
“غابَ الصَّدى فاختلَّ فينا المَوْسِمُ ، بقلم : غدير حميدان الزبون
وخَبَتْ على شَفَةِ الغِنَا أنغامي
في انطفاء الشمعة السبعين لأحمد قعبور”
غدير حميدان الزبون
في رحيل الأصوات الكبيرة يتبدّل إيقاع العالم قليلًا، وتنزلق نغمةٌ أساسيةٌ من سلّم الذاكرة.
ومع غياب أحمد قعبور يمضي صوتٌ خَشِنٌ كحجارة المخيّم، دافئٌ كيدِ أمٍّ تُربّت على خوف أطفالها، وعميقٌ كأغنيةٍ وُلدت من رحم الوجع، هو صوتٌ حمل فلسطين في طبقاته، ووزّعها على الحناجر فصار نشيدًا يسكن الناس، ويُقيم في تفاصيلهم اليومية.
هذا الغياب يفتح في القلب مساحةً واسعة فتتردّد الأغاني كأصداء بعيدة، وتعلو الكلمات كأنّها تُقال للمرة الأولى.
وما بين الحنين والذاكرة يقف صوته شاهدًا على زمنٍ غنّى فيه الفن للإنسان، وصارت فيه الأغنية موقفًا، واللحن انحيازًا، والنبرة طريقًا إلى الحرية.
في لحظةٍ يُطفأ فيها صوتٌ كان يوقظ فينا الجهات الأربع، ويتكثّف الحزن في نبرة العالم، وتغدو المسافة أوسع من الغياب.
هكذا يمضي أحمد قعبور كحارسٍ قديمٍ لبوابة الحلم، وكصوتٍ ظلّ يُرمّم فينا ما تهدّم، ويُعيد تسمية الوطن كلما ضاقت به الخرائط.
تسلّل صوته بخفّة الضوء إلى جينات طفولتنا، فوجد طريقه إلى تفاصيلنا اليومية؛ في دفاتر المدرسة، وفي حقائبٍ صغيرة أثقلتها الأغاني، وفي ساحات الطابور الصباحي عندما تصطفّ البراءة على إيقاعٍ يتعلّم الوقوف.
وفي الزمن الجميل ارتفعت حناجرنا على نبرة “أناديكم”، فصار اللحن درسًا، وباتت الكلمات هُويةً تُكتسب بالتكرار والصدق.
في تلك السنوات حفظتنا الأغاني كما نحفظها، وصاغت وعينا كما نصوغ حروفنا الأولى.
وعلى خشباتٍ مدرسية متواضعة كانت الستائر خجولة والديكور بسيطا، فتمدّد صوته ليملأ الفراغ، وصارت الحركات الصغيرة رقصاتٍ للوطن، وصارت المشاهد المرتجلة مسرحًا حيًا للانتماء.
درّبنا طلابنا عندما كبرنا على أنْ يسيروا بخطواتٍ متّسقة مع نبض الأغنية، وأنْ يؤدّوا مشاهد تتنفّس كلماته، فكانت العملية التربوية امتدادًا لرسالته، وكانت الأغنية منهجًا يُدرَّس في العيون قبل الكتب.
وسرعان ما تحولت “نحنا الناس” إلى صيغة تعريف، وإلى جملةٍ جامعة تختصر الحكاية؛ ليلامس صوته عمق القلب في بساطة التعبير، ويرسّخ المعنى الصادق في وضوح النبرة.
أدرك أحمد قعبور أنّ الطريق الأقرب إلى الناس يمرّ عبر لغةٍ تشبههم، فجاءت أغانيه شفافةً كالماء، عميقةً كجذورٍ تضرب في الأرض.
من “سمّوني لاجئ” التي قدّمت مرآةً لوجع الهوية، إلى “يا نبض الضفة” التي أعادت رسم الجغرافيا بإيقاع القلب، ظل صوته منحازًا للإنسان، وللذاكرة، ولحلمٍ ينهض كلما تعثّر.
تتّسع في أغانيه الخيمة لكرامةٍ تُحفظ، ويغدو اللحن وطنًا متنقّلًا يحمل أهله حيثما يمضون.
