
لسنا قرابين لحفلاتكم الشيطانية ، بقلم : غدير حميدان الزبون
تبدأ الحكاية من مشهد عاديّ في ظاهره يتمثّل في شاشة مضاءة في غرفة جلوس، وطفل رضيع يضحك بلا معنى، وهاتف يمرّر صورًا مصقولة عن عالم متحضّر يعرف كيف يقدّم نفسه.
في تلك اللحظة البسيطة يتشكّل السؤال الأخطر وهو: أي ثقافة هذه التي تُنتج البهجة على السطح، وتُخفي في العمق جزرًا معزولة تُدار خارج الأخلاق.
جزيرة إبسن تدخل الوعي من باب الحياة اليومية، لا من بوابة الفضيحة، فهي ظلّ مرافق لخطاب يدّعي النقاء.
الجزيرة ليست مكانًا بعيدًا عن المدينة، إنها تمتدّ داخل المدينة نفسها، وداخل العلاقات، وداخل الصمت الاجتماعي.
في مقهى أنيق يناقش مثقّفون مستقبل الإنسانية، وفي جامعة تُلقى محاضرة عن حقوق الجسد، وفي معرض فنّي تُصفّق نخبة تعرف أسماءها جيّدًا.
هذا المشهد متكامل، فاللغة أنيقة، والقيم حاضرة في العناوين؛ لكن خلف هذا المسرح تعمل آلية أخرى، آلية تعرف كيف تحوّل الإنسان إلى تفصيل قابل للمحو.
هنا يفرض “نيتشه” نفسه من قلب المشهد بأنّ إرادة القوة لا تحتاج إلى سلاح إنما تحتاج إلى تعريف القيم، والثقافة وفق هذا المنظور ليست فضاء براءة، هي ميدان صراع رمزي، فمن يملك المنصّة يملك القدرة على تحويل الرغبة إلى حق، والانتهاك إلى سوء فهم، والفضيحة إلى حادثة معزولة.
جزيرة إبسن تكشف هذه المعادلة بلا رتوش، في زمن ترتدي فيه القوة قناع الفضيلة، وتطلب من الجميع التصفيق.
في الشارع المقابل للمسرح الثقافي تمرّ أمّ تدفع عربة طفلها.
هذا المشهد البسيط ينسف الخطاب كلّه، فالرضيع لا يعرف بيانات، ولا يفهم تبريرات، فجسده سؤال أخلاقي خالص. هنا يبدأ الحجاج الحقيقي.
ولتعلموا بأنّ أي حضارة تعجز عن حماية الأضعف تفقد شرعيتها مهما بلغ بريق لغتها.
هذا السؤال يطرق عقل القارئ بقسوة هادئة، ويطالبه بالاختيار بين البلاغة والكرامة.
“فوكو” يمنح هذا المشهد عمقه التحقيقي، فالمعرفة سلطة، والخطاب شبكة، والصمت سياسة، والإعلام لا يكذب دائمًا إنما يختار الزاوية، وكذلك الجامعة لا تخون دائمًا إنما تحدّد سقف السؤال، والمؤسسة الثقافية لا تصرخ، فهي تبتسم وتغيّر الموضوع.
جزيرة إبسن تظهر كنقطة تلاقٍ لهذه الشبكات، فالحقيقة تُدار، وتُجزّأ، وتُقدَّم بجرعات محسوبة، والتحقيق الصحفي الأدبي يتسلّل بين هذه الطبقات، ليربط ما فُصل عمدًا.
في أرشيف الحياة اليومية تظهر مؤشرات صغيرة بعنوان مخفّف، ومقال مؤجّل، وندوة أُلغيت بهدوء، لتصنع هذه التفاصيل الكارثة الكبرى.
“أرندت” تفسّر ذلك بدقّة مرعبة بأنّ الشر يعمل عبر الاعتياد، وعبر أداء مهذّب، وعبر غياب الصدمة، وأنّ جزيرة إبسن مختبر حيّ لهذا المنطق، فلا وحش يصرخ، فقط نظام يعرف كيف يستمرّ.
السرد هنا ضرورة لا ترف؛ لأنّ الأدب يلتقط ما تفلت منه التقارير من صوت أمّ، وصمت طفل، إلى ارتباك شاهد.
هذه المشاهد تحاصر عقل القارئ، وتخرجه من منطقة الراحة، وتضعه داخل السؤال، فالثقافة التي تُنتج هذا الصمت هي ثقافة مشاركة مهما ادّعت الحياد، والحضارة التي تبرّر هذا الانفصال بين الخطاب والفعل حضارة مأزومة.
والحجاج يصل ذروته عند نقطة واحدة فالإنسان ليس مادة خطابية، والرضيع الذي يضحك في بداية النص هو مركز المعنى كلّه، وأي منظومة تقايضه بالسمعة أو النفوذ أو المال تدخل منطق الجزيرة الشيطانية.
هنا يسقط ادّعاء التحضّر، ويتحوّل التنوير إلى زخرفة فارغة، ويتعمّق الوعي أكثر مع إدراك الأثر المرتدّ لهذا المشهد على مجتمعاتنا العربية ذاتها، فالتلذّذ الصامت بدماء أطفال غزة يجد تربة خصبة في عالم عربيّ أُنهك ببثّ الفرقة الاجتماعية، وتفكيك المعنى، وإشاعة ألوان متعدّدة من الفساد، والانقسام لم يعد سياسيًا فقط، فقد صار وجدانيًا وأخلاقيًا يتشكل من أفراد متجاورين بلا رابطة قيمية جامعة، ومن جماعات متناحرة تُستدرج إلى صراعات جانبية تستهلك الغضب وتُفرغه من بوصلته.
هذا الواقع يخدم المنظومة ذاتها التي ترى في أطفالنا قرابين رمزية، فالمجتمع المنقسم عاجز عن إنتاج موقف أخلاقي موحّد، وجوهر المشكلة سببه الابتعاد عن جوهر الدين، وعن قيم العدالة والكرامة والرحمة، والذي فتح فراغًا روحيًا ملأته ثقافة استهلاك وخطاب مفرغ من المعنى. فالدين تحوّل عند البعض إلى طقس شكلي، أو شعار هويّاتي، وفقد قدرته على العمل كقوة أخلاقية رادعة.
في هذا الفراغ تنمو قابلية التطبيع مع الجريمة، ويصبح مشهد الطفل الشهيد خبرًا عابرًا، وصورة تُمرَّر ثم تُنسى.
هكذا يكتمل المشهد الشيطاني من منظومة خارجية تقدّس القوة، وبيئة داخلية منهكة، فيُستباح الدم، ويُشترى الصمت، وتُدار المأساة كجزء من نظام عالمي يعرف كيف يستثمر في ضعف القيم وتآكل الوعي.
وفي الختام نحن لا نبحث عن بلاغة ختامية إنما نبحث عن موقف بأننا لسنا قرابين لخطاب يعرف كيف يحتفل بنفسه، ولسنا أرقامًا في أرشيف الصمت.
والثقافة التي تستحق اسمها تبدأ من حماية الأضعف، ومن مساءلة الأقوى، ومن شجاعة النظر في المرآة.
فجزيرة إبسن ستبقى شاهدًا، إمّا على انهيار الادّعاء، أو على ولادة وعي جديد يعيد للإنسان مكانه خارج حفلات الشيطان.
سنكتب كثيرا كي لا يبتلع الصمت أسماء الصغار، وكي تبقى العيون مفتوحة أمام مشهد الدم العاري من التبرير.
فغزة تضع العالم أمام مرآته، وتكسر الزجاج، وتترك الشظايا في الضمير.
من اختار الاحتفال فوق الجراح سيحمل أثرها طويلًا، فالأرض تحفظ الذاكرة، والأطفال وصيّة أخلاقية، وامتحان كوني، وميزان عدالة لا يخدع.
وسنظلّ نقولها بوجع واضح وصوت ثابت: الإنسان أولًا، وأي ثقافة تعبر فوق الأجساد تسقط خارج التاريخ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .