
وجع لا تنطفئ حكايته تكتبه الأمهات ، بقلم : آمنة الدبش
في فلسطين لا تُكتب الحكايات بالحبر وحده بل بالدموع التي تنهمر بصمت وبالقلوب التي تنبض رغم الفقد وبالأمهات اللواتي حوّلن وجعهن إلى ذاكرة وطن يحمل في كل بيت قصة فقد وفي كل قلب حكاية صمود لا تنتهي وهنا لا يُقاس الزمن بعدد الأعوام بل بعدد الوداعات التي أثقلت قلوب الأمهات.
▪︎ قلب الوطن النابض
الأم الفلسطينية ليست مجرد شاهدة على الأحداث بل هي إحدى صانعات التاريخ وحارسة الذاكرة والركن الذي يستند إليه الوطن كلما أثقلته المآسي فمن بين يديها يكبر الأطفال على حب الأرض والانتماء ومن دعواتها الصادقة يستمد الأبناء القوة لمواجهة أيامٍ لا تشبه طفولة الشعوب الأخرى هي التي تخبئ خوفها خلف ابتسامة مطمئنة وتودع أبناءها كل صباح بقلبٍ يدرك أن العودة ليست دائماً مضمونة لكنها لا تسمح للخوف أن ينتصر على الأمل.
وعلى كتفيها يستند البيت حين تعصف به رياح الحرب والفقد فتتحمل ما يفوق طاقة البشر تداوي جراح من بقي وتكتم دموعها كي لا تهزم معنويات أسرتها ثم تنفرد بقلبها في الليل لتبكي بصمت بعيداً عن العيون وبينما يدون المؤرخون تواريخ الحروب وأعداد الضحايا تظل الأمهات يكتبن التاريخ الحقيقي بتضحياتهن اليومية وبالصبر الذي لا يراه أحد وبالقلوب التي تنكسر في كل مرة يغيب فيها ابن لكنها تعود لتنهض من جديد لأنهن يدركن أن بقاء الوطن يبدأ من بقاء الأمل حياً في صدور أبنائه.
▪︎ حجم الفقد
لا يوجد مشهد أشد قسوة من أم تستقبل جثمان ابنها تقف أمامه بين عدم التصديق واليقين تتأمل ملامحه للمرة الأخيرة وتستعيد في لحظات خاطفة سنوات عمره أولى خطواته ، أول يوم دراسي، ضحكاته وأحلامه التي كانت تملأ أرجاء المنزل في تلك اللحظة يعجز الكلام عن مواساة قلبٍ انكسر وتصبح الدموع اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن حجم الفقد.
فكل أم فلسطينية تحمل في قلبها قصة تستحق أن تُروى بعضهن ينتظرن أبناءً غيبتهم الحروب وأخريات يزرن القبور حاملات الورود والدعوات، لكنهن جميعاً يشتركن في شيء واحد الإيمان بأن ذكرى الأبناء ستبقى حية ما بقيت فلسطين.
▪︎ حين يتحول ملاذ الحياة الى وداع
لم يكن الطريق إلى مستشفى شهداء الأقصى مجرد رحلة وداع بل كان طريقاً يختصر حجم المأساة حملت أم الشهيد محمد أبو خماش ما تبقى من أشلاء ابنها بين ذراعيها ومضت بقلبٍ أثقله الفقد ومشهدٍ تجاوز قدرة الكلمات على الوصف ، لم تكن تحمل جسداً كما تعرفه الأمهات بل بقايا حلمٍ ربته عاماً بعد عام حتى غدت تلك اللحظة عنواناً لفاجعةٍ تعيشها أمهات فلسطين حيث يتحول حضن الأم من ملاذٍ للحياة إلى حضنٍ أخير للوداع ، ويبقى هذا المشهد شاهداً على الثمن الإنساني الباهظ الذي تدفعه العائلات الفلسطينية في الحرب.
أم الشهيد محمد أبو خماش ليست وحدها من ذاقت مرارة الفقد فقصتها واحدة من آلاف الحكايات التي تحملها أمهات فلسطين ففي كل مدينة ومخيم وقرية تقف أم على عتبة بيتها تنتظر عودة ابنها لكنها تستقبله محمولاً على الأكتاف أو مودعاً إلى مثواه الأخير، تتشابه الوجوه وتختلف الأسماء لكن الوجع واحد وجع أمٍ كانت تحلم بأن تزف ابنها إلى مستقبل يليق بأحلامه فإذا بها تزفه إلى الوداع الأخير.
في فلسطين لا تُحصى المآسي بعدد الشهداء فحسب بل بعدد القلوب التي انكسرت وعدد الأمهات اللواتي أُجبرن على إخفاء دموعهن خلف ملامح الصبر وهن يودعن فلذات أكبادهن تاركاتٍ للعالم سؤالاً لا يزال بلا جواب: كم أماً فلسطينيةً يجب أن تنكسر حتى يتوقف هذا النزيف..؟
- – آمنة الدبش – صحفية من قطاع غزة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.