وُلد في بيروت عام 1955، وتخرّج في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وفي سبعيناتٍ مثقلة بالتحوّلات تشكّل صوته في مساحةٍ يلتقي فيها الفن بالموقف.
جال مع “الكورس الشعبي” بين المقاتلين والجرحى واللاجئين فحملت الأغنية وظيفةً تتجاوز الأداء، وصار الصوت رفيقًا للألم ورافعةً للأمل.
حمل إرث عمر الزعني، وصاغه بروح زمنه، وأضاف إليه حساسيته الخاصة، فغدا صوتًا لجيلٍ كامل.
ترسّخت رؤيته للفن على أنّه شهادة حيّة، وكلمة تقال في وجه التعب من خلال تعاونه مع زياد الرحباني، وفي حضوره المسرحي والسينمائي.
ازداد صوته صفاءً في سنواته الأخيرة، فبدا ويكأنّه يقطّر الزمن في نغمةٍ أخيرة.
ظلّ يصدح بـ”أناديكم” مستدعيا الماضي، والحاضر، ومستلهما التغيير في المستقبل كأمانةٍ تُسلَّم من حنجرةٍ إلى أخرى، فتتّسع الدائرة ويكبر الصدى.
هكذا تتكاثر الأغنية في الناس، وتُقيم فيهم، وتستمرّ معهم.
فيا أيها الراحل، يا مَن علّمتنا كيف تُولد الأغنية من القلب، وكيف يتشكّل الانتماء من نبرةٍ صادقة، يا مَن جعلت المدرسة مسرحًا، والطفل شاهدًا، واللحن وطنًا ليمتدّ حضورك في كلّ ساحة، وفي كلّ صوتٍ يرتفع، وفي كلّ خطوةٍ تُضبط على إيقاعك.
مع انطفاء شمعتك السبعين تشعل وقود حنجرتك لتُربّي أغانيك الأجيال.
وحيثما تقف الطفولة كلّ صباحٍ لتردّد ما يشبهك يتجلّى حضورك عميقًا فينا؛ في الصوت إذْ يعلو، وفي الصمت إذْ يبحث عن أغنية.
وفي الختام يتقدّم صوت أحمد قعبور كضوءٍ ينساب في عروق الذاكرة، فيتكاثر في تفاصيلها، ويُعيد تشكيلها على هيئة نشيدٍ طويل.
يمتدّ كخيطٍ خفيّ بين قلبٍ وآخر، كأنّه نداءٌ قديم يعرف الطريق إلى البيوت، والصفوف، والحناجر التي تعلّمت أنْ تفتح أبوابها له.
ينهض صوته من جديد في الأزقّة الضيّقة، وعلى جدران المدارس، وفي خشباتٍ ارتجفت تحت أقدام أطفالٍ صغار، فيلوّن المشهد، ويملأ الفراغ، ويزرع في الخطوة إيقاعًا يشبه الأرض.
تتقدّم الوجوه، وتتشابك الأيدي، وترتفع الأصوات كأنّها موجٌ واحد يحمل اسمه دون أنْ يُقال، ويكتب حضوره دون أنْ يُرى.
يتحول صوته إلى ظلالٍ تمشي معنا، وإلى نَفَسٍ يرافق الكلمات، وإلى ذاكرةٍ حيّة تُعيد ترتيب العالم في داخلنا.
في كلّ زاويةٍ أثر، وفي كلّ حنجرةٍ صدى، وفي كلّ قلبٍ مساحةٌ دافئة تشبه نبرته.
تتلاقى في العمق البعيد الحكايات مع الحلم، ويتشكّل حضوره كقدرٍ جميل يُصاغ من أغنيةٍ واحدة، ويكبر حتى يصير وطنًا كاملًا لنردّدَ مع نشيد صوته:
غنّى فَصَارَتْ في الحُروفِ بِلادُنا
وتَفَتَّحَتْ من نَبْضِهِ أقلامي
يا صَوْتَ مَنْ سَكَنَ الجِهَاتِ تَغَنِّيًا
وبَنَى مِنَ الأَوْجَاعِ أَعْلَى مَقَامِ
يَبْقَى الصَّدَى، وتَظَلُّ أَنْفَاسُ الرُّؤى
تَحْيَا بِكَ الأَوْطَانُ فِي الأَنْغَامِ
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .