
الأرض لحنٌ لا يخبو وإيقاعٌ لا ينكسر- في يوم الأرض الخالد ، بقلم : غدير حميدان الزبون
يتهادى الكلام في مطالع الحكاية على نبرٍ رخيم كأنّه مقامٌ ينساب من عودٍ قديم، وتولد الأرض في اللغة نغمةً أولى، وتستقر في القلب إيقاعًا لا يخبو، فتتعانق الحروف كما تتعانق السنابل في مواسم الامتلاء، ويغدو اللفظ مرآةً لسرٍّ عميق يسكن التراب ويصعد منه نورًا يتوزّع على المعاني.
يا أرضُ، يا نغمةً تتردّد في مقام الصبا عندما يشتد الشوق، ويا وترًا يعلو في مقام البيات عندما يفيض الدفء.
فيكِ تستقيم الجملة، وتعتدل القافية، ويجد الحرف طريقه نحو اكتماله.
فيكِ تتآلف المقامات من حجاز يفيض حنينًا، ورستٌ يرسو على اليقين، إلى نهوندٌ يبوح بما يختلج في الصدر من أسرار.
على ثراك تتشكّل اللغة كما تتشكّل الأغنية، فتبدأ همسًا، ثم تعلو رويدًا حتى تبلغ ذروة الإحساس، ثم تعود لتستقر في قرارٍ عميق يشبه استقرار الجذور في باطن التراب.
كلّ كلمةٍ تمشي على إيقاعٍ داخلي، وكلّ جملةٍ تنحني كما ينحني العود بين يدي العازف، فتغدو الكتابة طقسًا من طقوس الانتماء.
في حضرة الأرض يصفو اللسان، ويزدان البيان، وتغدو العبارة كأنها جملة موسيقية تتوزع بين مدٍّ وجزر، وبين ارتفاعٍ وانخفاض حتى تكتمل في أذن السامع صورةً سمعيةً وبصريةً في آنٍ واحد.
هكذا تُفتتح الحكاية مقامًا يفيض عذوبة، ونصًا يتوشّح الإيقاع، وقلبًا يجد في الأرض لحنه الأول والأخير.
في الثلاثين من آذار تتسع الذاكرة حتى تصير سماءً كاملة، وتنهض الأرض من عمقها كأمٍّ تنفض عن كتفيها غبار السنين، وتستقبل أبناءها بنداءٍ يعرفونه كما يعرفون أسماءهم.
خمسون عامًا تمضي منذ لحظة اشتعال الوعي في الجليل، وما زالت الحكاية تتجدد كنبعٍ يتدفّق من صخرٍ صلب يروي العطش المتوارث جيلًا بعد جيل.
في عام 1976 انفتح المشهدٍ المشحون بالحياة، وتحوّل التراب إلى معنى، وصارت الحقول بيانًا مفتوحًا يعلن قداسة العلاقة بين الإنسان وأرضه.
ستة شهداء ارتقوا كأغنيةٍ عالية حفرت حضورها في الوجدان، والعشرات من الجرحى كتبوا بأجسادهم نصًّا حيًّا، والمئات من المعتقلين حملوا الحكاية إلى الزنازين فصارت الجدران دفاتر تحفظ صدى الأصوات الأولى.
لم تكن بقعة صغيرة، فقد كانت واحد وعشرين ألف دونم من الجليل حملت آنذاك عبق المواسم، وعرق الفلاحين، وحكايات البيوت التي تتكئ على سفوح التلال، إذْ تمتد أشجار الزيتون كقصائد صامتة، ويتجلّى المعنى في أبسط تفاصيله: حفنة تراب، وظل شجرة، ورائحة خبز، وطفولة تركض بين السنابل. تلك المساحات تحوّلت إلى مرآةٍ تعكس هويةً كاملة، فغدا الدفاع عنها دفاعًا عن الذاكرة، وعن المستقبل الذي ينمو في رحم الحكاية.
ومن هذه اللحظة المفصلية انبثقت في الشعر الفلسطيني طاقةٌ إبداعية هائلة جعلت من الأرض محورًا تدور حوله الكلمات، ومن التراب نغمةً أساسية في سيمفونية المقاومة.
هنا يطلّ محمود درويش حاملًا الأرض في قصائده كما يحمل القلب نبضه، فتأتي قصيدته “سجّل أنا عربي” كصرخةٍ مشبعة بالكرامة، وتتحوّل الأرض في نصوصه إلى أمٍّ، وإلى معشوقةٍ، وإلى ذاكرةٍ حيّة تنبض في تفاصيل اللغة.
تصير الأرض في شعره أكثر من مكان، وتصبح كيانًا يكتب الإنسان من خلاله ذاته، ويستعيد عبره ملامحه الأولى.
وبالقرب من هذا الصوت يقف سميح القاسم الذي صاغ من الأرض نشيدًا لا يخبو، وجعل من الصمود قصيدةً تمشي على قدمين.
يتجلى التراب في كلماته كقوةٍ دافعة تحمل الإنسان نحو الثبات، وتمنحه القدرة على تحويل الألم إلى فعلٍ خلاق. فالأرض في شعره تتزيّن بالكبرياء، وتغدو رمزًا للكرامة التي تنمو كما تنمو السنابل في مواسم الخير.
ويأتي توفيق زياد ليكتب الأرض بلهجة الناس البسطاء، ويجعل من تفاصيل الحياة اليومية مادةً شعرية نابضة.
ففي قصيدته “هنا باقون” تتحوّل الأرض إلى وعدٍ دائم، وإلى حضورٍ متجذر في الوجدان، فالكلمات تشبه الحجارة في صلابتها، وتشبه الزهور في رقتها عندما تتفتح على الأمل.
أما فدوى طوقان فتنسج من الأرض حكايةً مفعمة بالعاطفة والحنين، وتكتبها بصوتٍ أنثويٍّ يفيض بالصدق والدفء.
في شعرها تتجلّى الأرض كحضنٍ واسع، يحتضن الألم والأمل معًا، ويمنح الروح مساحةً للتحليق رغم ثقل الواقع. كلماتها تنساب كجدولٍ رقراق يحمل بين ضفتيه وجعًا شفيفًا، وإصرارًا عميقًا على البقاء.
وفي هذا السياق تتواصل الأصوات فيحضر معين بسيسو الذي جعل من الأرض ساحةً للثورة الشعرية، ومن الكلمة أداةً للفعل والتغيير.
تتّقد قصائده بطاقةٍ مشتعلة، وتجعل القارئ يعيش لحظة المواجهة بكل تفاصيلها، فالأرض تنبض بالحياة، وتدعو أبناءها إلى الانتماء الفاعل.
هكذا يتكامل المشهد بين الحدث والتعبير، فيوم الأرض لحظة تاريخية، والشعر ذاكرة حية تحفظ تلك اللحظة وتعيد إنتاجها في كل زمن.
تغدو الكلمات هنا فعل حضور يربط الإنسان بأرضه عبر خيوطٍ من المعنى العميق.
ففي الذكرى الخمسين تتجلّى هذه الأصوات كجوقةٍ واحدة تغنّي للأرض بلغاتٍ متعددة، وتكتبها بصيغٍ شتى، ومع ذلك تلتقي جميعها عند جوهرٍ واحد، فالأرض روحٌ تسكن الإنسان، وهويةٌ تنمو في أعماقه، وقصةٌ تستمر في التشكل مع كل شروقٍ جديد.
ومهما عتت الرياح تبقى الأرض نصًا مفتوحًا يكتبه الشعراء بمداد القلب، ويقرؤه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، فتغدو الحكاية أوسع من زمنها، وأعمق من حدودها، وتظلّ نابضةً بما يحمله الإنسان في داخله من حبٍّ وانتماء.
