
فلسطين بين العاصفة الإقليمية وضرورة النهوض الوطني ، بقلم : هاني ابو عمرة
لم تعد الحرب المشتعلة في الإقليم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية يمكن احتواؤها أو تفسيرها ضمن سياق الاشتباكات التقليدية في الشرق الأوسط. ما يجري اليوم هو لحظة كسر للتوازنات التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، ومرحلة انتقالية قد يعاد فيها رسم النظام الإقليمي بأكمله. اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربة أمريكية، والرد الإيراني الواسع باستهداف القواعد الأمريكية في الخليج وضرب العمق الإسرائيلي، يضعان المنطقة أمام معادلة جديدة لا تقوم على الردع المتبادل فحسب، بل على محاولة إعادة تعريف القوة والهيمنة في الشرق الأوسط.
لكن قراءة هذه الحرب لا يمكن أن تبقى محصورة في بعدها العسكري المباشر، لأن ما يجري في العمق هو صراع على شكل المنطقة المقبلة. إسرائيل، التي تقف في قلب هذا الصراع بدعم أمريكي غير محدود، لا تخوض الحرب فقط بوصفها مواجهة مع إيران، بل باعتبارها فرصة تاريخية لكسر كل التوازنات التي كانت تحد من قدرتها على فرض إرادتها. فالتوازنات الإقليمية التي نشأت خلال العقود الماضية -سواء عبر النفوذ الإيراني أو عبر منظومات الردع غير المباشرة أو عبر الحسابات الدولية- كانت تشكل سقفاً سياسياً وأمنياً لحركة إسرائيل. أما اليوم، فإن هذه الحرب قد تمنحها فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، بما يسمح لها بالانتقال من قوة متفوقة عسكرياً إلى قوة مهيمنة سياسياً واستراتيجياً على الإقليم.
في العقل السياسي لليمين الإسرائيلي، لا تقرأ الحروب الكبرى فقط بوصفها مواجهات عسكرية، بل بوصفها لحظات تاريخية لإعادة ترتيب الخرائط. ومن هنا فإن أحد الأهداف غير المعلنة لهذه الحرب يتمثل في تفكيك موازين القوى القائمة في المنطقة، وإضعاف كل القوى القادرة على موازنة التفوق الإسرائيلي، بحيث تجد إسرائيل نفسها بعد الحرب القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد اللعبة الإقليمية. وعندها يصبح الطريق أكثر انفتاحاً أمام مشروع الهيمنة الإسرائيلية الذي يتقاطع، في بعض جوانبه، مع التصورات القديمة حول المجال الحيوي الإسرائيلي أو ما يشار إليه في الخطاب السياسي الإسرائيلي بمفهوم “إسرائيل الكبرى”، ليس بالضرورة بمعناه الجغرافي التقليدي فقط، بل بمعناه الاستراتيجي القائم على فرض السيادة السياسية والأمنية على الإقليم كله.
غير أن هذه الحرب لا تضع إيران وحدها في دائرة الاختبار، بل تضع أيضاً دول الخليج أمام سؤال استراتيجي عميق يتعلق بطبيعة منظومة الأمن التي اعتمدت عليها لعقود. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تشكلت معادلة أمنية تقوم على ثنائية واضحة: النفط مقابل الحماية الأمريكية. دول الخليج توفر الاستقرار في سوق الطاقة العالمية، والولايات المتحدة توفر لها المظلة الأمنية والعسكرية. لكن الضربات التي طالت القواعد الأمريكية في الخليج، والارتباك الذي رافق ردود الفعل الدولية، يفتحان الباب أمام سؤال قد يصبح مركزياً في التفكير السياسي الخليجي: هل تستطيع القوة الأمريكية فعلاً أن توفر الحماية المطلقة في زمن الحروب الكبرى؟ وإذا وضع الخيار الاستراتيجي بين حماية الحلفاء العرب أو حماية إسرائيل، فهل ستتساوى الأولويات في ميزان واشنطن؟
هذه الأسئلة لا تطرح من باب الجدل النظري فقط، بل لأنها ترتبط بمستقبل التوازنات الاقتصادية والسياسية في المنطقة. فإذا خرجت هذه الحرب بتراجع واضح في قدرة إيران، ومع إنهاك اقتصادي وعسكري لدول الخليج نتيجة استنزافها في سباق التسلح والصواريخ، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام فراغ استراتيجي يسمح لها بفرض نفسها شريكاً أمنياً أساسياً في المنطقة. وفي هذه الحالة، قد يتشكل نمط جديد من العلاقات الإقليمية يقوم على دور إسرائيلي متقدم في منظومة الأمن الإقليمي، سواء بصورة مباشرة أو عبر المظلة الأمريكية.
لكن حتى في هذا السيناريو، لا يمكن افتراض أن الأنظمة العربية -وخاصة الخليجية- ستتحول ببساطة إلى تابع مباشر لإسرائيل. فهذه الأنظمة ما زالت ترى نفسها جزءاً من منظومة تحالف تقودها الولايات المتحدة، وليست بالضرورة مستعدة للقبول بدور إسرائيلي مهيمن بصورة كاملة. ومع ذلك، فإن التوازن الدقيق بين الحليف الأمريكي وإسرائيل قد يتحول تدريجياً إلى معادلة جديدة تفرض بفعل موازين القوة لا بفعل الخيارات السياسية الحرة.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً في كل هذه التحولات يبقى السؤال الفلسطيني. ففي عالم يعاد تشكيله تحت ضغط الحروب، كيف يمكن لشعب واقع تحت الاحتلال أن يحمي مشروعه الوطني من التهميش؟ كيف يمكن لفلسطين أن تبقى حاضرة في معادلة إقليمية تعاد صياغتها بين قوى كبرى ومحاور متصارعة؟
الإجابة الأولى تبدأ من الداخل الفلسطيني نفسه. فالتاريخ السياسي لحركات التحرر يعلمنا أن الشعوب الضعيفة في ميزان القوة الدولية لا تستطيع حماية قضيتها إلا إذا امتلكت أولاً قدرتها الذاتية على النهوض الوطني. والنهوض الوطني هنا لا يعني مجرد خطاب سياسي أو تعبئة عاطفية، بل بناء حالة سياسية ومجتمعية متماسكة قادرة على تحويل القضية الفلسطينية من قضية تعاطف إلى قضية فعل سياسي مستمر.
وهذا يقود مباشرة إلى السؤال الأكثر حساسية: سؤال الوحدة الوطنية. فالوحدة الفلسطينية لا يمكن أن تكون مجرد شعار أخلاقي أو مطلب عاطفي، بل يجب أن تقوم على أساس سياسي واضح. هذا الأساس يتمثل في إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجامع الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الذي استطاع تاريخياً أن يجمع الفلسطينيين تحت برنامج سياسي واحد رغم اختلافاتهم. الوحدة الوطنية الحقيقية تعني وحدة البرنامج السياسي، ووحدة القرار الوطني، ووحدة تمثيل الشعب الفلسطيني في مواجهة العالم.
ففي ظل التحولات الإقليمية الكبرى، يصبح الانقسام الفلسطيني أكثر خطورة من أي وقت مضى، لأنه يفتح الباب أمام تحويل الساحة الفلسطينية إلى مساحة صراع بالوكالة أو ورقة تفاوض في حسابات القوى الإقليمية. لذلك فإن النهوض الوطني الفلسطيني يبدأ من إعادة بناء الوحدة على قاعدة المشروع الوطني المستقل، لا على قاعدة المحاور الإقليمية المتصارعة.
لكن فلسطين لا تتحرك في فراغ. فإلى جانب العمل الداخلي، يبقى البعد العربي عاملاً حاسماً. غير أن الواقع العربي اليوم يمر بحالة إنهاك غير مسبوقة. دول مركزية في النظام العربي مثل مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا وتونس تعاني أزمات عميقة تحد من قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر. أما الأنظمة الخليجية، فهي محكومة باعتبارات أمنية واقتصادية تجعل هامش حركتها محدوداً في مواجهة الإرادة الأمريكية.
لكن هذا لا يعني أن البعد العربي قد انتهى. فإلى جانب الأنظمة، هناك الشعوب العربية التي ما زالت ترى في القضية الفلسطينية جزءاً من هويتها السياسية والأخلاقية. وهذه القوة الشعبية -رغم أنها لا تتحول دائماً إلى سياسات رسمية- تبقى عاملاً مهماً في حماية القضية الفلسطينية من العزلة الكاملة.
إلى جانب ذلك، هناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في القوى التقدمية والشعبية في العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. فالرأي العام العالمي، والحركات الديمقراطية، والنقابات، والجامعات، وحركات التضامن مع فلسطين، كلها أصبحت في السنوات الأخيرة جزءاً من معركة الرواية والشرعية. صحيح أن القرار السياسي في واشنطن ما زال منحازاً بالكامل لإسرائيل، لكن التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي تشير إلى أن هذه المعركة طويلة وليست محسومة.
في النهاية، يبقى الدرس الأهم من كل هذه التحولات أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير بسرعة. القواعد القديمة لم تعد ثابتة، والتحالفات ليست أبدية، وموازين القوى يمكن أن تتبدل في لحظات الأزمات الكبرى. وفي عالم كهذا، لا تستطيع الشعوب الضعيفة أن تنتظر إنصاف التاريخ أو عدالة النظام الدولي.
ما تستطيع فعله هو أن تبني قوتها الذاتية أولاً، وأن تحافظ على وحدتها الوطنية، وأن تُبقي قضيتها حية في وجدان الشعوب، وأن تفرض حضورها في معادلات السياسة الدولية مهما كانت صعبة. فلسطين، التي صمدت أمام تحولات كبرى في التاريخ الحديث، مطالبة اليوم بأن تعبر هذه المرحلة أيضاً بوعي سياسي عميق، يدرك أن لحظات الفوضى الكبرى قد تكون أيضاً لحظات الفرص الكبرى -إذا أحسن أصحاب القضية قراءة التاريخ وهم يصنعونه.
الوطني المستقل، لا على قاعدة المحاور الإقليمية المتصارعة.
لكن فلسطين لا تتحرك في فراغ. فإلى جانب العمل الداخلي، يبقى البعد العربي عاملاً حاسماً. غير أن الواقع العربي اليوم يمر بحالة إنهاك غير مسبوقة. دول مركزية في النظام العربي مثل مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا وتونس تعاني أزمات عميقة تحد من قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر. أما الأنظمة الخليجية، فهي محكومة باعتبارات أمنية واقتصادية تجعل هامش حركتها محدوداً في مواجهة الإرادة الأمريكية.
لكن هذا لا يعني أن البعد العربي قد انتهى. فإلى جانب الأنظمة، هناك الشعوب العربية التي ما زالت ترى في القضية الفلسطينية جزءاً من هويتها السياسية والأخلاقية. وهذه القوة الشعبية -رغم أنها لا تتحول دائماً إلى سياسات رسمية- تبقى عاملاً مهماً في حماية القضية الفلسطينية من العزلة الكاملة.
إلى جانب ذلك، هناك بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في القوى التقدمية والشعبية في العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. فالرأي العام العالمي، والحركات الديمقراطية، والنقابات، والجامعات، وحركات التضامن مع فلسطين، كلها أصبحت في السنوات الأخيرة جزءاً من معركة الرواية والشرعية. صحيح أن القرار السياسي في واشنطن ما زال منحازاً بالكامل لإسرائيل، لكن التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي تشير إلى أن هذه المعركة طويلة وليست محسومة.
في النهاية، يبقى الدرس الأهم من كل هذه التحولات أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير بسرعة. القواعد القديمة لم تعد ثابتة، والتحالفات ليست أبدية، وموازين القوى يمكن أن تتبدل في لحظات الأزمات الكبرى. وفي عالم كهذا، لا تستطيع الشعوب الضعيفة أن تنتظر إنصاف التاريخ أو عدالة النظام الدولي.
ما تستطيع فعله هو أن تبني قوتها الذاتية أولاً، وأن تحافظ على وحدتها الوطنية، وأن تُبقي قضيتها حية في وجدان الشعوب، وأن تفرض حضورها في معادلات السياسة الدولية مهما كانت صعبة. فلسطين، التي صمدت أمام تحولات كبرى في التاريخ الحديث، مطالبة اليوم بأن تعبر هذه المرحلة أيضاً بوعي سياسي عميق، يدرك أن لحظات الفوضى الكبرى قد تكون أيضاً لحظات الفرص الكبرى -إذا أحسن أصحاب القضية قراءة التاريخ وهم يصنعونه.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .