3:23 مساءً / 7 يوليو، 2026
آخر الاخبار

الضفة الغربية… كيف يُسقِط الاحتلال مشروع الدولة الفلسطينية كلَّ يوم؟ بقلم : د. وليد العريض

الضفة الغربية… كيف يُسقِط الاحتلال مشروع الدولة الفلسطينية كلَّ يوم؟ بقلم : د. وليد العريض

لا تُهزم الأوطان دائمًا بصوت المدافع ولا تنكسر المشاريع الوطنية بضربة واحدة، وإنما قد تتآكل بصمت تحت وطأة وقائع صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى حقيقة كبرى يصعب اقتلاعها، وهذا ما تشهده الضفة الغربية اليوم حيث لا يبدو الاحتلال منشغلًا بانتظار تسوية سياسية أو اتفاق نهائي بقدر انشغاله بإعادة تشكيل المكان والإنسان عبر سياسة تراكمية تجعل كل يوم يمر خطوة جديدة في طريق فرض واقع مختلف عن ذلك الذي حلم به الفلسطينيون منذ عقود.

إن شبكة الحواجز والبوابات العسكرية والطرق المقيدة للحركة والتوسع المستمر للمستعمرات والبؤر الاستيطانية وسياسات السيطرة على مساحات واسعة من الأرض، تشكل معًا منظومة متكاملة لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وإضعاف تواصلها الطبيعي، حتى يغدو الانتقال بين المدن والقرى أكثر تعقيدًا ويصبح الوصول إلى الأرض والعمل والتعليم والعلاج جزءًا من معاناة يومية تتجاوز كونها إجراءات أمنية إلى كونها أدوات لإعادة صياغة الواقع السياسي نفسه.


ولم يعد الاستيطان مجرد بناء وحدات سكنية جديدة أو إقامة تجمعات معزولة، بل تحول إلى مشروع متكامل يبتلع الأرض تدريجيًا ويعيد توزيع السكان ويفرض خرائط جديدة على الضفة الغربية، بينما تتكرر الاعتداءات على القرى والمزارعين والممتلكات بصورة تجعل الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية وتدفع كثيرين إلى التفكير في الرحيل أو التخلي عن أراضيهم تحت ضغط الاستنزاف المتواصل.

وفي المقابل لا يبدو أن الفلسطينيين يمتلكون حتى الآن استراتيجية وطنية موحدة بحجم هذا التحدي، إذ توجد مبادرات شعبية وجهود قانونية وتحركات سياسية متفرقة لكنها ما زالت تتحرك في مسارات متوازية أكثر من كونها أجزاء من مشروع وطني شامل يجمع بين الرؤية الواضحة والإدارة الموحدة والقدرة على تحويل الصمود اليومي إلى سياسة طويلة النفس.


إن الاحتلال لا يعمل بردود الأفعال بل وفق رؤية تراكمية تتقدم بهدوء وثبات، بينما يجد الفلسطيني نفسه في كثير من الأحيان منشغلًا بإدارة نتائج ما يفرضه الاحتلال أكثر من انشغاله بصناعة واقع مضاد يستطيع إبطاء هذا المسار أو تغييره وهو ما يجعل الزمن نفسه يتحول إلى عنصر قوة في المشروع الإسرائيلي بدل أن يكون عاملًا مساعدًا للمشروع الوطني الفلسطيني.

وإذا كان الاحتلال يضيف في كل يوم حجرًا جديدًا إلى مشروعه السياسي فإن مشروع الدولة الفلسطينية يتعرض في المقابل إلى استنزاف متواصل، ليس فقط بفعل الاستيطان والقيود المفروضة على الأرض وإنما أيضًا بسبب تراجع قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة أدوارها بصورة كاملة واستمرار الضغوط المالية والإدارية التي تجعلها تتحرك داخل مساحة ضيقة لا تسمح لها بتحويل وجودها إلى تعبير فعلي عن سيادة وطنية مكتملة.

ولذلك فإن القضية لم تعد تقتصر على الدفاع عن قرية مهددة أو الاعتراض على مستعمرة جديدة، وإنما أصبحت تتعلق بضرورة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني كله على أسس أكثر قدرة على مواجهة التحولات المتسارعة بحيث تنتقل الأولوية من إدارة الأزمات اليومية إلى إدارة المستقبل عبر رؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان والأرض والمؤسسات والرواية الوطنية في آن واحد.

إن الخطوة الأولى في أي مشروع وطني جديد يجب أن تبدأ باستعادة وحدة القرار الفلسطيني وبناء إطار جامع يضم القوى السياسية والمؤسسات الأهلية والبلديات والنقابات والجامعات والقطاع الخاص، بحيث يصبح الدفاع عن الأرض مسؤولية مجتمع كامل لا مسؤولية جهة واحدة ويغدو كل نجاح محلي جزءًا من إنجاز وطني متراكم لا مجرد مبادرة تنتهي بانتهاء الحدث.

كما أن حماية الأرض لا ينبغي أن تظل مجرد شعار سياسي يتكرر في المناسبات الوطنية، بل يجب أن تتحول إلى برنامج يومي يقوم على دعم القرى المهددة وتعزيز صمود المزارعين وتوثيق الاعتداءات بصورة احترافية وتوفير الإمكانات الاقتصادية والقانونية والإعلامية التي تساعد السكان على البقاء في أراضيهم لأن الإنسان حين يبقى في أرضه يحافظ على الجغرافيا كما يحافظ على التاريخ والهوية معًا.

ولا تقل المعركة القانونية والإعلامية أهمية عن أي ميدان آخر لأنها أصبحت في العصر الحديث جزءًا من صناعة الموقف الدولي، فكل وثيقة دقيقة وكل ملف قانوني متكامل وكل صورة موثقة يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل الرأي العام العالمي وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المؤسسات الدولية بعيدًا عن موسمية الاهتمام وتقلبات السياسة.

إن التاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تنتصر لأنها تمتلك الألم وحده ولا لأنها ترفع الشعارات الكبرى، وإنما لأنها تعرف كيف تحول معاناتها إلى مشروع منظم وكيف تبني مؤسساتها وتوحد إرادتها وتصنع مستقبلها بإصرار طويل يجعل الزمن يعمل لصالحها بدل أن يتحول إلى سلاح يستخدمه خصومها في إعادة تشكيل الوقائع حتى تصبح الخرائط الجديدة أمرًا واقعًا يصعب تغييره.

شاهد أيضاً

الاتحاد العام للجالية الفلسطينية في السويد يشكر الملياردير السويدي روجر اكيليوس

شفا – شكر الاتحاد العام للجالية الفلسطينية في السويد الملياردير السويدي روجر اكيليوس ، وقالت …