7:08 مساءً / 2 مارس، 2024
آخر الاخبار

غسان كنفاني: المسألة التنظيمية في سياقها التاريخي ، بقلم : وسام رفيدي

غسان كنفاني: المسألة التنظيمية في سياقها التاريخي ، بقلم : وسام رفيدي

ينبغي وضع مقالة الشهيد غسان كنفاني المطولة المعنونة: “التركيب التحتي للثورة: وثيقة عن السلاح التنظيمي”، في سياقها التاريخي المحدد والذي نعتقده حددّ ما ورد فيها، وهذا السياق يتشعب بتقديري لسياقين إن جاز التعبير: سياق اللحظة التاريخية لمستوى تطور الجبهة الشعبية بكل اسقاطات تلك اللحظة، سياسياً وأيديولوجياً وتنظيمياً وعسكرياً، وسياق اللحظة التاريخية لليسار العربي والفلسطيني على الخصوص، وحركة التحرر العربية على العموم؛ بموضعة تلك المقالة الغنية ضمن هذين السياقين يمكننا تناولها نقدياً كمقدمة لقرائها.

من نافلة القول: أنه لو قيض لكنفاني، وكلمة لو فيها غير قليل من المجازفة المعرفية، أن يعايش تطور الجبهة الشعبية حتى الألفية الثانية، لكان ما تناوله سيغتني بتجربة ثرية ومتشعبة المواقع الجغرافية والمدايات، وبالتالي لتم إغناء المقالة أكثر، خاصة لجهة المسألة المحورية التي تناولتها المقالة وهي الربط بين المسألة التنظيمية والتوجهات السياسية والأيديولوجية، ولكان بإمكان الشهيد الراحل أن يعمق اقتباساته من لوكاش وماو حول تلك المسألة من تجربة الجبهة نفسها التي واجهت تلك المسألة، أعني الربط، في الممارسة التنظيمية والسياسية على مسار تاريخها. ومرة ثانية من نافلة القول: أن مقدمتنا هذه وفي وضعها للمقالة في سياقها التاريخية، فإنها تضبط ممكنات الشطط الذي نتجنبه: محاكمة المقالة وفق منظور 2023،أي بعد ما يزيد عن 40 عامًا من معايشة تجربة الجبهة، اطلاعاً وممارسةً.

من الطبيعي أن يستشهد الرفيق غسان كنفاني بالقائد ماو في أكثر من مرة نظراً لأن الجبهة في تلك المرحلة، وقد كُتبت المقالة في العام 1971، كانت متأثرة بالفهم الماوي للماركسية ومشدودة للتجربة الفيتنامية، نظراً للتشابه القائم بين التجارب الثلاث؛ الفلسطينية والصينية والفيتنامية، علماً أن بناء الحزبين الشيوعيين الصيني والفيتنامي قد استندا أساساً للمبادئ ال لينين ية في بناء الحزب؛ فلينين بالأساس هو واضع تلك المبادئ التي غدت بمثابة أقانيم الحياة الحزبية للحركة الشيوعية واليسارية في العالم، ونعني بها تحديداً: القيادة الجماعية، النقد والنقد الذاتي، والمركزية الديموقراطية؛ علماً أن زج ستالين ضمن منظرو تلك المبادئ لا يستقيم مع الحقائق الثابتة تاريخياً والتي أظهرت الضرر البالغ بالحزب الشيوعي السوفييتي، نتيجة التوجهات الستالينية، فيما انتقل الضرر هذا، لانتقال ذات التوجهات، إلى مختلف الأحزاب الشيوعية آنذاك.

كان غرامشي قد اعتبر التنظيم بمثابة نقطة التوسط بين النظرية والممارسة، وهو بهذا لا يفترق كثيراً عن ماو الذي يستشهد به “كنفاني”، والذي اعتبر الحزب بمثابة القارب بين ضفتي المعرفة والممارسة، وفي الاستشهادين تحضر من خلف الستارة المقولة الماركسية أن النظرية تصبح قوة هائلة إذا ما امتلكتها الجماهير، والجماهير لا تمتلك النظرية إلا من خلال التنظيم. وهذه المسألة الأخيرة، أي العلاقة بين الجماهير والتنظيم؛ أشار لها “كنفاني” عندما تناول العلاقات الأربعة التي تؤطرها المسألة التنظيمية: العلاقة بين التنظيم والجماهير، العلاقة بين القيادة والقاعدة، العلاقة بين الأعضاء أنفسهم، وأخيراً العلاقة بين النظرية والممارسة، وفحص المسألة التنظيمية من زاوية تلك العلاقات، إضافة لذلك التطرق للتناقض الذي تخلقه تلك العلاقات على الجبهة المعاكسة: علاقة الجماهير والتنظيم بالعدو والمعركة، وعلاقة التنظيم بالتراث الثقافي (المتخلف) حسب تعبير “كنفاني”.

