1:21 صباحًا / 7 مارس، 2026
آخر الاخبار

رؤية شرق أوسطية: الحرب على إيران تظهر خلافات متصاعدة بين أمريكا وأوروبا

رؤية شرق أوسطية: الحرب على إيران تظهر خلافات متصاعدة بين أمريكا وأوروبا

شفا – ( شينخوا ) – أخذت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بتطوراتها الميدانية وتداعياتها السياسية والاقتصادية، تتدحرج في عدة اتجاهات، لتظهر خلافات متصاعدة بين واشنطن وعدد من حُلفائها الأوروبيين.

ومع دخول هذه الحرب يومها السابع على التوالي، بدأت تلك الخلافات تتعمق أكثر فأكثر، دون أن تصل إلى مستوى القطيعة أو التصادم، خاصة وأنها كشفت عن انقسام في صفوف حلفاء أمريكا من الدول الأوروبية التي دخلت في مأزق جدي عكسته المواقف المُتباينة التي تتالت على وقع هذه الحرب المُستعرة.

وتُرجع دوائر ومراكز الأبحاث السياسية الدولية هذه الخلافات بين أمريكا وعدد من الدول الأوروبية، إلى جملة من الحسابات التي لا تخلو من أجندات تحكمها مصالح متنافرة مرتبطة بمناطق النفوذ.

كما ترتبط أيضا بالأبعاد الإستراتيجية لهذه الحرب التي بدأت تتكشف عبر سياقات أحادية تُريد أمريكا أن تُبنى على قاعدتها أسس المرحلة القادمة، التي أثارت قلق الأوروبيين من أن تُسهم في إضعاف الدور الأوروبي.

وفي خضم الحرب، انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماع في البيت الأبيض مع المستشار الألماني الزائر فريدريش ميرتس في الثالث من مارس، إسبانيا لرفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الإسبانية في ضرباتها العسكرية ضد إيران.

ووصف ترامب موقف إسبانيا بأنه “غير ودي”، وهدَّد بقطع جميع العلاقات التجارية مع البلاد.

كما عبر ترامب في الوقت نفسه عن عدم رضائه عن بريطانيا، وقال للصحفيين خلال محادثاته مع المستشار الألماني “بالمناسبة، أنا لست راضيا عن المملكة المتحدة أيضا. هذا ليس ونستون تشرشل الذي نتعامل معه”.

في المقابل تتمسك إسبانيا بموقفها المعارض للعمليات العسكرية التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ودعا رئيس حكومتها بيدرو سانشيز إلى إنهاء التصعيد، مشيرا إلى أن إسبانيا لن تغيّر موقفها المناهض للحرب خوفًا من أي إجراءات انتقامية.

فيما اعتبرت فرنسا على لسان رئيسها إيمانويل ماكرون أن العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل تمت “خارج نطاق القانون الدولي” ولا يمكن لباريس الموافقة عليها.

وفي لندن، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن بلاده لا تشارك في “الضربات الهجومية” الأمريكية والإسرائيلية على إيران في الوقت الذي أوضح فيه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن بلاده لا تنوي المشاركة في أي عمليات عسكرية ضد طهران.

— خلافات أضعفت التنسيق

واعتبر أبو بكر الديب مستشار المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي أن الخلافات بين أمريكا والدول الأوروبية بشأن الحرب على إيران “تتمحور حول النهج العسكري مقابل الدبلوماسي”.

وأوضح الديب لوكالة أنباء ((شينخوا)) أنه في الوقت الذي “تميل فيه واشنطن إلى التحرك الهجومي، يُفضل عدد من الدول الأوروبية التفاوض والدبلوماسية لتجنب التصعيد الإقليمي”، لافتا في هذا الصدد إلى أن هناك “تباينا واضحا في الالتزام بين الطرفين”.

ورأى أن عددا من حلفاء واشنطن الأوروبيين “يتملصون أحيانا من دعم أي تدخل عسكري حفاظا على مصالحهم الاقتصادية مع إيران، ما أدى إلى توتر الثقة بينهم وبين الولايات المتحدة وأضعف التنسيق الاستراتيجي بين الجانبين”.

ويتفق عمر فاروق أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك أبوظبي مع ما ذهب إليه أبو بكر الديب، إذ قال إن أهم الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بشأن الحرب على إيران “تعود إلى اختلاف المقاربة الاستراتيجية بين الطرفين”.

وفي توضيح لهذه الخلافات، أشار عمر فاروق إلى أن واشنطن تميل إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة لفرض توازنات جديدة في المنطقة، في حين يفضّل العديد من العواصم الأوروبية مقاربة أكثر حذرا تقوم على الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري الواسع.

أما سمير خطيب الباحث والمحلل المستقل من مدينة الناصرة داخل إسرائيل، فقد اعتبر أن التردد الأوروبي في دعم أمريكا في هذه الحرب، ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو نابع من حقيقة جغرافية بسيطة، أنه بالنسبة لأوروبا، إيران هي “جار جيوسياسي” على حافة القارة.

— مخاوف أوروبية

وبدا واضحا أن أوروبا اختارت التعامل مع هذه الحرب بحذر شديد، لعدة اعتبارات، ذلك أنها لا تُخفي رغبتها في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنها في الوقت نفسه لا تخفي أيضا خشيتها من انفجار إقليمي يهدد أمن الطاقة ويزيد من التحديات التي تواجهها، وفي المقدمة منها الإرهاب والهجرة.

وفي هذا الصدد، قال عمر فاروق إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد تترك آثارا اقتصادية ملموسة على الدول الأوروبية، لاسيما إذا أدت إلى اضطراب إمدادات الطاقة أو ارتفاع أسعار النفط والغاز.

وتوقع أن يفتح هذا التصعيد العسكري الباب أمام موجات هجرة جديدة من مناطق التوتر في الشرق الأوسط نحو أوروبا، وهو ملف شديد الحساسية في السياسة الداخلية الأوروبية.

وعلى وقع هذه المعادلة، فرضت هذه الخلافات إيقاعها بقوة، خاصة بعد الموقف المُعلن الذي عبرت عنه الحكومة الإسبانية عندما تمسكت يوم الأربعاء الماضي، برفضها المشاركة في الحرب ضد إيران، رغم تهديدات الرئيس دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع مدريد.

ونفت الحكومة الإسبانية بشكل قاطع أي نية لها للتعاون مع أمريكا في عملياتها العسكرية ضد إيران، وذلك على عكس ما ذهبت إليه واشنطن في وقت سابق عندما ألمحت إلى احتمال تراجع إسبانيا عن موقفها.

ودفعت تهديدات ترامب المذكورة إلى تزايد الخشية من انزلاق هذه الخلافات نحو مربع القطيعة الذي لا تريد أوروبا الوصول إليه في هذه المرحلة ارتباطا بموازين القوى ذات الصلة بالتحديات الكبيرة المحيطة بالمنطقة الأوربية.

ومع ذلك، رأى أبو بكر الديب أن التصريحات المتناقضة، مثل إعلان البيت الأبيض عن تعاون إسبانيا في الحرب ونفي مدريد لذلك، تعكس ضغوط واشنطن ومحاولتها خلق غطاء دولي لتبرير تحركها العسكري، وتخفيف العبء الاقتصادي والعسكري على قواتها.

وذهب سمير خطيب إلى القول إن إصرار واشنطن على توريط دول أوروبية مثل إسبانيا ليس مجرد بحث عن حلفاء، بل هو محاولة لكسر “تمرد أوروبا الهادئ” على الهيمنة الأمريكية.

— تآكل الثقة بين واشنطن وأوروبا

ولفت خطيب إلى أن استمرار ابتعاد الجانب الأوروبي عن الموقف الأمريكي سيخلق شرخا دائما، لأن أوروبا تشعر أنها ستكون الخاسر الأكبر أمنيا، بينما تجني واشنطن وإسرائيل المكاسب السياسية، وهذا يدفع أوروبا دفعا نحو بناء استقلالية دفاعية خاصة بها.

وفي المقابل، اعتبر أبو بكر الديب أن استمرار هذه الخلافات سيؤدي إلى تآكل الثقة بين واشنطن وأوروبا، ويجعل أوروبا أكثر حرصا على استقلالها السياسي والعسكري، وربما يقلل من جاهزيتها لدعم أي تحرك أمريكي في الشرق الأوسط.

غير أن عمر فاروق اعتبر أن تملص بعض الحلفاء الأوروبيين من دعم الحرب لا يعني بالضرورة انهيار العلاقات مع الولايات المتحدة مستقبلا، لكنه يكشف عن فجوة متزايدة في الأولويات السياسية بين ضفتي الأطلسي، خاصة أن الحكومات الأوروبية أصبحت أكثر حساسية تجاه تداعيات الحروب الخارجية على اقتصادها وأمنها الداخلي.

وأوضح أن إعلان البيت الأبيض تعاون إسبانيا مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، مقابل النفي القاطع من مدريد، يعكس محاولة أمريكية لإظهار وجود دعم أوروبي أوسع للعملية العسكرية.

أما الإعلامي والمحلل السياسي العماني على المطاعني، فقال إن البعض من الدول الأوروبية منها فرنسا وإسبانيا “لم تعد تثق في الولايات المتحدة والرئيس ترامب كثيرا خاصة مع موقفه المتذبذب سابقا بخصوص الرسوم الجمركية والتي خلقت نوعا من عدم الثقة في ترامب”.

ورأى أن هذه الحرب قد تؤثر على العلاقة بين الطرفين الأوروبي والأمريكي في المستقبل خاصة وان هناك اختلافات كبيرة الآن في وجهات النظر بين الطرفين، لأن” الكثير من الدول الأوروبية لم تعد ترى في أمريكا حليفة حقيقية لها”، على حد قوله.

ووسط هذه الأجواء والمعادلات، يرى مراقبون أن كل المؤشرات المُحيطة بهذه الحرب تدل على أن أمريكا تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت تفقد الكثير من أوراق الضغط على أوروبا.

ومع ذلك مازالت واشنطن تُراهن على عامل الوقت لإحداث تغيير في إستراتيجيات وأولويات أوروبا، من خلال تلميحها بمراجعة خططها سعيا لتكييفها مع مقتضيات هذه الحرب التي تُرجح التقديرات أن يطول أمدها.

— فجوة استراتيجية أوروبية مع أمريكا

وفي ظل هيمنة القرار العسكري والسياسي لأمريكا على مجريات هذه الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات، يرى أبوبكر الديب أن تأثيرات هذه الحرب على أوروبا سيكون واسعا، ومُكلفا اقتصاديا واجتماعيا، وكذلك أيضا أمنيا.

وأشار في هذا الصدد إلى أن استمرار هذه الحرب سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، كما ستؤدي أيضا إلى موجات نزوح لاجئين من إيران والدول المجاورة، مما يزيد من الضغوط الاجتماعية والسياسية ويعزز المخاطر الأمنية بما في ذلك الإرهاب والهجمات السيبرانية.

واعتبر أن هذه الحرب ستُوسع الفجوة الاستراتيجية بين أوروبا وأمريكا، ما يجعل توحيد الموقف الأوروبي الأمريكي أكثر صعوبة ويزيد احتمال توجه أوروبا نحو استقلال سياسي واستراتيجي في الملفات الأمنية والدبلوماسية.

وبين هذا الموقف وذاك، تُجمع مختلف القراءات على أن هذه الحرب وضعت أوروبا أمام مأزق جدي، فرضته معادلات صعبة تحكمها حسابات دقيقة تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاستراتيجية الدولية، قد تنتهي بإعادة رسم توازنات النفوذ والمصالح في المنطقة.

شاهد أيضاً

هدى زوين

الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟ بقلم : هدى زوين

الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟ بقلم : هدى زوين من الجنوب اللبناني تبدأ الحكاية دائمًا… …