
فلسطين بعد باريس: هل حان وقت الانتقال من إدارة التبعية إلى بناء السيادة؟ بقلم : المهندس غسان جابر
عندما يضطر التاجر الفلسطيني إلى بيع الشيكل بخسارة حتى يتمكن من شراء الدولار أو الدينار، وعندما تفرض البنوك سقوفاً للإيداع بسبب تكدس العملة الإسرائيلية، وعندما تتوقف المصانع بسبب انقطاع الكهرباء أو ارتفاع كلفتها، وعندما يجد آلاف العمال الفلسطينيين أنفسهم بلا دخل لأن قراراً سياسياً أو أمنياً في إسرائيل أغلق أبواب العمل في وجوههم، فإن المشكلة لم تعد أزمة عابرة أو خللاً فنياً في السوق.
إنها صورة مكثفة لطبيعة النموذج الاقتصادي الذي تشكل منذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994.
لقد كان يفترض أن يكون بروتوكول باريس ترتيبات انتقالية مؤقتة تسبق قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، لكنه تحول مع مرور أكثر من ثلاثين عاماً إلى أحد أكثر أشكال التبعية الاقتصادية رسوخاً في التاريخ الفلسطيني المعاصر.
اقتصاد يعتمد على معابر لا يسيطر عليها، وعلى عملة لا يصدرها، وعلى طاقة لا ينتجها، وعلى مياه لا يملك قرارها، وعلى سوق عمل خارج حدوده، وعلى إيرادات ضريبية تمر عبر الطرف الذي يفترض أن يتحرر منه.
وربما تكون هذه هي المفارقة الفلسطينية الأكثر قسوة:
لقد نجح الفلسطينيون في بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية، لكنهم لم ينجحوا حتى الآن في بناء نموذج اقتصادي قادر على حماية هذه المؤسسات من الابتزاز السياسي والمالي.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بجرأة ليس: ماذا فعل بنا بروتوكول باريس؟
السؤال الحقيقي هو:
لماذا بقي بروتوكول باريس قائماً حتى الآن؟
قد يكون من السهل إلقاء المسؤولية بالكامل على الاحتلال، وهو يتحمل بالفعل المسؤولية الأكبر باعتباره الطرف الذي صمم هذه العلاقة المختلة واستفاد منها لعقود، لكن ذلك لا يعفينا من مواجهة السؤال الأصعب:
هل نشأت خلال العقود الثلاثة الماضية بنية مصالح فلسطينية تكيفت مع اقتصاد باريس، وربما أصبحت بعض مصالحها مرتبطة باستمراره؟
الحقيقة التي قد تكون غير مريحة للكثيرين هي أن اقتصاداً كاملاً تشكل حول منطق الاستيراد والوساطة والاستهلاك والخدمات، بينما تراجعت الزراعة والصناعة والإنتاج الوطني إلى الخلف.
أصبح استيراد السلع أكثر ربحية من تصنيعها.
وأصبح الاستثمار في المجمعات التجارية أكثر جاذبية من بناء المصانع.
وأصبح البناء أكثر إغراءً من الزراعة.
وأصبح الاقتصاد الفلسطيني يقيس نجاحه بعدد الأبراج والمراكز التجارية والسيارات الجديدة، لا بعدد المصانع والصادرات وفرص العمل المنتجة.
ولم يكن ذلك مجرد تطور طبيعي للأسواق، بل نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي صُمم ليبقي الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للسوق الإسرائيلية لا منافساً لها، ومستهلكاً لمنتجاتها لا منتجاً بديلاً عنها.
وربما لهذا السبب بقي الحديث عن الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال أقرب إلى الشعار السياسي منه إلى البرنامج الوطني.
فالحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن الانتقال من اقتصاد التبعية إلى اقتصاد التحرر لا يعني فقط تعديل الاتفاقيات، بل يعني إعادة توزيع الموارد والأولويات والنفوذ والمصالح داخل الاقتصاد الفلسطيني نفسه.
وهنا تحديداً تبدأ السياسة.
لأن التحرر الاقتصادي، تماماً كأي مشروع تحرر وطني، يخلق رابحين وخاسرين، ويعيد تعريف مراكز القوة، ويطرح أسئلة غير مريحة على الجميع.