وفي الشعر الفلسطيني يتخذ عنوان “الأرض” هيئة كونٍ كامل يتجاوز حدود الموضوع ليغدو جوهر التجربة، ومنبع اللغة، وسرّ النبرة التي تتردّد بين الحنين واليقين.
فالأرض ليست مفردةً ضمن قاموس، فهي مركز الدائرة التي تتشكل حولها الرؤية، فتنبثق منها الصور، وتتوالد منها المعاني، وتتشابك عندها الأزمنة.
ومنذ البدايات ارتبطت الأرض في الوعي الشعري الفلسطيني بحضورٍ عضويّ، إذْ تتماهى مع الجسد، وتتمازج مع الروح، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية كما يدخل الضوء إلى البيوت.
ولنا في ذلك صولات وجولات مع شعراء المقاومة الفلسطينية، فلو عدنا مجدّدا إلى درويش وحدّقنا في قصائده سنرى الأرض تتجلّى ككائنٍ حيّ يبادل الإنسان الشعور، ويشاركه الذاكرة، فتتحول إلى أمٍّ حينًا، وإلى حبيبةٍ حينًا آخر، وإلى مرآةٍ يرى فيها الشاعر ذاته.
وتتكثف الرموز في لغته، فيصير الزيتون ذاكرةً، والقمح وعدًا، والبحر أفقًا مفتوحًا على الحلم.
أما عند سميح القاسم فتغدو الأرض عنوانًا للكرامة المتجذرة، وتتخذ القصيدة شكل موقفٍ صلب يفيض بالحياة.
ففي نصوصه تتقدم الأرض بوصفها قيمةً عليا تحمل في طياتها معاني الثبات، وتُغذّي الروح بطاقةٍ لا تنضب. وكلماته تشبه خطى الفلاح في حقله، واثقة راسخة تنتمي إلى المكان كما ينتمي النبض إلى القلب.
وفي شعر توفيق زياد تتجسد الأرض في أبسط صورها وأكثرها صفاءً، وتتماهى مع تفاصيل الحياة اليومية: البيت، والشجرة، والحجر، والطريق.
هذه البساطة تمنح الأرض عمقًا إنسانيًا يجعلها قريبة من وجدان الناس، ويحوّلها إلى رمزٍ مشترك يلتقي عنده الجميع.
فالأرض وعدٌ بالاستمرار، ونغمةٌ جماعية تنبض في صوت الجماهير.
وتأتي فدوى طوقان لتمنح الأرض بعدًا وجدانيًا رقيقًا، لتنسج منها حكايةً مشبعة بالعاطفة.
وفي قصائدها تتفتح الأرض كحديقةٍ من المشاعر، وتجمع بين الألم والرجاء، كما تعبّر عن علاقةٍ عميقة تتجاوز المادي إلى الروحي.
وحضورها في النص يشبه حضنًا دافئًا يختزن الذكريات، ويمنح الشاعر مساحةً للتأمل والبقاء.
ويتوسع العنوان أكثر في شعر معين بسيسو، وتتحول الأرض إلى ساحةٍ للفعل والحركة، وإلى رمزٍ للثورة المتواصلة.
فاللغة عنده مشتعلة، والإيقاع متسارع، ويكأنّ القصيدة تتحرك على أرضٍ تهتز بالحياة، ويغدو العنوان طاقةً دافعة تدفع بالكلمات نحو التغيير، وتمنحها بعدًا جماهيريًا.
ومن خلال هذا التنوع يتضح أنّ “الأرض” في الشعر الفلسطيني عنوانٌ متعدد الطبقات يحمل أبعادًا متداخلة، فهو ذاكرةٌ جماعية تختزن الماضي، وهويةٌ حاضرة تتشكل في الآن، وأفقٌ مستقبليّ يتطلع إلى الامتداد.
وهو في الوقت ذاته صورةٌ حسية ملموسة، ورمزٌ معنويّ عميق يجمع بين البساطة والتعقيد في آنٍ واحد.
تتكرر مفردات الأرض في القصائد: من الزيتون، فالتراب، فالسنابل، فالحقول، إلى الجبال، فتغدو هذه العناصر علاماتٍ لغوية تشير إلى منظومةٍ كاملة من المعاني.
ومع التكرار تكتسب هذه المفردات طاقةً رمزية تجعلها قادرة على حمل التجربة بكل ثقلها وخفّتها، وبكل ألمها وأملها.
وفي الذكرى الخمسين ليوم الأرض يتجدد هذا العنوان في القصيدة الفلسطينية، فيكتسب أبعادًا جديدة دون أن يفقد جذوره الأولى.
فالشعراء يواصلون كتابة الأرض بمدادٍ متجدد يواكب التحولات، ويحتفظ في الوقت ذاته بروح البدايات.
وهكذا يظل العنوان مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي، وقادرًا على استيعاب التجربة بكل تنوعها وثرائها.
إنّ الأرض في هذا الشعر نصٌّ حيّ يتنفس مع الإنسان، وينمو معه، ويعيد تشكيل ذاته في كل قراءة.
إنها ليست موضوعًا يُكتب عنه، إنما كيانٌ يُكتب من خلاله، وحضورٌ يضيء اللغة من الداخل، فيمنحها صدقها وعمقها واستمرارها.
في ختام النشيد يهدأ الإيقاع ليصير عمقًا، وتستقر النغمة على قرارٍ راسخ، وتقوم الأرض مقامًا لا يزول، وتنهض في الروح وعدًا يتجدّد مع كل شروق حتى تتآلف المقامات في لحنٍ أخير، هو رستٌ يرسو على الثبات، وحجازٌ يسكب الشجن نورًا، وبياتٌ يحتضن الدفء في قلب الحكاية.
فيا أرضُ، يا وترًا مشدودًا بين الصبر والبقاء، فيكِ تمضي الخطى على ميزانٍ لا يختل، وفيكِ تنبت الحروف كما تنبت السنابل في موسم الامتلاء.
إنّ كلّ جذرٍ فيكِ قصيدة، وكلّ حجرٍ رواية، وكلّ نسمةٍ مقامٌ يعلّم القلب كيف يستقيم على نغمة الصمود، ليمتد اللحن، ويتصاعد، ثم يعلو حتى يبلغ ذروة اليقين، فتتجلّى الحكاية في أكمل صورها، في حضور دائم، وانتماء يزهر في كل حين، ونبض يتوارثه الأبناء كما تتوارث الأغاني أصداءها.
في هذا المقام الأخير تتوحّد الأصوات، وتصفو العبارة، وتغدو النهاية بدايةً أخرى تكتبها الأرض بمداد الحياة، ويستقر النشيد في ذاكرة الزمان مقامًا خالدًا، ولحنًا يتردّد في الأعماق، ويحمل سرّ البقاء، ويعلن أنّ الأرض تعرف أهلها، وأن الإيقاع مستمر، وأنّ الحكاية تمضي مقامًا بعد مقام حتى يكتمل اللحن في أفقٍ من صمودٍ لا ينفد، وبقاءٍ يتجدّد كالفجر في كلّ يوم.
سنردّد يومًا ما نشيد الأرض، وستعلو حناجرنا بالقصيد:
يا أرضُ يا نغماً يُقيمُ مقامَهُ
بينَ القلوبِ ويستفيقُ بيانُ
فيكِ ابتدأنا والسنابلُ شهقةٌ
خضراءُ يكتبُ ظلَّها الإنسانُ
نمضي وفي وترِ الترابِ قصيدةٌ
عذراءُ يعزفُ لحنَها الإيمانُ
تبقينَ ما دامتْ على شرفاتِنا
شمسٌ وما في صدرِنا وجدانُ
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .