
في مديح القلق: نحو تأسيس أنطولوجيا تربوية عربية ، بقلم : نسيم قبها
ليس الفقرُ جوعَ المعدة فحسب، بل هو جوعُ المعنى حين يصير الجسدُ غايةً والروحُ تابعاً. وليس التخلّفُ نقصَ الآلة، بل هو غيابُ الحيرة حين تُستبدل الأسئلةُ المفتوحة بأجوبةٍ مغلقة، وتُحول المؤسسةُ التربويةُ نفسَها إلى مصنعٍ لتكرار المقولات، لا إلى رحمٍ لولادة الذوات. جرحُنا الأعمق، إذن، هو غيابُ فلسفةٍ تضع “القلقَ” في صلب التكوين الإنساني، وتجعل من التربية فعلاً وجودياً، لا مجرد إجراءٍ تقنياً. إنه غياب “أنطولوجيا تربوية” تعيد تعريف الإنسان العربي باعتباره كائناً يَمتحن وجوده بالسؤال، لا يختزله بالجواب.
أولاً: استبدال الحكمة بالوصفة
مدارسنا وجامعاتنا، للأسف، تؤمن بفلسفة “الحل الجاهز”. نُعلّم الطالب أنّ العالم مُقسم إلى مسائل رياضية وإجابات نموذجية، ونغفل عن الحقيقة الأكبر: أنّ الحياة ليست معادلةً تنتظر حلّاً، بل نصّاً مفتوحاً ينتظر تأويلاً. حين نُعاقب السؤال ونُكرم الإجابة، ننتج عقولاً “برلمانية” تصفق للمعلومة، وعقولاً “استهلاكية” تلتهم النتائج دون أن تتساءل عن طريقة إنتاجها. المعلّم، في هذا السياق، يتحول إلى ناقل أمانة، لا إلى مثير للدهشة. أما المتعلّم، فيصير وعاءً فارغاً يُملأ، بدلاً من أن يكون ناراً تُشعل. وهذا هو التخلف الحقيقي: أن نُخرّج أجيالاً تحفظ تاريخها كملحمة، ولا تسأله كإشكالية؛ تحفظ نصوص التراث كقداسات، ولا تحاورها كتجارب إنسانية.
ثانياً: القلق بوصفه مدار الوجود
إن الفلسفةَ، منذ سقراط، لم تكن قطيعةً مع الجهل، بل كانت احتفاءً بالحيرة. وسقراط نفسه ما كان فيلسوفاً لأنه أجاب، بل لأنه كان “ذبابةً” تلدغ أثينا المطمئنة بلدغة السؤال. وفي تراثنا العربي، حين امتُدح “الشك” عند الغزالي، أو أُعيد الاعتبار إلى “التفكير المنطقي” عند ابن رشد، كانت لحظات النهضة. غير أن هذه اللحظات تُركت لتذوي تحت وطأة الخوف من عدم اليقين.
القلق، الذي نتجنبه، هو بالنسبة لكيركغور “دوار الحرية”، وهو بالنسبة لهايدغر الباب الذي ننفتح منه على وجودنا الأصيل. فالإنسان الذي لا يقلق هو إنسانٌ يقبع في “اللايومية”، يردد ما يقال، ويفعل ما يُفعل، ويعيش كما يعيش الآخرون. أما إنسانُ السؤال، فمصيره القلق، لأن السؤالَ يمزق نسيج اليقين، ويفضح وهم الاستقرار. ومن هنا، فإن التربيةَ التي تخاف القلقَ هي تربيةٌ للاستلاب، تحمي المجتمع من متاعب الفكر، لكنها تدفع ثمن هذا الحماية بفقدان الروح.
ثالثاً: نحو أنطولوجيا تربوية عربية
ما معنى أن نؤسس لأنطولوجيا تربوية عربية؟ معناه أن نعيد الاعتبار إلى “الوجود” قبل “الماهية” في صياغة الإنسان. بدلاً من أن نسأل: “ماذا يجب أن يكون العربي؟”، نسأل: “كيف يمكن للعربي أن يكون؟”. هذه الأنطولوجيا تتصدى لثنائيات عجزنا عنها: لا أصالة مقابل حداثة، ولا هوية مقابل عولمة. بل سيرورة حوارية تُنتج المعنى من رحم التناقض.
إن الأداة المركزية في هذه التربية الجديدة ليست الكتابَ المدرسي، بل “المعضلة”. المعضلة التي لا تحتمل جواباً واحداً، والتي تفضح حدود العقل. حين نعلّم الفلسفة ليس كمنهج، بل كأسلوب حياة؛ ونعلّم التاريخ كصراع تأويلات، لا كسردية بطولية؛ ونعلّم الأخلاق كفعل حرّ في مواجهة الآخر، لا كمجموعة محظورات، فإننا نزرع القلق. وهذا القلق هو الذي سيجعل الشاب العربي، حين يواجه وطنه الممزق، لا يبحث عن واهمٍ يُجمعه، بل يبحث عن شرعيةٍ للاختلاف؛ وحين يواجه الدين، لا يبحث عن فتوى تُريحه، بل عن معنى يُكلّفه؛ وحين يواجه الغرب، لا يبحث عن استنساخ أو رفض، بل عن محاورة وجودية.
رابعاً: المعلّم كمحرض والنص كمشكلة
في هذه الرؤية، يتحول المعلّم من “مرجعية المعرفة” إلى “هازٍّ لليقين”. هو من يطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: “هل أنت متأكد؟”. إنه يمارس فضحَ المسلّمات، مدركاً أن التحرر الحقيقي يبدأ حين يكتشف الإنسان أن جدران قفصه مبنية من وهم البديهيات. أما النصوص، فتصبح كائنات حية تتحاور مع القارئ، لا تماثيل متحجرة تُتلى. قراءة التراث تصبح لقاءً وجودياً، نبحث فيه عن أسئلتنا الضائعة، لا عن شرعيتنا المفقودة.
ختاماً: جرحٌ يمنحنا الحياة
إن وجعنا ليس في جوعنا، بل في سباتنا. جرحُنا الحقيقي هو أن أطفالنا يكبرون وهم يحفظون “أن” لكنهم لا يُجيدون “لماذا”، يكبرون وهم يعرفون حدود الوطن لكنهم يجهلون حدود عقولهم. إن دعوتي إلى “مديح القلق” ليست دعوةً إلى الحيرة العقيمة، بل إلى الإقرار بأن الحياة ابنة المخاطرة، وأن الكرامة الإنسانية تبدأ حيث ينتهي اليقين الواهي. إن تأسيس أنطولوجيا تربوية عربية يعني أن نمنح أنفسنا حقّ السؤال، حتى لو كلفنا ذلك سلامنا الداخلي المؤقت، لأنه الوسيلة الوحيدة لنيل سلامٍ أبدي مع ذواتنا ومع الكون.
فليكن قلقنا إذن، جوازَ سفرنا نحو نهضةٍ لا تُشبه أحداً، لأنها مولودة من رحم كينونتنا المضطربة، المعجونة بالشك، العاشقة للحياة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.