خلال هذا الجمع تنشأ طاقة شعرية تجعل القارئ أمام علاقات غير مستقرة تحتاج إلى إعادة تركيب.
كما أن الكتاب ينهض على تشكيل بصري واضح، فاللغة لا تكتفي بإنتاج المعنى وإنما ترسمه. الرماد، الحجر، الكرسي، الجدار، الفنجان، المهد، اليد، الظهر، الصخرة، كلها مفردات قابلة للتحول إلى صور بصرية داخل المخيلة. وهذا التشكيل يجعل المكان شريكًا في إنتاج الدلالة، لا مجرد خلفية للأحداث. فالمكان في «صمت الغياب» يحمل آثار الذين مروا فيه، ولذلك يصبح غياب الإنسان سببًا في تضخم حضور المكان.
ومن أبرز مظاهر هذا التشكيل ما يظهر في نص «صخرة الإنصات»، حيث يتحول الصمت إلى فعل إنصات، ويغدو الجماد قادرًا على حمل ما تعجز الذات عن قوله. وهنا تبلغ علاقة الصمت بالمكان مستوى أكثر تركيبًا؛ إذ لا يعود الصمت حالة نفسية فحسب، بل يصبح لغة للمكان نفسه. فالصخرة تنصت، والكرسي يشهد، والجدار يحتفظ بالضحكة، والفنجان يستعيد الاسم، والرماد يحفظ أثر النار. وبهذا تنتقل الأشياء من كونها عناصر صامتة إلى كونها علامات ناطقة.
إن هذه الآلية هي التي تمنح «صمت الغياب» خصوصيته؛ فالكاتبة لا تواجه الغياب بمحاولة إلغائه، وإنما بتحويله إلى علامة. وما يختفي في الواقع يظهر في اللغة، وما يعجز الصوت عن قوله تستحضره الصورة، وما يمحوه الزمن تحفظه الذاكرة، وما يتداعى في الواقع تعيد الكتابة بناءه. ولذلك يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه اشتغالًا على مقاومة المحو، سواء أكان محوًا فرديًا يتعلق بالراحلين، أم محوًا جمعيًا يتصل بالوطن والذاكرة الفلسطينية.
وعلى هذا الأساس، فإن «صمت الغياب» لا يقدم الغياب بوصفه فراغًا، وإنما بوصفه حضورًا من نوع آخر؛ حضورًا يتجسد في الأثر والرمز والصورة والذاكرة. كما لا يقدم الصمت باعتباره نقيضًا للكلام، بل باعتباره طاقة كامنة داخل الكلام نفسه. وكلما ازداد الملفوظ اختزالًا، اتسعت مساحة التأويل، وكلما ازداد الغائب ابتعادًا، ازدادت علاماته حضورًا.
ولعل القيمة الجمالية الأبرز في تجربة وفاء شاهر داري تكمن في قدرتها على تحويل التجربة الوجدانية إلى بنية رمزية تتجاوز حدود الاعتراف الشخصي. فالحزن لا يبقى حزنًا ذاتيًا، والغياب لا يبقى غياب شخص واحد، والوطن لا يبقى جغرافيا، والموت لا يبقى حادثة نهائية؛ إذ تتداخل هذه العناصر جميعًا لتشكيل رؤية للإنسان وهو يحاول أن يحافظ على ذاكرته في مواجهة الفقد والنسيان.
وبذلك يمكن القول إن «صمت الغياب» يبني شعريته على مفارقة أساسية: كلما صمت النص ازداد قولًا، وكلما غاب الآخر ازداد حضوره، وكلما اتسع البياض ازدادت كثافة الدلالة. ومن هنا يصبح الصمت فعل مقاومة جمالية، ويصبح الغياب مادة للكتابة، وتتحول الذاكرة إلى فضاء لاستعادة ما عجز الواقع عن استعادته. إن الكاتبة لا تكتب عن الغياب بقدر ما تجعل الغياب نفسه يكتب؛ ولذلك فإن قراءة الكتاب لا تقتصر على البحث عما تقوله الكلمات، وإنما تتطلب الإصغاء إلى ما تتركه الكلمات خلفها من ظلال وفراغات وآثار.
وفي هذا المستوى تحديدًا تتجلى سيمياء المسكوت عنه؛ إذ إن أهم ما في النص ليس دائمًا ما يقوله، بل ما يستدعيه دون أن يسميه، ويتركه للقارئ كي يكتشفه بين البياض والحبر، وبين الحضور والأثر، وبين الذاكرة والنسيان. ومن ثم فإن «صمت الغياب» يتحول من عنوان إلى مفتاح تأويلي شامل: صمتٌ يختزن الكلام، وغيابٌ ينتج الحضور، وذاكرةٌ تقاوم المحو، وكتابةٌ تحاول أن تمنح الفقد لغةً لا يستطيع الواقع أن يمنحها.
- الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي – العراق .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.