هل نحن مستعدون لإعادة الاعتبار للزراعة باعتبارها قضية أمن قومي لا مجرد قطاع اقتصادي؟
هل نحن مستعدون لمنح الصناعة الوطنية أولوية حقيقية حتى لو تطلب ذلك حماية مؤقتة لبعض المنتجات المحلية؟
هل نحن مستعدون لتحويل الطاقة الشمسية من مشاريع متفرقة إلى مشروع وطني للتحرر من إحدى أهم أدوات التبعية؟
هل نحن مستعدون لتوجيه رأس المال الفلسطيني نحو الاستثمار المنتج بدلاً من المضاربة العقارية والاستهلاك؟
وهل نحن مستعدون لتحمل كلفة بناء البديل؟
لكن المفارقة أن الشرق الأوسط نفسه بدأ يفتح أمام الفلسطينيين فرصاً لم تكن موجودة قبل ثلاثين عاماً.
تركيا أصبحت قوة صناعية وتجارية كبرى.
دول الخليج تتحول إلى مراكز مالية واستثمارية عالمية.
الصين تدخل المنطقة عبر البنية التحتية والتكنولوجيا.
الهند تبحث عن أسواق وممرات تجارية جديدة.
والاقتصاد العالمي نفسه يعاد تشكيله على نحو يتيح للدول الصغيرة هامشاً أكبر للحركة إذا امتلكت الرؤية والإرادة.
وفي المقابل، ما زال الفلسطينيون يناقشون كيفية إدارة نموذج اقتصادي صُمم لمرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي قبل ربع قرن.
ربما يكون الخطأ الأكبر الذي ارتكبناه خلال العقود الماضية أننا تعاملنا مع الاقتصاد باعتباره ملفاً فنياً يخص الخبراء والمصرفيين ووزراء المالية.
لكن الاقتصاد في الحالة الفلسطينية ليس ملفاً فنياً.
إنه جزء من معركة السيادة نفسها.
فالسيادة ليست علماً ونشيداً ومقعداً في الأمم المتحدة فقط.
السيادة هي أن تستطيع إنتاج جزء معتبر من غذائك.
وأن تملك القدرة على تشغيل شبابك.
وأن لا يتحول قرار في وزارة إسرائيلية إلى أزمة سيولة في مصارفك أو أزمة خبز في أسواقك أو أزمة كهرباء في مدنك.
السيادة هي أن يمتلك الشعب القدرة على الصمود عندما تتعطل السياسة، وأن يمتلك الاقتصاد القدرة على حماية المجتمع عندما تفشل المفاوضات.
ولهذا ربما تحتاج فلسطين اليوم إلى ما هو أكثر من خطة اقتصادية جديدة.
إنها تحتاج إلى مشروع وطني جديد عنوانه: اقتصاد التحرر.
فكما امتلك الفلسطينيون برنامجاً سياسياً للنضال الوطني، وكما امتلكوا برنامجاً لبناء المؤسسات، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى برنامج للتحرر الاقتصادي، يحدد ما الذي نريد إنتاجه، وما الذي نريد الاستغناء عنه، وما هي القطاعات التي يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي ملف سياسي آخر.
قد يكون الخروج من اقتصاد باريس صعباً ومكلفاً وطويلاً.
لكن استمرار البقاء فيه أصبح أكثر كلفة.
لأن الأمم لا تخسر استقلالها دفعة واحدة، بل تخسره تدريجياً عندما تعتاد التبعية وتتعامل معها باعتبارها قدراً لا يمكن تغييره.
ولعل السؤال الحقيقي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لم يعد:
هل يمكن إلغاء بروتوكول باريس؟
بل:
هل نمتلك الشجاعة السياسية لتحمل كلفة بناء البديل؟
لأن التحرر السياسي الذي لا يستند إلى تحرر اقتصادي يتحول مع الزمن إلى إدارة أكثر كفاءة للتبعية.
ولأن فلسطين لا تحتاج إلى اقتصاد يستطيع التعايش مع الاحتلال، بل إلى اقتصاد يستطيع النجاة منه.
ولأن السؤال لم يعد كيف نعيش تحت باريس…
بل كيف نبني فلسطين بعدها.
- – المهندس غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.