8:42 مساءً / 20 يناير، 2026
آخر الاخبار

عندما تصبح القراءة تحديًا: فهم عسر القراءة أو الديسلكسيا (Dyslexia) ، بقلم : هنادي طلال الدنف

عندما تصبح القراءة تحديًا: فهم عسر القراءة أو الديسلكسيا (Dyslexia)

عندما تصبح القراءة تحديًا: فهم عسر القراءة أو الديسلكسيا (Dyslexia) ، بقلم : هنادي طلال الدنف

عسر القراءة، أو ما يُعرف علميًا بـ الديسلكسيا (Dyslexia)، هو أحد أكثر اضطرابات التعلم شيوعًا، ومع ذلك ما يزال يُساء فهمه في كثير من المجتمعات. غالبًا ما يُفسَّر على أنه كسل، أو ضعف في الذكاء، أو إهمال دراسي، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. الديسلكسيا ليست مرضًا، وليست علامة على قلة القدرات العقلية، بل هي اختلاف في طريقة معالجة الدماغ للغة المكتوبة.

عسر القراءة هو اضطراب عصبي نمائي يؤثر على قدرة الشخص على القراءة، والتهجئة، وربط الحروف بأصواتها، رغم الذكاء الطبيعي أو المرتفع، ورغم تلقي تعليم مناسب. يظهر عادة في مرحلة الطفولة، لكنه قد يستمر إلى مرحلة المراهقة والبلوغ إذا لم يُشخَّص ويُدعَم بالشكل الصحيح. الأشخاص المصابون بالديسلكسيا قد يواجهون صعوبة في قراءة الكلمات بطلاقة، التمييز بين الحروف المتشابهة، ترتيب الحروف داخل الكلمة، أو فهم النصوص المكتوبة بسرعة، لكن هذه الصعوبات لا تعكس قدراتهم الحقيقية، بل تعكس طريقة مختلفة لعمل الدماغ.

تشير الدراسات العصبية إلى أن دماغ الشخص المصاب بالديسلكسيا يعالج اللغة المكتوبة باستخدام مسارات مختلفة عن الدماغ النمطي، حيث تعمل مناطق الدماغ المسؤولة عن الربط بين الصوت والحرف بشكل أبطأ أو أقل كفاءة، ما يجعل القراءة عملية مرهقة ذهنيًا. في المقابل، كثير من المصابين بالديسلكسيا يمتلكون نقاط قوة ملحوظة في التفكير البصري، الإبداع، حل المشكلات، والتفكير خارج الصندوق، ولهذا ليس من الغريب أن نجد بينهم علماء، وفنانين، وروّاد أعمال ناجحين.

تظهر أعراض عسر القراءة في مراحل مختلفة من العمر. في الطفولة المبكرة قد يلاحظ تأخر في تعلم الكلام، صعوبة في حفظ الأغاني أو القوافي، وخلط بين الاتجاهات مثل اليمين واليسار. وفي سن المدرسة، تصبح صعوبة تعلم القراءة والتهجئة واضحة، مع قراءة ببطء شديد، تجنب القراءة أمام الآخرين، وأخطاء متكررة في الكتابة. أما في المراهقة والبلوغ، فقد تستمر صعوبات القراءة والكتابة، إلى جانب انخفاض الثقة بالنفس والقلق المرتبط بالأداء الأكاديمي.

ولعل أخطر ما يواجه المصابين بالديسلكسيا هو الأثر النفسي الناتج عن سوء الفهم. الأطفال والمراهقون الذين يُلامون باستمرار أو يُقارنون بغيرهم قد يبدأون بتصديق أنهم أقل ذكاءً، ما يؤدي إلى تدنّي تقدير الذات، القلق، الانسحاب الاجتماعي، وكره المدرسة أو التعلم. في هذا السياق، تساعد التشخيص المبكر والدعم النفسي إلى جانب الدعم التعليمي على حماية الطفل أو الشاب من آثار سلبية طويلة الأمد.

تجارب الواقع تؤكد ذلك، فإحدى الشابات تروي كيف طوّرت استراتيجيات خاصة بها لتنجح في دراستها ومهامها العملية، لكن المشكلة لم تكن يومًا في قدراتها، بل في نظرة الآخرين لها. فهي في أكثر من مرة، وبعد وصولها لمراحل متقدمة في التقديم على وظيفة، لاحظت تغيّرًا واضحًا في تعامل أصحاب العمل فور معرفتهم بأنها تعاني من عسر القراءة. في بعض الحالات لم يُرفض طلبها بشكل مباشر، لكن التواصل كان ينقطع فجأة، أو تُعطى أعذار عامة مثل وجدنا مرشحًا أنسب. أكثر ما كان مؤلمًا هو الشعور بأنها أُقصيت مسبقًا، ليس بسبب نقص في مهاراتها، بل بسبب تشخيص لا يعكس قدراتها الحقيقية. هذه القصة تعكس واقعًا يعيشه كثيرون، حيث يتحوّل الجهل بعسر القراءة من مجرد نقص في المعرفة إلى تمييز صامت يحرم أشخاصًا مؤهلين من فرص عادلة.

تشخيص الديسلكسيا يتم من خلال تقييم شامل يجريه مختصون في علم النفس أو التربية الخاصة، ويشمل اختبارات القراءة واللغة، تقييم الذاكرة والانتباه، واستبعاد أي مشكلات حسية مثل السمع أو البصر. التشخيص ليس وصمة، بل هو بوابة للفهم والدعم، ويمكّن من وضع استراتيجيات تعليمية مناسبة.

عسر القراءة لا يُشفى لأنه ليس مرضًا، لكنه يُدار ويُتجاوز بطرق فعّالة. التدخل المبكر يحدث فرقًا كبيرًا، ويشمل برامج تعليمية متخصصة تعتمد على التعلم متعدد الحواس، وقت إضافي في الامتحانات، استخدام وسائل مساعدة مثل الكتب الصوتية أو التقنيات الرقمية، بالإضافة إلى دعم نفسي وتشجيع مستمر. مع الدعم المناسب، يستطيع المصابون بالديسلكسيا النجاح أكاديميًا ومهنيًا على قدم المساواة مع غيرهم.

الأسرة والمدرسة هما خط الدفاع الأول. التفهّم، الصبر، عدم السخرية، والابتعاد عن المقارنات، كلها عوامل تحمي الطفل نفسيًا، أما المدرسة فمهما كان مستوى البرامج التعليمية، فعليها أن توفّر بيئة عادلة تراعي الفروق الفردية، لا أن تفرض قالبًا واحدًا على الجميع.

عسر القراءة ليس عيبًا، ولا ضعفًا، ولا نهاية الطريق. هو اختلاف يحتاج إلى وعي، وفهم، واحتواء. عندما ننظر إلى الديسلكسيا بعيون إنسانية، ونتعامل معها كجزء من التنوع البشري، نمنح أصحابها فرصة حقيقية ليظهروا إمكاناتهم الكاملة. المشكلة ليست في عقولهم، بل في الطريقة التي نحاكمهم بها.

شاهد أيضاً

الرئيس شي جين بينغ يشدد على أهمية ضمان انطلاقة قوية للخطة الخمسية الجديدة في الصين

الرئيس شي جين بينغ يشدد على أهمية ضمان انطلاقة قوية للخطة الخمسية الجديدة في الصين

شفا – دعا الرئيس الصيني، شي جين بينغ، اليوم الثلاثاء إلى بذل جهود كبيرة لضمان …