
إسرائيل… ومنطق الصراع الدائم ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس
ليس الصراع في هذه المنطقة العربية والاسلامية ، نتيجة سوء تقدير عابر أو فشل سياسي مؤقت، بل تعبير عن منطق بنيوي يُعاد إنتاجه كلما لاحت فرصة حقيقية للاستقرار.
فلفهم السلوك الإسرائيلي تجاه محيطها العربي والإقليمي، لا يكفي الاكتفاء بالتفسيرات الأمنية أو الأيديولوجية التقليدية.
ورغم أهميتها، تعجز هذه المقاربات عن تفسير استمرارية الصراع وطابعه البنيوي، حتى في الفترات التي تتكثف فيها الضغوط الدولية باتجاه التسوية.
يقدّم مفهوم «الكيانات الوظيفية» إطارًا تحليليًا أكثر عمقًا، من خلال النظر إلى إسرائيل لا بوصفها دولة طبيعية نشأت ضمن سياقها التاريخي والجغرافي، بل ككيان أُنشئ ليؤدي وظيفة استراتيجية محددة داخل منظومة دولية وإقليمية أوسع.
في هذا النموذج، تُقاس شرعية الكيان الإسرائيلي واستمراريته بقدرته على أداء دوره الوظيفي، لا بمدى اندماجه الطبيعي في محيطه.
الكيان الوظيفي هو كيان تصبح فيه الوظيفة سابقة على الدولة، والدور أهم من الاستقرار.
ووفق هذا المنظور، يمكن قراءة نشأة إسرائيل باعتبارها جزءًا من ترتيبات ما بعد الاستعمار، حيث أُقيمت في قلب منطقة عربية–إسلامية متجانسة ثقافيًا، لكنها مجزأة سياسيًا، لتؤدي دورًا يحدّ من تشكّل قوة إقليمية عربية متماسكة، ويُبقي المجال الجيوسياسي في حالة سيولة دائمة.
ضمن هذا السياق، لا يُعدّ التفوق العسكري الإسرائيلي خيارًا أمنيًا أو أداة سياسية فحسب، بل شرطًا وجوديًا.
فالتوازن الاستراتيجي، أو حتى الاقتراب منه، يهدد الوظيفة ذاتها، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مبررات استمرار هذا الكيان ودوره.
لذلك، تعارض إسرائيل أي ترتيبات إقليمية قائمة على توازن القوى أو الأمن الجماعي، وتسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف وصراع مفتوح، بدرجات متفاوتة من الحدة.
وتقع القضية الفلسطينية في صميم هذا المنطق…. فالاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة و تقرير المصير، يعني عمليًا نزع الطابع الوظيفي عن إسرائيل وتحويلها إلى دولة طبيعية خاضعة لقواعد القانون الدولي.
من هنا، يستمر نفي الرواية الفلسطينية، ومحاولات تفريغ القضية من مضمونها السياسي، واختزالها في أبعاد إنسانية أو معيشية، بما ينسجم مع إدارة الصراع لا مع حله.
ويبرز هنا تناقض بنيوي واضح: فبينما يسعى النظام الدولي، نظريًا، إلى الاستقرار وتسوية النزاعات، يعتمد هذا الكيان الاسرائيلي على إدارة الصراع لا إنهائه. فالسلام العادل والشامل يُقوّض منطق التفوق والاستثناء، ويُعيد طرح إسرائيل كدولة عادية في محيطها، وهو ما يتعارض مع بنيتها الوظيفية ودورها الإقليمي.
خلاصة القول :
إن إسرائيل، في إطار منطقها الوظيفي، تعيش تناقضًا بنيويًا مع فكرة السلام العادل، ومع الاستقرار الإقليمي، ومع الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف.
ومن دون معالجة هذا التناقض في جذوره، سيبقى الصراع هو القاعدة لا الاستثناء، وسيظل الاستقرار والسلام مؤجّلًا، لا غائبًا بالصدفة بل مُعطّلًا بالدور و الوظيفة الخاصة للكيان الصهيوني الإحلالي و العنصري .
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .