5:00 مساءً / 30 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

لا تملؤوا عقول بناتنا بالشعارات… املؤوها بالوعي ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد

لا تملؤوا عقول بناتنا بالشعارات… املؤوها بالوعي ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد

قبل أن نقول لبناتنا: “لا تتزوجي”، لنسأل أنفسنا: إلى أي طريق نريد أن نأخذهن؟

من أكثر الأمور التي لفتت نظري في الفترة الأخيرة هو ذلك الكمّ الهائل من الـ”ريلات” ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تخاطب فئة الفتيات، وخصوصًا في مرحلة ما قبل الزواج، برسائل تبدو في ظاهرها داعمة للنساء ، ولكنها فعلاً بحاجة إلى مراجعة شاملة وتأمل عميق يتجاوز القشور ويصل الى الجوهر.

لست ضد أن تعمل الفتاة، وتتعلم، وتستقل ماديًا، وتحقق ذاتها. بالعكس، أنا مع كل ذلك.
لكنني ضد أن نضع هذه الأشياء في مواجهة الزواج، وكأن الرسالة هي:
“إما أن تكوني حرة… أو تتزوجي.”
وهنا تحديدًا اجده لزاماً عَليَّ أن أختلف.
أولًا: “لا تتزوجي… اجمعي المال وسافري.”

وهنا لا بد.من كرم هذا السؤال : لماذا لا يكون الزواج جزءًا من الحياة وليس نقيضًا لها؟

لماذا لا نقول للفتاة: تعلّمي، اعملي، كوني مستقلة، حققي أحلامك، ثم اختاري رجلًا لا يطلب منك التخلي عن كل ذلك، بل يكون شريكًا فيه؟

لماذا نفترض أن الزواج سيمنعها من السفر، بينما يمكن أن تسافر مع زوجها؟ ولماذا نفترض أن الزوج سيكون عائقًا أمام نجاحها، بدل أن نعلّمها كيف تختار رجلًا يحترم نجاحها وطموحها؟

المشكلة ليست في الزواج، بل في الزواج الخطأ.
وكما أن من حق الفتاة أن ترفض رجلًا لا يناسبها، فمن حقها أيضًا أن تعرف أن الزواج الناجح يمكن أن يكون مساحة للحب والاستقرار والنمو، وليس بالضرورة سجنًا ونقيضاً لكل ذلك.

وفي مجتمعاتنا التي تعاني أصلًا من تأخر الزواج والعزوف عنه بشكل غير مسبوق ، علينا أن نكون أكثر مسؤولية في خطابنا، فلا نحول الزواج إلى “عدو” والاستقلال إلى بديل وحيد عنه.
ومن الجيد ذكره ، ان العزوف عن الزواج كان( ترند) اوروبي في فترة ما ثم ادرك العقلاء ان هذا الأمر كارثة مجتمعية فأصبحوا يشجعون على الزواج والإنجاب. والٱن بعد ان تركت الاوروبيون هذا التوجه اصبحا نحن نمارسه.

ثانيًا: الخطاب الآخر المناسب حالياً هو : “لا تتزوجي الرجل الذي يفعل كذا… ولا الذي يملك الصفة كذا…”
ثم تأتي قائمة طويلة تكاد تجعل الفتاة تنتظر رجلًا يسكن عالم الخيال المستحيل ،رجلاً صُمّم خصيصًا وفق طلباتها!

المشكلة هنا ليست في التحذير من الصفات الخطرة والسلبية ؛ فهذا أمر ضروري. المشكلة في أن بعض هذه المنشورات تصنع في خيال الفتيات رجلًا مثاليًا لا وجود له إلا على الورق، ثم تترك الفتاة تصطدم بالواقع المرير.

فلا يوجد إنسان بلا عيوب.
ولا توجد علاقة بلا اختلافات.
ولا يوجد زوج كامل، كما لا توجد زوجة كاملة.

النضج الحقيقي ليس أن تبحث الفتاة عن رجل يخلو من كل عيب، وإنما أن تعرف أي العيوب يمكن تقبلها، وأيها لا يمكن التعايش معه، وأين يكون الاختلاف طبيعيًا، وأين يبدأ الخطر الذي يهدد الكينونة والكرامة.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من خطاب:
“لا تتزوجي”
إلى خطاب أكثر وعيًا:
“لا تتزوجي أي شخص… تعلّمي كيف تختارين.”
ومن:
“لا تسمحي لأحد أن يقيّدك.”
إلى:
“اختاري من لا يريد تقييدك أصلًا.”
ومن:
“الرجل سيأخذ منك حريتك.”
إلى:
«اختاري رجلًا يرى حريتك ونجاحك جزءًا من نجاحكما معًا.” رجل يسير معك في رحلة الحياة وانت مطمئنة لانه إلى حانبك.”
خاصة القول علينا ان ننتبه إلى ما نقوله لبناتنا.
لا نريد أن نربيهن على الزواج بأي ثمن، ولا على رفض الزواج بأي ثمن.
نريد أن نربيهن على الوعي.
فالفتاة لا تحتاج إلى وصفة جاهزة للزواج، ولا إلى قائمة من الأحلام المستحيلة.

هي تحتاج إلى أن تعرف نفسها، وتعرف حقوقها، وتفهم طبيعة العلاقات الإنسانية، وتتعلم كيف تميّز بين الرجل غير الكامل والرجل المؤذي، وبين الاختلاف والخطر، وبين التنازل الناضج والتنازل عن الكرامة.

فلا تملؤوا عقول بناتنا بالشعارات… املؤوها بالوعي.
فالوعي هو الذي يحميها، سواء اختارت الزواج أم اختارت أن تبقى بلا زواج.

شاهد أيضاً

مقابلة حصرية من سي جي تي إن مع فريق البحث والإنقاذ الصيني في ميناء قييرونغ

مقابلة حصرية من سي جي تي إن مع فريق البحث والإنقاذ الصيني في ميناء قييرونغ

شفا – يكافح حوالي 70 من رجال الإطفاء وفرق الإنقاذ للبحث عن المفقودين في المناطق …