
شفا – في أمسية ثقافية اتسمت بالعمق الفكري والحوار الرصين، وعلى وقع نسائم صيفية أضفت على المكان سكينةً وصفاءً، احتضن صالون البروفيسور الدكتورة أفنان دروزة الثقافي في مدينة نابلس ندوته الدورية، مساء السبت 27/6/2026، بعنوان “التصوف الإسلامي بين الوسطية والغلو”، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والأدباء والشعراء، وحضور واسع من المهتمين بالشأن الديني والثقافي، في لقاء سعى إلى تقديم قراءة علمية متوازنة للتصوف، وإبراز حضوره في الوعي الديني والذاكرة الحضارية الفلسطينية.
واستُهلت الندوة بكلمة ترحيبية للبروفيسور افنان دروزة أعدّتها وألقتها نيابة عنها الأستاذة ورود الجنيدي، رحبت فيها بالمتحدثين والضيوف، مؤكدة أن الصالون، بوصفه أول صالون ثقافي في فلسطين، يواصل رسالته في نشر المعرفة وتعزيز ثقافة الحوار، حتى غدا منارةً فكريةً وملتقىً للنخب الثقافية والأكاديمية، يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويسهم في ترسيخ الوعي الثقافي الفلسطيني.
وأدارت الندوة الدكتورة عطاف الزيات بكفاءة واقتدار، حيث نجحت في إدارة الحوار بروح علمية متوازنة، محافظةً على انسيابية البرنامج، ومفسحةً المجال أمام النقاش البنّاء والتفاعل مع الحضور، بما عكس خبرتها في إدارة اللقاءات الفكرية والثقافية.
واستهل الاوراق العلمية مفتي محافظة نابلس الدكتور أحمد شوباش، في ورقته الموسومة “التصوف كما نريد”، متناولاً الجذور اللغوية لمصطلح التصوف والآراء المختلفة حول نشأته، موضحاً أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وأن التصوف الحق يقوم على التوازن بين متطلبات الروح والجسد، ويرتكز إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وفقه الشريعة، بعيداً عن الدروشة أو الممارسات التي لا أصل لها. وأكد أن أي ممارسة تخرج عن الكتاب والسنة لا يمكن نسبتها إلى المنهج الإسلامي الصحيح، داعياً إلى نشر الوعي الديني الرصين الذي يجمع بين سلامة العقيدة وسمو الأخلاق، ويحصّن المجتمع من الإفراط والتفريط.
وتحدث الشيخ محمد الشربيني، مدير ملتقى الشباب المسلم، عن نشأة التصوف وتطوره عبر العصور، مستعرضاً عدداً من مدارسه وطرقه، ومؤكداً أن التصوف في جوهره مدرسة أخلاقية وتربوية تقوم على تزكية النفس وتهذيبها وترسيخ قيم الإحسان، وأن الانحرافات التي ظهرت في بعض الممارسات لا ينبغي أن تُحمّل للتصوف الأصيل، بل تُقرأ في سياقها التاريخي والفكري، داعياً إلى التمييز بين السلوك الروحي المعتدل ومظاهر الغلو التي تخالف مقاصد الشريعة.
أما الشيخ محمد العايدي، فقد سلط الضوء على البعد التربوي للتصوف من خلال تجربة الإمام أبي حامد الغزالي، مبيناً كيف مثّلت رحلته الروحية منعطفاً في حياته الفكرية، فأثمرت مؤلفاته الخالدة، وفي مقدمتها إحياء علوم الدين والمنقذ من الضلال. وأكد أن التصوف الصحيح أسهم تاريخياً في بناء الإنسان وإصلاح السلوك وتعزيز قيم المحبة والتسامح وخدمة المجتمع، بعيداً عن المبالغات والممارسات الدخيلة.
وقدمت الدكتورة منى أبو حمدية، من وحدة الإصدارات والبحث العلمي بوزارة السياحة والآثار، مداخلتها حول دراسة بحثية كانت قد اعدتها مسبقاً بعنوان “التصوف في فلسطين… من التجربة الروحية إلى الذاكرة الثقافية: نابلس نموذجاً”، تناولت فيها نشأة الزوايا الصوفية في مدينة نابلس، وأبرز المقامات المرتبطة بأعلام التصوف، ودورها في الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية عبر العصور. كما استعرضت القيمة التاريخية لهذه المواقع بوصفها جزءاً أصيلاً من التراث الفلسطيني، مؤكدة أن الزوايا والمقامات ليست مجرد معالم دينية، بل شواهد حضارية تعكس العمق التاريخي والهوية الثقافية لفلسطين. واختتمت مداخلتها بالدعوة إلى توثيق الإرث الصوفي في فلسطين، بما يضمه من زوايا ومخطوطات وأوقاف وروايات شفوية، باعتباره ركناً من أركان الذاكرة الثقافية الوطنية، ومؤكدة أن حماية هذا الموروث وتوثيقه تمثل مسؤولية وطنية وأكاديمية في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية.
وأعقب المداخلات العلمية نقاشٌ مفتوح شارك فيه عدد من الحضور، الذين أثروا الندوة بأسئلتهم ومداخلاتهم، في مشهد عكس حيوية الحوار الفكري وأهمية الموضوع المطروح.
كما تخللت الندوة زاوية أدبية أضفت على اللقاء بعداً جمالياً، حيث شارك كل من الشاعرة معالي سلمان، والشاعر مبين كيوان، والشاعرة ليلى قنديل، والشاعر سماحة حسون، بنصوص شعرية وأدبية تنوعت بين التأمل الروحي والانتماء الوطني والبعد الإنساني، لتؤكد أن الكلمة المبدعة تظل شريكاً أصيلاً للفكر في بناء الوعي وصون الهوية.
وفي ختام الفعالية، حظي صالون البروفيسور الدكتورة أفنان دروزة الثقافي بإشادة واسعة من المشاركين والحضور، باعتباره أحد أبرز المنابر الثقافية المستقلة في فلسطين، لما يقدمه من برامج نوعية تجمع بين الفكر والأدب والتاريخ والتراث، وتسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح، وإحياء القضايا الوطنية والثقافية من منظور علمي ومعرفي. وأكد الحضور أن الصالون بات يشكل مساحةً مضيئةً تحتضن النخب الفكرية والإبداعية، وتؤدي دوراً مهماً في تعزيز المشهد الثقافي الفلسطيني وصون الهوية الوطنية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.