تتجلى عبقرية الراحل هنا في مقطعين أساسياً؛ الأول: التقاطه لشبكة العلاقات والتناقضات في الظاهرة الملموسة وهي هنا ظاهرة التنظيم وبنيته، والثاني: قدرته على فلسطنة المسألة التنظيمية بربطها، ولو بشكل متعجل، بطبيعة البنية الثقافية التي ينشط فيها الحزب. فإذا كان لينين افترض أن على الحزب أن يكون (منظمة شبه عسكرية) ليستطيع مواجهة سعي الدرك لتصفيتة، وليتمكن الحزب من الاستيلاء على السلطة، والأخيرة محور كل فكر لينين، فإن على التنظيم في ظل الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني (إما نحن وإما هم) أن يكون حزباً عسكرياً بامتياز، خاصة أنه يمتشق السلاح. لذلك لا يغيب عن “كنفاني” طرح قضية علاقة الجهاز السياسي بالجهاز المقاتل في الجبهة الشعبية وهي من القضايا التي طالما كانت معرض النقاش، لا بل والنقد، باعتبار أن بنية الجبهة لم تكن لتراعي، على الأقل خارج القواعد العسكرية، تلك العلاقة وهي أن الجبهة كان يفترض أن تكون حزباً مقاتلاً من أمينه العام حتى العضو المرشح أكثر من كونها نسخة عن الصيغة السوفييتية للحزب التي اعتمدتها الجبهة، وإن اجترحت صيغ تنظيمية جديدة تناسب خصوصية الموقع الجغرافي، وتحديداً في الوطن المحتل.

في سياق المرحلة التاريخية التي تناول فيها “كنفاني” المسألة التنظيمية كانت الجبهة بصدد إعداد وثيقتها التاريخية المعنونة “مهمات المرحلة” التي صدرت في العام 1972، بعد أن كانت صدرت قبلها وتحديداً عام 1969 وثيقتها التاريخية المعنونة “الاستراتيجية السياسية والتنظيمية” والتي رسمت خطوط العمل للتحول لحزب ماركسي لينيني مسلح، مسترشدة بالتراث الشيوعي واليساري العالمي وساعية لضبط هذا الاسترشاد وفق الخصوصية الوطنية التي تحددها طبيعة الصراع؛ ذلك السياق كان يتلاقح مع سياق عربي قوامه غرق الحركة الشيوعية العربية في وحل التبعية للحزب الشيوعي السوفييتي، (اليوم لا يتردد الشيوعيون في تناول تلك المرحلة بوضوح) باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي شب عن طوق التبعية في مؤتمره التاريخي في العام 1969. هذان السياقان تركا بصمتهما كما اعتقد على ما كتبه “كنفاني” من جهة، وكأنه بمقالته يستكمل ما رسمته وثيقة الاستراتيجية السياسية والتنظيمية بتناول المسألة الأهم، أي المسألة التنظيمية باعتبار حل المسألة التنظيمية، أي بناء الحزب؛ كفيل بحل المسائل الأخرى حسب لينين، والجبهة كانت في مرحلة بناء الحزب مطلع السبعينيات، ومن جهة ثانية؛ تسعى مقالته للتفارق عن التراث السوفييتي الكلاسيكي الذي اعتمدته الحركة الشيوعية عبر محاولة تعريب وفلسطنة المسألة التنظيمية، وإن بحدود ضيقة ربما اقتضتها طبيعة المقالة، لذلك كان من الطبيعي أن يحضر ماو بقوة في مقالته فيما كان السوفييت في أوج هجومهم عليه.

أخيراً، يتبدى غسان كنفاني كما في العديد من دراساته ومقالاته السياسية، غير كونه روائي عظيم، عن قائد حزبي سياسي يتقن السعي لامتلاك المنهج الجدلي المادي في التحليل للمسائل الأساسية في القضية الفلسطينية وحياة الجبهة، وربما كان أبرز ما قدمه على هذا الصعيد هو دراسته الفذة حول ثورة 36 – 39 وتحليله الطبقي لإخفاقاتها، إضافة للسبب القومي لاندلاعها؛ في هذا السياق النظري المكوّن للشهيد “كنفاني” تأتي مقالته هذه.

شاهد أيضاً

تقرير : حكومة الاحتلال تطلق موجة استيطان عاتية في الضفة بالتوازي مع الحرب الوحشية على غزة‎‏

شفا – مديحه الأعرج – قال تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، “إن …