12:41 صباحًا / 29 يونيو، 2026
آخر الاخبار

أميركا إلى أين؟ حين يصبح الصراع الداخلي معركة على هوية الدولة ومستقبل النظام الدولي ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس


لم يعد السؤال المطروح في الولايات المتحدة اليوم: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا وأبعد أثرًا: إلى أين تمضي أميركا؟ فالدول الكبرى لا تدخل المنعطفات التاريخية حين تتغير حكوماتها، وإنما حين تهتز الأسس التي قامت عليها، وتتصدع منظومة التوافق التي حفظت استقرارها لعقود طويلة.


ما تشهده الولايات المتحدة اليوم يتجاوز حدود المنافسة التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. إنه صراع يتصل بهوية الدولة، وبطبيعة المجتمع، وبمفهوم الحرية، وبحدود دور الحكومة، وبالموقع الذي ينبغي أن تحتله أميركا في عالم لم يعد كما كان بعد نهاية الحرب الباردة.


ولذلك فإن متابعة المشهد الأميركي من زاوية الانتخابات وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأن الانتخابات ليست سوى أحد تجليات أزمة أعمق وأوسع.


لقد بلغ الاستقطاب السياسي مستوى غير مسبوق، حتى بات كل معسكر ينظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا لمستقبل الولايات المتحدة، لا منافسًا مشروعًا داخل نظام ديمقراطي.


ومع هذا التحول، تراجعت لغة التسويات، وارتفعت لغة التخوين، وأصبح النقاش يدور حول شرعية المشروع السياسي للطرف الآخر، لا حول تفاصيل السياسات العامة.


وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترامب، ووصفه بعض خصومه من اليسار الديمقراطي بأنهم “اشتراكيون” أو “شيوعيون”، لتكشف عمق التحول الذي أصاب الخطاب السياسي الأميركي. فهذه الأوصاف، وإن كانت لا تمثل توصيفًا فكريًا دقيقًا، تعكس حجم الاستقطاب والرغبة في استدعاء رموز الحرب الباردة لتعبئة الرأي العام، وإقناع الناخب بأن الخلاف لم يعد سياسيًا فحسب، بل يمس هوية الدولة ومستقبلها.


والحقيقة أن الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي لا يدعو إلى تبني النموذج الشيوعي المعروف، بل يطالب بتوسيع دور الدولة في الرعاية الصحية والتعليم والعدالة الاجتماعية، وهي سياسات تندرج ضمن الديمقراطية الاجتماعية كما تعرفها كثير من الدول الغربية.


غير أن التيار المحافظ يرى في هذا التوسع خروجًا عن الفلسفة التقليدية التي قامت عليها التجربة الأميركية، ولذلك يتحول الخلاف حول حجم الدولة إلى خلاف حول طبيعة أميركا نفسها.


غير أن اختزال الأزمة في هذا السجال الأيديولوجي يبقى قراءة ناقصة.


فالولايات المتحدة تشهد، بالتوازي، تحولات مجتمعية عميقة تعيد تشكيل بنيتها السكانية والثقافية. فالتنوع العرقي يتزايد، والهجرة تواصل تغيير ملامح المجتمع، والفجوة الاقتصادية تتسع، والطبقة الوسطى تواجه تحديات متصاعدة، فيما تتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية والقضائية.
وكل ذلك يجعل المجتمع الأميركي أكثر انقسامًا، ويصعب الوصول إلى توافقات وطنية كانت في الماضي أكثر يسراً.


وفي الخارج، تواجه واشنطن عالمًا مختلفًا عن ذلك الذي عرفته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فصعود الصين، واستعادة روسيا جانبًا من نفوذها، وظهور قوى إقليمية أكثر استقلالًا في قرارها، كلها مؤشرات على أن مرحلة الهيمنة الأميركية المنفردة تقترب من نهايتها، لتحل محلها مرحلة أكثر تعقيدًا، تتوزع فيها مراكز القوة والنفوذ.
ومن هنا، يصبح الترابط بين الداخل والخارج أكثر وضوحًا.


فالدولة المنقسمة على نفسها تجد صعوبة أكبر في قيادة الآخرين، والقوة الدولية تبدأ دائمًا من التماسك الداخلي.


ولهذا، فإن مستقبل الدور الأميركي في العالم لن تحدده موازين القوة العسكرية وحدها، بل قدرة المجتمع الأميركي على تجاوز استقطابه، وإعادة بناء الثقة بين مكوناته ومؤسساته.


وينسحب ذلك على قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.


فصحيح أن المصالح الاستراتيجية ستظل تحكم جانبًا كبيرًا من السياسة الأميركية، إلا أن التحولات الجارية داخل المجتمع الأميركي، ولا سيما بين الأجيال الشابة، تشير إلى اتساع النقاش حول مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد لا يغير ذلك السياسات بين ليلة وضحاها، لكنه يعكس بيئة سياسية جديدة ستؤثر تدريجيًا في طبيعة النقاش وصنع القرار.


إن الأمم العظمى لا تسقط فجأة، وإنما تعيد تشكيل نفسها عبر أزمات كبرى. وما تشهده الولايات المتحدة اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة من التجدد، وقد يكون بداية تراجع نسبي في نظام دولي لم يعد يحتمل هيمنة قطب واحد.


وفي الحالتين، فإن العالم يقف أمام لحظة تاريخية تستحق أن تُقرأ بعين العقل، لا بعين الانفعال.


ومن هنا، فإن السؤال «أميركا إلى أين؟» ليس سؤالًا عن رئيس أو حزب، بل عن مستقبل دولة قادت النظام الدولي لعقود، وتجد نفسها اليوم أمام امتحان تاريخي جديد.


فإن نجحت في تجديد عقدها الوطني، واستيعاب تحولات مجتمعها، والحفاظ على حيوية مؤسساتها، فستظل قوة عالمية رئيسية، وإن ضمن نظام أكثر تعددية وتوازنًا.


أما إذا ظل الانقسام يتعمق، وتحول الاستقطاب إلى حالة بنيوية دائمة، فإن العالم سيشهد تراجعًا نسبيًا للدور الأميركي، لا بسبب ضعف القوة، بل بسبب صعوبة توظيفها في ظل انقسام الداخل.


لقد دخلت الولايات المتحدة مرحلة مراجعة كبرى، لا لسياساتها فحسب، بل لفكرتها ذاتها.


ونتائج هذه المراجعة لن تحدد مستقبل الأميركيين وحدهم، بل سترسم جانبًا مهمًا من ملامح النظام الدولي في العقود القادمة، وتنعكس على خرائط النفوذ والتحالفات، وعلى مستقبل كثير من قضايا العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.


إن سؤال «أميركا إلى أين؟» هو، في جوهره، سؤال عن العالم إلى أين؛ لأن مستقبل القوة الأكبر في النظام الدولي لن يبقى شأنًا أميركيًا داخليًا، بل سيظل عاملًا حاسمًا في تشكيل مستقبل السياسة والاقتصاد والأمن العالمي.


وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُصنع السياسات فقط، بل يُعاد رسم مسار الأمم.


د. عبدالرحيم جاموس

شاهد أيضاً

د. ياسر أبو بكر يلتقي محافظ طولكرم اللواء د. عبد الله كميل لبحث الأوضاع الميدانية وتعزيز صمود المواطنين

د. ياسر أبو بكر يلتقي محافظ طولكرم اللواء د. عبد الله كميل لبحث الأوضاع الميدانية وتعزيز صمود المواطنين

شفا – في إطار الجولات الميدانية للاطلاع على الأوضاع في المحافظات، التقى د. ياسر أبو …