
عندما تسقط المهنية على عتبات الترند ، بقلم : أ. لبنى الأشقر
عندما تسأل طفلة من غزة لم تتجاوز الثمان او التسع سنوات، ما هي مواصفات زوجك المستقبلي؟؟؟ هنا بكل تأكيد تسقط المهنية الصحافية بكل تاريخها أمام سباق بعض الاعلاميين والمحطات الفضائية لتحقيق الترند وزيادة المتابعين، وزيادة نسب الوصول على حساب الأخلاق الإعلامية والمهنية، وعلى حساب القضايا الاجتماعية الأكثر أهمية من هذا التنميط لدور الفتيات في هذه الحياة.
تابعت احدى التقارير المتلفزة لمحطة إعلامية قديرة من المفترض أن لديها البعد المهني والاخلاقي كأحد أولويات عملها في تغطية قضايا المجتمع، في تقرير تلفزيوني يسأل فيها الصحافي الطفلات الصغيرات أمام خيامهن المهترئة عن مواصفات زوجهن المستقبلي، لأصدم وتصيبني خيبة كبيرة على جهود بذلناها لسنوات في بناء وعي الاعلاميين والاعلاميات في قضايا النوع الاجتماعي على امتداد سنوات طوال.
فمن منظور انساني و إعلامي وحقوقي نسوي، هذا النوع من المحتوى “الإعلاني” أو الإعلامي يطرح إشكاليات عميقة وينطوي على مغالطات مهنية وأخلاقية فادحة، لا سيما بالنظر إلى السياق الزمني والجغرافي الحالي في قطاع غزة.
فهو انتهاك صارخ لخصوصية وحقوق الطفل إعلامياً، هناك مواثيق وأخلاقيات صارمة نعلمها للإعلاميين تحكم التعامل مع الأطفال في وسائل الإعلام، فتوجيه أسئلة للطفلات تتعلق بالزواج ومنظور “العريس والعروس” يُعد نوعاً من التنميط المبكر، وإقحاماً قسرياً لهن في سياقات وتصورات تفوق عمرهن الذهني والعاطفي. هذا يساهم بشكل غير مباشر في تطبيع فكرة “زواج القاصرات” بدلاً من التركيز على حقوقهن الأساسية كالتعليم واللعب والحماية.
ناهيك عن الانفصال التام للصحافي عن الواقع فالطفلات في قطاع غزة يعشن اليوم تحت وطأة صدمات نفسية مركبة، وفقدان للأمان، ونزوح مستمر، وحرمان من أبسط مقومات الحياة والتعليم، فعندما يتجاهل الإعلامي هذه الكارثة الإنسانية ويركز على سؤال سطحي حول “مواصفات العريس المستقبلي”، فإنه يمارس نوعاً من الاستخفاف بمعاناتهن، ويفشل في نقل أولوياتهن الحقيقية وصوتهن الذي يطالب بالحياة والأمان والعودة إلى المدارس.
لا شك أن هذا النوع من العمل هو تنميط جندري واضح ،فهذا السؤال يعيد إنتاج واختزال طموح الفتاة والطفلة في مؤسسة الزواج فقط، وكأن غاية وجودها تنحصر في انتظار “العريس” وتحديد مواصفاته، بدلاً من سؤالهن عن أحلامهن، تطلعاتهن المستقبلية، ماذا يردن أن يصبحن في المستقبل، وكيف يعشن يومهن في ظل هذه المعاناة، أو كيف يرين العالم من حولهن. هذا المحتوى يكرس الصورة النمطية التي تحصر المرأة في أدوار جندرية تقليدية منذ الطفولة.
باعتقادي ان الهدف الوحيد لمثل هذه التقارير هو البحث عن “التريند” على حساب المهنية فغالباً ما تلجأ بعض المنصات أو صناع المحتوى لهذه العناوين تحت مسمى “العفوية” أو “المحتوى اللطيف”لجمع التفاعلات والمشاهدات (التريند)، لكنه في الحقيقة يسقط في فخ السطحية والاستغلال الإعلامي للأطفال في بيئة هشة أساساً.
خلاصة القول أن هذا العمل الإعلامي يفتقر إلى الحساسية الجندرية، ويفتقر إلى أخلاقيات الصحافة الحريصة على حقوق الطفل، ويمثل نموذجاً للإعلام الذي يغيب الوعي وينفصل عن قضايا مجتمعه الحقيقية، الطفلات في غزة بحاجة إلى منصات ترفع صوتهن للمطالبة بحقوقهن في البقاء والنماء، وليس إلى محتوى يسلعهن ويسطّح واقعهن، فانتبهوا لما تنتجون.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.