
أشجار الأرض المقدسة: بين القدسية والبصمة البيئية ، بقلم : المهندس منير سعد
في عمق الذاكرة الفلسطينية، وفي قلب الكتاب المقدس، لم تكن الشجرة يوماً مجرد كائنٍ نباتيٍّ عابر، بل كانت دائماً شاهداً على عهدٍ بين الخالق وخليقته، ومساحةً للقاء بين السماء والأرض. من شجرة البلوط التي استظل تحتها إبراهيم، إلى بستان جبل الزيتون الذي حمل فيه السيد المسيح له المجد أثقالاً لم يدركها غيره؛ لطالما كانت الأشجار في أرضنا أيقونات حية تروي قصص الإيمان، والصمود، والرجاء.
إن تأملنا في هذه الأشجار يضعنا أمام تحدٍّ أخلاقيٍّ كبير؛ ففي الوقت الذي ندرك فيه قيمة هذا الإرث، تواجه مساحاتنا الخضراء تهديداتٍ متسارعة، حيث تفرض مصادرة الأراضي من جهة، والزيادة العمرانية المكثفة من جهة أخرى، ضغوطاً جسيمة أدت إلى اقتلاع أو تقليص مساحات واسعة من الغطاء النباتي. إن التوسع العمراني، وإن كان ضرورةً لمواجهة النمو السكاني، إلا أنه غالباً ما يأتي على حساب أشجارٍ معمرة وأراضٍ كانت يوماً جزءاً من التوازن البيئي والروحي لهذه الأرض.
تزخر أرضنا بأنواعٍ من الأشجار التي تحمل دلالات لاهوتية عميقة، لعل أبرزها:
⦁ شجرة الزيتون: رمز السلام والبركة، وقد وردت في الكتاب المقدس كعلامة على المصالحة بين الله والإنسان (كما في قصة الحمامة التي عادت للنبي نوح بغصن زيتون). إنها شجرة الصمود بامتياز، تضرب جذورها عميقاً في تراب فلسطين، وتقاوم شح الموارد لتقدم زيتاً كان يُستخدم للمسحة والتقديس.
⦁ شجرة البلوط: شجرة القوة والرسوخ، ارتبطت بمواقف الميثاق واللقاء مع الله، مثلما حدث مع النبي إبراهيم عند بلوطات ممرا. إنها تعبر عن الثبات الروحي الذي لا تزعزعه رياح الزمن.
⦁ شجرة التين: ارتبطت في النصوص المقدسة بالرخاء والبركة، حيث كان الجلوس تحت التينة تعبيراً عن الطمأنينة والأمان في ظل رعاية الله.
⦁ شجرة الكرمة: هي رمز للاتصال الروحي العميق؛ فقد قدمها الكتاب المقدس كأيقونة للعلاقة بين المؤمن ومصدر حياته، «أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ» (يوحنا 15: 5).
إنها تعلمنا أن الثمر لا يأتي إلا بالبقاء في الكرمة، حيث تتغذى الأغصان من الجذع الواحد، مما يعكس وحدة الجماعة وارتباطها ببركة الأرض وعطائها المستمر.
إن هذا التحدي البيئي يكتسي طابعاً أكثر إلحاحاً عند النظر إلى لغة الأرقام؛ إذ تشير مؤشرات البصمة البيئية في فلسطين إلى وجود عجز بيئي واضح، حيث تفوق معدلات استهلاك الموارد الطبيعية قدرة النظم البيئية المحلية على تجديدها. ويبلغ متوسط البصمة البيئية للفرد نحو 1.5–2.0 هكتار عالمي، في حين لا تتجاوز القدرة البيولوجية المتاحة للفرد 0.17 هكتار عالمي، مما يعكس فجوة كبيرة بين الطلب على الموارد والإمداد البيئي المتاح. ويرجع هذا العجز إلى مجموعة من العوامل، أبرزها محدودية الأراضي والموارد المائية، والكثافة السكانية، والاعتماد على الطاقة المستوردة، إلى جانب الضغوط الناجمة عن التوسع العمراني ومصادرة الأراضي. وتؤكد هذه المؤشرات الحاجة الماسة إلى تبني سياسات تنموية مستدامة، تركز على تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتطوير إدارة النفايات، وحماية الموارد الطبيعية، بما يسهم في الحد من العجز البيئي وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة.
بعيداً عن قيمتها الرمزية، تلعب الأشجار دوراً حيوياً ومباشراً في حفظ التوازن البيئي للأرض، فهي “رئة الأرض” والمصفاة الطبيعية التي تعتمد عليها الحياة؛ فمن خلال عملية التمثيل الضوئي، تقوم الأوراق بامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون —المسبب الرئيسي للاحتباس الحراري— وتخزينه في سيقانها وجذورها، بينما تطلق الأكسجين الذي نتنفسه. إن كل شجرة نغرسها هي خزان كربوني حي يساهم في تقليل غازات الدفيئة، ويعد خط دفاعٍ أول ضد التغير المناخي. لذا، فإن الحفاظ على الغطاء النباتي الحالي، والتوسع في زراعة الأشجار المحلية، ليس مجرد خيار بيئي، بل هو استثمارٌ استراتيجي في خفض البصمة الكربونية، وخطوة ضرورية لاستعادة التوازن وضمان مستقبلٍ يكون فيه الهواء أنقى والمناخ أكثر اعتدالاً.
يصف النص الكتابي الإنسان البار بـ “الشجرة المغروسة عند مجاري المياه”، رابطاً بين استقامة المسار والقرب من مصدر الحياة. إن هذه الأشجار، بتاريخها الطويل، تذكرنا بقانونٍ إلهيٍّ بسيط: كلما كانت جذورك أعمق، وكلما كان ارتباطك بمصادر الحياة أنقى، أصبحت بصمتك على هذا العالم أكثر نفعاً. إن حماية ما تبقى من أشجارنا المحلية ليست مجرد خيار تقني، بل هي ممارسة فعلية للصلاة، ولغة التعبير عن محبتنا للأرض التي اؤتُمنا عليها.
ختاماً، إن دعوتنا اليوم واضحة: كما كانت الأشجار في الكتاب المقدس رمزاً للعهد، فلتكن أشجارنا اليوم رمزاً لعهدنا مع الأرض ومع الأجيال القادمة. نحن مدعوون لكيلا نترك وراءنا بصمة استنزاف، بل بصمة نموٍ وتجدد. ففي كل مرة نغرس فيها شجرة، أو نحمي فيها غابة من التوسع الجائر، نحن نترجم محبتنا لهذه الأرض إلى فعلِ حياةٍ يومي؛ فنتجذر في تربتها كما تتجذر الأشجار عند مجاري المياه، ثابتةً في إيمانها، ومعطاءةً في وجودها، لتظل أرضنا إرثاً حياً للأجيال القادمة.
- – المهندس منير سعد – بيرزيت
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.