11:30 مساءً / 5 فبراير، 2026
آخر الاخبار

حين يصبح العقل ساحة صراع: الأمن الفكري وبناء التوازن الداخلي في فلسطين ، بقلم: د. عماد سالم

حين يصبح العقل ساحة صراع: الأمن الفكري وبناء التوازن الداخلي في فلسطين ، بقلم: د. عماد سالم

في عالمٍ يتسارع فيه الضجيج، وتتشابك فيه مصادر التأثير، لم يعد الاضطراب حالة طارئة، بل أصبح واقعاً يوميًا يلامس الوعي الإنساني في أعمق مستوياته. أما في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الاضطراب يتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً، حيث يتقاطع الاحتلال بما يفرضه من عنف مباشرمع وضع اقتصادي خانق، وارتفاع معدلات البطالة، وضيق فرص العمل، والنظام التعليمي بما يواجهه من تحديات وتراجع الأمل لدى فئات واسعة من الشباب.


فاصبح الصراع في فلسطين لا يدار على الارض وحدها بل على الإنسان ذاته؛ على وعيه، وصبره، وقدرته على الاستمرار دون أن يفقد توازنه الداخلي، كلها عوامل تتقاطع لتجعل العقل الفلسطيني ساحة صراع مفتوحة، خاصة لدى فئة الشباب.


لم يعد التحدي مقتصراً على تأمين الاحتياجات المادية، بل بات يتمثل في حماية العقل الفلسطيني من التفكك، والاغتراب، والتطرف، والانكسار الداخلي. من هنا، يبرز مفهوم الأمن الفكري بوصفه ضرورة وطنية، لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الاجتماعي، بل تشكل الأساس الخفي لاستمرار الصمود والقدرة على التكيف..


الأمن الفكري في هذا السياق لا يمكن فصله عن شروط الحياة المادية، ولا عن فرص العمل، ولا عن الإحساس بالكرامة والجدوى، فالعقل الذي يعيش في قلق دائم على لقمة العيش، لا يُستهدف فقط نفسياً، بل فكرياً أيضاً.

الأمن الفكري: بناء الوعي في بيئة غير آمنة

الأمن الفكري لا يعني تحصين العقل من الأفكار المتطرفة فقط، بل حمايته من:


الإحباط المزمن، الشعور بالعجز، فقدان الثقة بالمستقبل، والانزلاق نحو اللامبالاة أو التطرف كردّ فعل على انسداد الأفق.
وفي الحالة الفلسطينية، يصبح الأمن الفكري مرهونًا بقدرتنا على فهم العلاقة بين الاحتلال، والاقتصاد، والتعليم، والعمل، بوصفها منظومة واحدة تؤثر مباشرة في وعي الشباب واستقرارهم النفسي.


الأمن الفكري: مفهوم يتجاوز الشعارات


الأمن الفكري لا يعني فرض نمط تفكير واحد، ولا تقييد حرية الرأي، لا يعني تحصين العقل من الأفكار المتطرفة فقط، بل هو حالة من التوازن الداخلي تمكّن الفرد من:


فهم واقعه بوعي نقدي، التمييز بين الحقيقة والتضليل، التعامل مع الأزمات دون السقوط في اليأس أو التطرف،
الحفاظ على منظومة قيم إنسانية ووطنية مستقرة.


وفي فلسطين، يتعرض هذا الأمن لاهتزازات متواصلة نتيجة ما ذكر سابقاً، وتآكل الثقة بالمستقبل، ما يجعل العقل – لا الجغرافيا فقط – ساحة مفتوحة للصراع.


الاحتلال: مولّد دائم للاختلال الفكري


الاحتلال لا يُقيّد الحركة فقط، بل:


يحدّ من النمو الاقتصادي، يُضعف سوق العمل، يُقوّض الاستثمارات، ويُبقي الشباب في حالة انتظار قسري.
هذا الواقع يخلق شعورًا متراكمًا بفقدان السيطرة على الحياة، وهو أحد أخطر مهددات الأمن الفكري. فحين يشعر الإنسان أن جهده لا يغيّر واقعه، تبدأ القناعات بالتآكل، ويصبح العقل أكثر هشاشة أمام اليأس أو الخطابات الانفعالية.


الشباب الفلسطيني: بين الطموح والانسداد


يشكّل الشباب النسبة الأكبر من المجتمع الفلسطيني، وهم في الوقت ذاته الأكثر عرضة للاختلال الفكري والنفسي. فسنوات طويلة من التعليم، تقابلها بطالة مرتفعة، وفرص محدودة، وسوق عمل مشوّه بفعل الاحتلال، تخلق فجوة خطيرة بين الطموح والواقع.


هذا الانسداد لا ينتج فقط إحباطًا اقتصاديًا، بل:


يولّد شعورًا بعدم الجدوى، يضعف الانتماء للمسار التعليمي، يفتح المجال لأفكار متطرفة أو انسحابية، ويهدد التوازن النفسي والاجتماعي للشباب.


من هنا، لا يمكن فصل الأمن الفكري عن سياسات التشغيل، والعدالة التعليمية، وكرامة العمل.


التعليم العام: الركيزة الأولى للأمن الفكري وخط الدفاع الأول أمام الانكسار


يُعد التعليم العام حجر الأساس في بناء الوعي، وتشكيل الشخصية، وتعزيز القدرة على التفكير النقدي. لكن حين يقتصر التعليم على التلقين، وينفصل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، فإنه يفقد دوره الوقائي، ويتحول إلى عبء نفسي على المتعلم.


إن تعزيز الأمن الفكري عبر التعليم العام يتطلب:


مناهج تُنمّي التفكير التحليلي لا الحفظ، تربية إعلامية تُمكّن الطلبة من فهم الخطاب الرقمي ومصادر التضليل، إدماج مهارات الحياة، والصحة النفسية، وإدارة الضغوط، إعداد المعلم ليكون مربيًا للوعي، لا ناقلًا للمعلومة فقط.


في ظل هذا الواقع، يصبح التعليم العام أكثر من مجرد مرحلة تعليمية؛ يتحول إلى مساحة حماية للوعي. تعليم لا يهيئ الطلبة لفهم الاقتصاد، ولا يشرح لهم طبيعة القيود المفروضة على سوق العمل، يتركهم في مواجهة صدمة الواقع دون أدوات تفسير.


التعليم العام المعزِّز للأمن الفكري هو الذي:


يربط المعرفة بالواقع الاقتصادي والسياسي، يدرّس التفكير النقدي لا الحفظ، يدمج مفاهيم العمل، والإنتاج، والمرونة المهنية، ويُعدّ الطلبة نفسيًا للتعامل مع الإحباط دون الانهيار.


التعليم والتدريب المهني والتقني: من الهامش إلى قلب المعادلة وهو الرد العملي على البطالة
في ظل ارتفاع البطالة، خاصة بين خريجي التخصصات الأكاديمية، يبرز التعليم والتدريب المهني والتقني (TVET) كأحد أهم أدوات حماية التوازن الفكري والاجتماعي.


فهذا المسار، حين يُدار بشكل استراتيجي:


يمنح الشباب مهارات قابلة للتشغيل، يعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، يخفف من الإحباط الناتج عن البطالة، ويعزز الشعور بالجدوى والانتماء. يفتح آفاق العمل الحر والمشاريع الصغيرة، يقلل من الفجوة بين التعليم وسوق العمل.
غير أن استمرار النظر إلى التعليم المهني كخيار ثانوي، يضعف أثره، ويُبقي شريحة واسعة من الشباب في دائرة القلق واللايقين.


التعليم والتدريب المهني والتقني ليس حلًا سحريًا، لكنه مسار واقعي يخفف من أثر البطالة على الوعي، ويمنح الشباب إحساسًا بالقدرة على الفعل، حتى في اقتصاد مقيد.


الوضع الاقتصادي وقلة فرص العمل: سياق ضاغط على الوعي


الاقتصاد الفلسطيني المقيد، وضعف القطاع الإنتاجي، وتراجع فرص العمل اللائق، خاصة في القطاعات التقنية والمهنية، تُعمّق أزمة المعنى لدى الشباب. فالتعليم الذي لا يقود إلى عمل، يتحول من أداة تمكين إلى مصدر إحباط.
وحين تتكرر هذه التجربة، يتشكل وعي جمعي مشوّه مفاده أن:


الاجتهاد لا يُكافأ، والتعليم لا يضمن الكرامة، والمستقبل رهينة عوامل خارج السيطرة.
هذا الوعي هو نقيض الأمن الفكري.


البطالة والوضع الاقتصادي: تهديد صامت للأمن الفكري


لا يمكن الحديث عن أمن فكري في ظل بطالة مرتفعة، وفقر متزايد، واقتصاد مقيد بفعل الاحتلال. فالعقل المرهق بالهمّ المعيشي يصبح أكثر عرضة للانكسار، وأقل قدرة على التفكير العقلاني.


إن البطالة ليست مجرد رقم إحصائي، بل حالة نفسية طويلة الأمد، تُضعف الثقة بالذات، وتؤثر على العلاقات الاجتماعية، وتخلق بيئة خصبة لليأس أو الغضب غير المنضبط.


ارتفاع البطالة: من أزمة اقتصادية إلى أزمة وعي


تشير التجربة الفلسطينية بوضوح إلى أن البطالة، خاصة بين الشباب والخريجين، ليست رقمًا اقتصاديًا فحسب، بل حالة نفسية وفكرية ممتدة، فالشاب العاطل عن العمل يعاني من:


فقدان الإحساس بالجدوى، تراجع الثقة بالنفس، ضغط اجتماعي وأسري، وشعور متزايد بعدم العدالة.
هذه الحالة، إذا طالت، تُنتج اختلالًا فكريًا يتمثل في:


الانسحاب من الشأن العام، العدوانية أو الانفعال الزائد، أو الارتماء في أوهام خلاص فردي أو جماعي.
من هنا، تصبح مكافحة البطالة جزءًا لا يتجزأ من سياسات الأمن الفكري.


الشباب بين الاستنزاف والتمكين


الشباب الفلسطيني اليوم لا يعاني فقط من قلة الفرص، بل من تراكم الرسائل السلبية:
ادرس ولا عمل، اصبر ولا أفق، التزم ولا ضمان.
هذا التناقض يولّد توترًا فكريًا عميقًا، لا يُعالج بالخطاب العاطفي، بل بسياسات تعليم وتشغيل متكاملة.
تمكين الشباب يبدأ من:


تعليم عام واعٍ، مسارات مهنية محترمة، فرص عمل ولو محدودة لكنها حقيقية، وإشراكهم في فهم الواقع بدل تحميلهم عئ الصبر فقط.


من التشخيص إلى الفعل


إن حماية الأمن الفكري في فلسطين تتطلب الانتقال من الخطاب إلى السياسات، ومن النوايا إلى البرامج العملية. فلا يمكن مواجهة الاختلالات الفكرية دون معالجة جذورها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية.

توصيات لتعزيز الأمن الفكري في السياق الفلسطيني

أولًا: في التعليم العام

⦁ إدماج التفكير النقدي، والتربية الإعلامية، ومهارات الحياة في المناهج.
⦁ ربط التعليم بواقع الطلبة الاقتصادي والاجتماعي.
⦁ تعزيز الدعم النفسي المدرسي.
⦁ الاستثمار في تأهيل المعلمين فكرياً ومهنياً.

ثانيًا: في التعليم والتدريب المهني والتقني

  1. إعادة الاعتبار لـ TVET كخيار وطني استراتيجي.
  2. ربط البرامج بسوق العمل الحقيقي والعمل الحر.
  3. تطوير الإرشاد المهني المبكر.
  4. دمج القيم الوطنية والإنسانية في التدريب المهني.

ثالثًا: في سياسات الشباب والتشغيل

  1. اعتبار بطالة الشباب تهديدًا للأمن الفكري.
  2. دعم الريادة والمشاريع الصغيرة.
  3. إشراك الشباب في صياغة السياسات.

رابعًا: على المستوى الوطني

  1. اعتماد الأمن الفكري كقضية متعددة القطاعات.
  2. الاستثمار في التعليم المنتج كأداة صمود.
  3. بناء شراكات حقيقية بين التعليم وسوق العمل.

وفي الختام في فلسطين، قد لا نملك السيطرة على كل شروط الواقع، لكننا نملك القدرة على بناء عقل متوازن، وتعليم واعٍ، وشباب قادر على الصمود دون أن يفقد إنسانيته.

فحين يُحمى العقل، يصبح الأمل خيارًا، لا وهمًا، ويغدو الصمود فعلًا واعيًا لا مجرد تحمّل.

فالعقل حين يصبح ساحة صراع، فإن أخطر ما نواجهه ليس الاحتلال وحده، بل تطبيع البطالة، وتبرير الفقر، وإدامة الانتظار.

فالأمن الفكري في فلسطين لا يُبنى بمعزل عن الاقتصاد، ولا عن العمل، ولا عن الكرامة الإنسانية.

وفي واقعٍ تُغلق فيه فرص كثيرة، يبقى التعليم العام المتماسك، والتعليم والتدريب المهني والتقني المرتبط بسوق العمل، أحد أهم مسارات حماية العقل الفلسطيني من الانكسار، وتحويل الصمود من حالة إنسانية مرهقة إلى مشروع وعي وإنتاج وأمل ممكن.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في التعليم والتنمية

شاهد أيضاً

وزارة الخارجية الصينية تقيم حفل استقبال بمناسبة السنة الصينية الجديدة 2026

وزارة الخارجية الصينية تقيم حفل استقبال بمناسبة السنة الصينية الجديدة 2026

شفا – استضاف وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، حفل استقبال وزارة الخارجية الصينية بمناسبة السنة …