6:57 مساءً / 11 يوليو، 2026
آخر الاخبار

الأملُ الضائع ، شعر: معاذ أحمد العالم

الأملُ الضائع
شعر: معاذ أحمد العالم


ولَجَ إلى غرفتهِ الحَقيرة
وأدار نظرَهُ من حولِهِ  فَوقَعت عيناهُ على  حَصيرَة
ألقى بها على الأرضِ وافترش عليها طَرَّاحةً* ومَخدةً صغيرة
مُتعباً كان ويحملُ على كتفيهِ هَمَّهُ وهَمَّ أسرَتهِ الفقيرة
زَوجة وطفلان حظهم من الدُّنيا عَنزَةٌ
وثلاثُ دجاجاتٍ ومؤونةٌ وَفِيرة
وكوخٌ مُتهالكٌ لا يَكادُ يصمِدُ لليالي الشِّتاءِ  المَطيرَة
وقطعةُ أرضٍ يَفلَحونَها في الصَّباحِ
ويَؤوبُونَ للبيتِ  ساعَة الظَهيرة 
ودَّعَ أُسرَتهُ وغادرَ البِلادَ يبحثُ عَن فُرصةٍ
يُنهي  بها عِيشتَهُم العَسيرة
آوى للفراشِ فَغلبهُ النُعاسُ ونامَ وعلا  على الفَورِ شَخيره
راودَتهُ أحلامٌ جميلةٌ أخذته لعالمٍ أجملَ لا يَتصوَرَهُ شُعوره
وجد نفسَهُ وبِجيبِهِ المال الكثير يعودُ 
لأُسرَتِهِ فتتلقاهُ زَوجَتُهُ فَرحانةً مَسرُورَة
وأولادهُ يَتَحلَّقون من حولهِ فرحينَ
بِعودتِهِ وبما حَملَ مِنْ هدايا كثيرة
لِيَبنِيَ لهم بيتاً جميلاً يكونُ فيه المَلكُ
وتكونُ زَوجَتهُ فيه الأَميرة
ويَحيُوا  أياماً تَملَؤُها السَّعادة  والفَرح
والحياة الطَيبَة  المَيسُورة
صَحا في صباحِ اليوم التالي لِيَجدَ نَفسَه
في عالمٍ آخرٍ قد تغيَّرت أُمورَه
تناولَ فُطورَه على عَجلٍ وخرجَ مُيَمِّماً
صوبَ عَمَله وبِيَدهِ زُوّادةً وشَطيرَة
يحملُ الطُّوبَ والأخشابَ والحِجارَة
لساعاتٍ مُرهِقَةٍ  كثيرة
يعودُ بعدها مُتعباً فيتناوَلُ عَشاءَهُ ويَخْلُدَ
للنومِ  لساعاتٍ قصيرَة
صعبةً كانت  الأيامُ تمضي بعيداً عن أُسرتِهِ
مُثقلَةً بالهَمِّ والحياةِ المَريرَة
لكنَّ  ذِكرى الفَقرِ  والجوعِ كانت تُنسيهِ ما
يُعانيه مِنْ تعبٍ وأهوالٍ خَطيرَة
فيَشدُ العزمَ ويَمضي نَصبَ عينيهِ الأمل
بِمُستَقبلٍ تَتَفتَح فيه زُهورَه
مَرَّتْ السِّنينُ تباعاً لا أخبارَ منْ أُسرتهِ
فوَسائلَ التواصلِ كانت نَزيرَة*
عَضَّهُ بعدها الشَّوقُ وما عادَ يَحتَمِل البُعدَ
عنهم وقد طالت شُهورَه
رَكبَ الحافِلةَ وقَفِلَ عائداً لمَوطِنهِ وقلبِهِ
يَرقصُ شَوقاً لأُسرَتهِ في الدِّيرة
وصلَ للمنزلِ …قرعَ البابَ فانشَقَ على
وَجهٍ لم يَكَدْ يَعرِفَهُ فقد تَغيَرت سُطورَه*
صاحَ صاحِبُ الوَجهِ ” أبي ” وارتَمى في
حُضنِهِ والدُّموعُ تنهالُ من عينيه غَزيرة
أين أُمكَ يا بُني ؟ سأله مُتَوجِساً
وهو يُخفي مشاعِرَهُ المَغمورَة
بَكى الأِبنُ ولم  يقوى على النِطقِ كيف
يُخبِرهُ بوفاةِ أُمِّهِ مَقهورَة
وكيف  انتظرت عودتَهُ صَابِرةً على نارِ
البُعدِ يَحرِقُها سَعيره؟؟
وكيف كانت تقضي الليالي تدعو له
بالعَودةِ سالماً من غَدرِ الزَّمانِ وشُرورَه؟
وكيف هرعت ذاتَ مرةٍ عندما طرقَ البابَ
ملهُوفةً تفتَحَه تَخالَهُ هو، فكانت إمرأةٌ مِنَ الجِيرَة؟
جاءت  تطلبُ حاجَتَها فقد نفدت من عَجِينِهم الخَميرة
وكيف كلما عادَ مُغتربٌ للبلدة تَرى في
عينيها الأملَ علَّهُ جاءَ بِخَبرٍ مِنهُ لدى حُضوره؟
لم يطلْ الأمر حتى أدركَ الأبُ  أن  زَوجته
تَوَفتْ فأَجهَشَ بالبُكاءِ وقَصدَ وابنَهُ القَبرَ  مُتلَهِفاً يَزوره
وراحَ يَتَمسَحُ  بأحجارِ القَبرِ وهو يَنهَجُ
بالبُكاءِ آمِلاً أن تَشفعَ له  مَعاذِيرَه*
تَمالكَ نفسَهُ وجَفَفَ دَمعَهُ وقرأ لِرَوحِها
الفاتِحَةَ وأتبَعها بآياتٍ مِنَ القُرآنِ ونفسه حَسيرَة*
وعادَ في صباحِ اليومِ التالي لِيزرَعَ على
قَبرِها قلباً مِنْ شَجَرِ المَنثورة*
ويَسقيهِ مِنْ دُموعِهِ على مَنْ كانت له
الوَفيَّة بين نِساءِ المَعمورَة
ويأخذُ على نفسهِ العَهدَ أن لن يكونَ في
قلبِهِ مُتَسَعاً لغيرها له عَشيرَة
ولا يَتَّخِذ خليلةً من بَعدِها لتكونَ له 
الزَوجةَ الأولى أَمَدِ العُمرَ والزَّوجَةَ الأَخيرة

  • طراحة:  فرشة خفيفة.
  • نزيرة: نادرة، قليلة جدا.
  • تغيرت سطوره: تغيرت ملامحه بسبب المعاناة.
  • معاذيره: أسبابه التي جعلته يغيب عنهم المدة الطويلة.
  • حسيرة: شديدة الندم.
  • شجرة المنثورة: المنثورة” (أو المتيولة) هي جنس نباتي من الفصيلة الصليبية، معروف بأزهاره الجميلة، ورائحته العطرية الزكيّة التي تشتد وقت الغروب.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 9 يوليو كالتالي :عيار 22 85.900 دينارعيار 21 …