6:03 مساءً / 7 يوليو، 2026
آخر الاخبار

معركة السرديات الرقمية: كيف انتزعت فلسطين “بطولة موازية” في مونديال 2026؟ بقلم : مريم شومان

معركة السرديات الرقمية: كيف انتزعت فلسطين “بطولة موازية” في مونديال 2026؟ بقلم : مريم شومان

“الحرية لفلسطين.. Falasteena.. Free Free Palestine”؛ تعددت اللغات والمعنى واحد. ظلت فلسطين حاضرة في أكبر حدث رياضي عالمي رغم عدم مشاركة المنتخب الفلسطيني في مونديال 2026. لم تنتهِ بطولة كأس العالم بعد، ولم يُرفع الكأس في سماء إحدى الدول المستضيفة، إلا أن فلسطين الغائبة عن المنافسة الميدانية سجلت حضوراً استثنائياً في المشهد، وكأنها انتزعت بطولة موازية في فضاء الرأي العام العالمي والاقتصاد العاطفي للمنصات الرقمية.


في حفل الافتتاح، ظهر أحد قارعي الطبول مرتدياً الكوفية الفلسطينية أمام ملايين المشاهدين. وفي العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، شكّل ناشطون علماً بشرياً ضخماً لفلسطين بأجسادهم. وفي شوارع سان فرانسيسكو الأمريكية وتورنتو الكندية، صدحت أصوات جماهير البوسنة والهرسك بالحرية لفلسطين. كما احتفلت الجماهير المغربية بتأهلها في المكسيك وهي تهتف بالإنجليزية لحرية فلسطين، وتوّجت جماهير البرتغال تأهلها بحمل الأعلام الفلسطينية، إلى جانب مشاهد عديدة في المدرجات والشوارع عبرت عن التضامن الشعبي العالمي ورفض الاحتلال وسياساته.

تحولات القوة الناعمة وعصر الرواية الرقمية

لا يمكن تفسير هذه المشاهد بوصفها مجرد تعبيرات عفوية أو لقطات عابرة تفرضها طبيعة التجمعات الجماهيرية، فما جرى يعكس تحولاً عمقته العلاقة بين الرياضة والسياسة والمنصات الاجتماعية. لم تعد البطولات الكبرى ساحات للتنافس على الألقاب الرياضية فقط، بل تحولت إلى فضاءات عالمية تتصارع فيها السرديات وتتنافس فيها القوى الناعمة لكسب التأثير وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

أصبحت كل لافتة، وهتاف، وعلم مرفوع مادة إعلامية عابرة للحدود قادرة على الوصول إلى ملايين المستخدمين خلال دقائق عبر منصات (تيك توك، وإنستغرام، وإكس، وفيسبوك). هنا تحديداً برزت فلسطين باعتبارها إحدى أكثر القضايا قدرة على إنتاج التفاعل الرقمي، ليس نتيجة حملات إلكترونية منظمة وممولة، بل بفضل تراكم طويل من السرديات التي تشكلت خلال السنوات الماضية، وما رافقها من صور وشهادات ومقاطع فيديو حية أعادت تعريف القضية وحقيقتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع الدولي.

لقد نجحت الرواية الرقمية الفلسطينية، بدرجات متفاوتة، في تجاوز احتكار مؤسسات الإعلام التقليدية الغربية لإنتاج المعنى وتوجيه الرسائل. فالأجيال الجديدة لم تعد تكتفي بما تقدمه نشرات الأخبار الكلاسيكية، بل تبني مواقفها السياسية والأخلاقية من خلال المحتوى البصري المباشر الذي يتداوله المستخدمون والمؤثرون والنشطاء والصحفيون الميدانيون. وفي هذا السياق، راكمت فلسطين رأسمالاً تعاطفياً عالمياً انعكس بوضوح في المدرجات والشوارع، حيث أصبح التضامن معها جزءاً من الثقافة الرقمية العالمية الرافضة للمظالم الإنسانية.

العلم الفلسطيني وتحدي الاستدامة الإعلامية

اكتسب العلم الفلسطيني دلالة رمزية تتجاوز كونه رمزاً وطنياً، ليتحول إلى هوية بصرية عالمية ترتبط بقيم العدالة والحرية ومناهضة الفصل العنصري (الأبارتهايد). هذا التحول يفسر حضوره المكثف في مناسبات رياضية وثقافية لا ترتبط مباشرة بالصراع الجغرافي. فالرموز السياسية لا تكتسب قوتها من تكرار ظهورها فحسب، بل من قدرتها على حمل معانٍ إنسانية مشتركة بين جماهير تنتمي إلى ثقافات وخلفيات متباينة. وعندما يرفع مشجع برتغالي أو بوسني أو مغربي العلم الفلسطيني في احتفال رياضي، فإنه لا يعبر فقط عن موقف سياسي عابر، بل يشارك في إنتاج سردية شعبية تمنح هذا الرمز حياة جديدة ومتجددة خارج حدوده الجغرافية المحاصرة.

هذا الواقع يجعل الحديث عن “فوز فلسطين بالمونديال” تعبيراً مجازياً يحمل دلالة سياسية وإعلامية بليغة تفوق الوصف الرياضي، فالانتصارات في عصر المنصات الرقمية لم تعد تُقاس بعدد الأهداف النظيفة في الشباك، وإنما بقدرة قضية ما على فرض حضورها داخل الفضاء الرقمي، حيث تتحول المشاعر والتفاعلات والمشاركات إلى عناصر ضاغطة ومؤثرة في توجيه بوصلة الرأي العام. ومن هنا، تبدو الدبلوماسية الشعبية والرقمية اليوم أكثر فاعلية وتأثيراً من الخطابات الرسمية التقليدية؛ لأنها تنبع من الجماهير وتنتشر عبر شبكات مفتوحة لا تعترف بالحدود أو الرقابة.

غير أن هذا الحضور الاستثنائي – مهما بلغ حجمه وزخمه – لا ينبغي اعتباره نهاية الطريق أو إنجازاً مكتفياً بذاته. فالرأي العام العالمي سريع التقلب بطبيعته، والمنصات الرقمية محكومة بخوارزميات متغيرة وقصيرة الذاكرة تلاحق الأحداث المتسارعة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية والحقوقية الفلسطينية لا يكمن في الاحتفاء بمشاهد التضامن العفوية وتوثيقها فحسب، بل في استثمار هذا الزخم الشعبي لبناء حضور إعلامي مؤسسي مستدام. يتأتى ذلك عبر تطوير محتوى احترافي متعدد اللغات، وتعزيز أدوات الدبلوماسية الرقمية، وبناء شراكات إستراتيجية مع الصحفيين والمؤثرين والفاعلين في المجال العام العالمي، بما يضمن تحويل التعاطف العاطفي المؤقت إلى معرفة سياسية صلبة، والمعرفة إلى تأثير سياساتي طويل الأمد.


بالتأكيد، سوف يُحسم كأس العالم بنتيجة رقمية في المباراة النهائية ويُسدل الستار على المونديال، لكن معارك السرديات الكبرى لا تنتظر صافرة الحكم، إنها تُخاض كل يوم على شاشات الهواتف الذكية وفي الفضاء الرقمي المفتوح، حيث تتشكل الصور الذهنية، وتُبنى الشرعية الأخلاقية، ويُعاد تعريف القضايا العادلة أمام ملايين البشر. وفي هذا الميدان تحديداً، حققت فلسطين حضوراً راسخاً في وجدان العالم، وهو مكسب رمزي وإعلامي لا يقل أهمية عن أي لقب يُرفع فوق منصة التتويج، وإلى حين رفع المنتخب الفائز الكأس العالمي تبقى النتيجة (فلسطين:1 – إسرائيل:0).

شاهد أيضاً

وفد بلدية بكين يزور أمانة عمّان و يطلع على تجربتها في مجالات التحول الرقمي والمدن الذكية وإدارة البيانات

وفد بلدية بكين يزور أمانة عمّان و يطلع على تجربتها في مجالات التحول الرقمي والمدن الذكية وإدارة البيانات

شفا – زار وفد رسمي من حكومة بلدية بكين في جمهورية الصين الشعبية أمانة عمّان …