
إغلاق المسجد الأقصى وإقامة الهيكل… هل يعيد التاريخ نفسه في خضم المعركة الكبرى؟ وهل من ياسر عرفات بيننا؟ بقلم : أحمد سليمان
ليست القدس مدينة عادية في التاريخ، وليست المسجد الأقصى مجرد مكان عبادة، بل هي جوهر الصراع ورمز الهوية والرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية. وفي كل مرحلة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية تعود القدس لتقف في قلب المواجهة، وكأن التاريخ يصرّ على أن يضعها دائماً في مركز العاصفة.
اليوم، ومع تصاعد نفوذ اليمين الإسرائيلي المتطرف، لم تعد الإجراءات التي تُتخذ في القدس، وخصوصاً في المسجد الأقصى، تُفهم فقط في إطار أمني أو مؤقت. فإغلاق المسجد الأقصى أو تقييد الوصول إليه ليس مجرد إجراء إداري، بل يأتي في سياق سياسة أوسع تهدف إلى فرض واقع جديد في المدينة المقدسة.
القصد الإسرائيلي من هذه الإجراءات، في نظر كثير من الفلسطينيين والمراقبين، يتجاوز مسألة السيطرة الأمنية، ليصل إلى محاولة تدريجية لفرض مشروع التهويد على القدس، وتغيير طابعها الديني والتاريخي. فكل خطوة، مهما بدت صغيرة أو مؤقتة، تندرج ضمن سياسة تراكمية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد في المدينة، تمهيداً لفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً.
في هذا السياق، تتقاطع الإجراءات الميدانية مع الخطاب السياسي لتيارات اليمين الإسرائيلي التي تتحدث بشكل متزايد عن تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وعن ما يسمونه “الحق التاريخي والديني” في المكان. وهذه الدعوات، التي كانت في الماضي محصورة في جماعات متطرفة، أصبحت اليوم تجد صدى داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية.
وفي لحظة كهذه، يعود التاريخ ليحضر بقوة في الذاكرة الفلسطينية. فقبل أكثر من عقدين، وقف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في مفاوضات قمة كامب ديفيد 2000 أمام ضغوط دولية كبيرة للتوقيع على اتفاق يتضمن ترتيبات تتعلق بالقدس والمسجد الأقصى. يومها طُرحت أفكار عديدة حول السيادة على الحرم الشريف، وبعضها كان يفتح الباب عملياً أمام تغيير الوضع التاريخي القائم.
لكن عرفات رفض التوقيع. لم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل تعبيراً عن إدراك عميق بأن القدس ليست ملفاً تفاوضياً عادياً، بل قضية وجود وهوية وتاريخ.
ولم تمضِ أشهر قليلة حتى انفجر الشارع الفلسطيني بعد اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى عام 2000، لتندلع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي شكلت واحدة من أهم محطات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكانت القدس في قلبها.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً، تبدو الظروف وكأنها تعيد طرح الأسئلة ذاتها. فالتصعيد في القدس، وإغلاق المسجد الأقصى، وتصاعد الدعوات إلى تغيير الوضع القائم فيه، كلها مؤشرات على مرحلة جديدة قد تكون أكثر حساسية وخطورة.
فالقدس لم تكن يوماً مجرد مدينة في النزاع السياسي، بل كانت دائماً البوصلة التي تحدد اتجاه الصراع. وكل محاولة لفرض واقع جديد فيها كانت تقابل برد فعل فلسطيني يعيد القضية إلى الواجهة.
غير أن التحدي اليوم لا يقتصر على السياسات الإسرائيلية، بل يرتبط أيضاً بقدرة الفلسطينيين على صياغة موقف وطني موحد يحمي القدس ويواجه مشروع تهويدها.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه من جديد:
إذا كان المشروع الإسرائيلي يتقدم بخطوات متسارعة نحو فرض واقع جديد في القدس، فهل يمتلك الفلسطينيون اليوم القيادة والإرادة السياسية القادرة على مواجهة هذه المرحلة؟
وهل بيننا اليوم من يمتلك الجرأة التاريخية التي امتلكها ياسر عرفات عندما رفض التوقيع على ما يمس القدس؟
إن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه كثيراً ما يضع الشعوب أمام الامتحان ذاته.
والقدس، كما كانت دائماً، هي الامتحان الأصعب .
- – أحمد سليمان – حركة فتح – السويد
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .